بقلم / الأستاذ سمير أبو القاسم
دعوتي اليوم إلى الحوار الديمقراطي الداخلي، تأتي من إيماني الراسخ بأهمية ونجاعة الانفتاح على ما توفر داخل الحزب من أفكار وآراء ومواقف واختيارات، وكذا على ما راكمناه جميعا داخل تجربتنا من حرية التعبير في فضاءات الحزب المفتوحة، للتفاعل مع ما تنتجه الخصائص والسمات التي تطبع حزبنا، وفي مقدمتها ضعف تملك الثقافة الديمقراطية وقيمها، ونقص في القدرة على إشاعة أنماط من المواقف المنسجمة والمتناغمة مع مبادئ وقيم حقوق الإنسان.
أجواء التوتر المتصاعدة والمواجهات الساخنة، بين بعض الأعضاء المتواجدين بالقيادة الحالية، بدل أن تعمل على توفير أجواء وظروف التكتل حول برنامج للمستقبل لصالح الشباب والنساء وأبناء الطبقة الوسطى وباقي المتضررين من فئات وشرائح المجتمع المغربي، فهي تجرنا بالتأكيد إلى الانغماس في التعصب والفرقة والشوفينية، بدل الدخول إلى معترك الحوار الديمقراطي الداخلي.
فهل سنكون مضطرين في المستقبل إلى خوض غمار المقاومة الشرسة والعنيفة من أجل فرض خيار الحوار الديمقراطي، أم أننا سنستكين لثقافة الاستسلام والتهافت ؟
وانطلاقا من روح الفكرة والمشروع، وطريقة التفكير والتخطيط، وأسلوب الاشتغال والتسيير، الذي أطر الفعل خلال مساهمتنا في تأسيس الحركة وبعدها الحزب، واستحضارا للسياقات والظروف العامة العصيبة التي تعيش على إيقاعها البلاد، واعتبارا لحالة التردد والانتظارية التي تطبع المشهد السياسي برمته، وحرصا على عدم السقوط في مطب تذكية عوامل الفرقة والانشطار والإسهام في تشتيت الشمل، وتفاديا للوقوع في فخ إضعاف الجهد وإتلاف التراكمات والتأثير سلبا على الأداء التنظيمي والسياسي للحزب، أصبح جميع مناضلات ومناضلي الحزب مدعوين اليوم إلى ترجيح كفة التعقل والتعامل مع الوضع التنظيمي للحزب بنوع من النضج في التعاطي مع المشاكل التدبيرية المطروحة، والمساهمة الفعالة في رأب الصدع والبحث بروية واتزان عن الحلول الناجعة، للخروج من مأزق التأزيم، الذي قد يعصف بالتجربة وحصيلتها السياسية والتنظيمية.
وبناء على ما يعتمل داخل الحزب من تجاذبات بين بعض أعضاء الحزب المتواجدين بموقع القيادة الحالية، حول قضايا التنظيم والأداء السياسي، وبناء على واقع غياب المعطيات المسعفة لعموم المناضلات والمناضلين في التحليل والتمحيص والتدقيق والتموقف بخصوص منطلقات وخلفيات وأسباب الاختلاف، وبناء على بروز نوع من الجنوح في التصرف والممارسة والسلوك، خاصة مع تهريب النقاش من فضاءات الحزب وأجهزته التنظيمية، والاتجاه نحو الكولسة ونشر غسيل الاختلافات الداخلية في بعض المنابر الإعلامية، التي زاغت عن سكة وظيفتها المتمثلة في الإخبار والتعليق والتحليل بشكل موضوعي، وأصبحت تلعب أدوار الضغط والابتزاز، ومهام تقديم الخدمات المدفوعة الحساب لهذه الجهة أو تلك.
وإعمالا لمبدأ التدخل الواجب والمفروض، أقترح في هذه اللحظة المفصلية والحاسمة احتضان الحزب للقاء يجمع كافة أعضائه المتواجدين بموقع القيادة الحالية، بهدف فتح نقاش عام حول مختلف قضايا تدبير وتسيير الشأن الحزبي الداخلي، والتواصل والتفاعل بين كل “الحساسيات” الموجودة، مع التزام الجميع بأخلاقيات الحوار الديمقراطي، وفق القواعد والضوابط الأخلاقية والتنظيمية المنصوص عليها في المرجعية الفكرية والسياسية والقانونية للحزب، المتعاقد عليها بين كافة المناضلات والمناضلين في مختلف المؤتمرات التي انعقدت منذ التأسيس إلى الآن.
وتجاوزا لأي منطق يروم رهن الحزب لمختلف الحسابات الضيقة الجارية، واستحضارا لواجب وضرورة إتاحة شروط وظروف الاشتغال والتنظيم والتأطير والتمثيل داخل فضاءات الحزب وأجهزته التنظيمية، لا يمكنني كمناضل في صفوف الحزب إلا أن أكون منوها بهذه المبادرة ومشجعا لها ومنخرطا في توفير سبل انعقادها، خاصة وأنه بإمكانها المساهمة في توفير شروط الابتعاد عن جر المناضلات والمناضلين إلى منغلقات الاصطفاف المجموعاتي الضيق، والدفع في اتجاه تقوية الحوار والتواصل بين كل الهيئات الحزبية وغيرها، سعيا للوصول إلى اتفاق على خطة عمل بمقاربة تشاركية، لتفعيل وتنشيط الحياة الحزبية على الواجهتين التنظيمية والسياسية، في إطار الاختلاف والتنوع والتقدير والاحترام المتبادلين.
علما بأن الرأي العام المتتبع للشأن الحزبي، يسجل اليوم أن التوتر هو السمة الغالبة التي تطبع حياتنا الحزبية الداخلية، وأن بعض الأعضاء المتواجدين بالقيادة الحالية لم تعد لهم القدرة على الإنصات لبعضهم البعض، فضلا عن انغماس البعض في التعبير عن الرغبة في استخدام منطق لي الدراع والضغط من أجل الوصول إلى الاستفراد بالتسيير، دونما أي اعتبار لمؤسسات الحزب واختصاصاتها، ودونما التزام بقواعد وضوابط نسج العلاقات والتفاعلات واتخاذ القرارات داخلها. وهو ما يجر ممارستنا الحزبية والمؤسساتية بشكل مؤكد إلى كثير من الاصطدام والتوتر، وإلى تغييب أخلاقيات العيش المشترك والعمل الجماعي.
وحسب نوع من الاستمزاج العام لرأي المناضلات والمناضلين، يتبين أنه لدينا اليوم فرصة تاريخية لاستعادة أجواء التأسيس، التي بنيت على حوار سياسي وتنظيمي ثري ومنتج، وهي مناسبة لتعزيز أرضية العمل المشترك بين “الحساسيات” المختلفة. خاصة وأن الحزب في حاجة ماسة إلى تجاوز حالة التوتر القائمة، والخروج من حالة الانتظارية التي لا يمكنها أن تخلو من تداعيات سلبية على الأداء التنظيمي والسياسي، وبالتالي ترسيخ أجواء حوار عقلاني منتج للآراء والمواقف، ومقدم للحلول والبدائل، وفاتح لباب الأمل والعمل لمناضلاتنا ومناضلينا داخل مختلف مواقع فعلهم مجاليا.
إن المفترض في الأعضاء المتواجدين بالقيادة الحالية، أن يقودوا عمليات التفكير وإنتاج الآراء والمواقف للحاضر والمستقبل، لا أن يلعبوا أدوار التبعية لهذه الجهة أو تلك، أو أن يصبحوا مجرد أبواق لخطابات جماعات الضغط المنتشرة في مختلف مراكز القرار. فوقع الحسرة على مثل هذه الأجواء الموبوءة والمشحونة بعناصر التوتر، لا يوازيها لدى عموم المناضلات والمناضلين سوى الإصرار على تأطير رؤية واضحة لأفق مفتوح وحر، بدل الدوران في حلقة التعصب “المجموعاتي” الضيق، سواء من حيث الانتشار أو من حيث النظر والاشتغال.
إن إصرار الجميع على إنجاح هذه المبادرة مطلوب، من أجل انتظام التفكير في السياق الحزبي الداخلي، المختلف كثيرا عما نعرفه اليوم عن وضع الديمقراطية الداخلية للأحزاب السياسية، كما أن إصلاح أعطاب الفعل التنظيمي والسياسي يكتسي في واقعنا الحزبي اليوم صبغة استعجالية، بالنظر إلى طبيعة وشكل الدور المنوط بثاني قوة في المشهد السياسي وأول قوة سياسية معارضة، وهو ما يتطلب مثل هذه المبادرة العملية، لإحداث الأثر الإيجابي المطلوب، ولكي يكون حكم المناضلات والمناضلين حينها على أفكار وآراء ومواقف وأفعال، وليس على أقوال أو نوايا أو تشهير أو تبخيس أو طعن في ذمة الأشخاص…
وقد أثبت حزب الأصالة والمعاصرة منذ نشأته، وبحكمة وروية وبعد نظر مؤسسيه، أنه فضاء لترسيخ قيم الاختلاف، وتعزيز مبادئ قبول الآخر، وإشاعة الاتجاه نحو خدمة الصالح العام، في إطار من الوضوح والنزاهة، وعلى أسس التواضع في المساهمة، والاحترام في تدبير العلاقات، والتسامح في التعامل مع مختلف التفاعلات، وهو ما شكل سمة أساسية طبعت أداء كل قياديي الحزب بنوع من الصدق والالتزام والانضباط من جهة، وجعلت ممارستهم التنظيمية والسياسية مطبوعة بقدر كبير من المرونة والواقعية والالتقائية في تدبير وتسيير الشأن الحزبي الداخلي والخارجي من جهة أخرى.
وبقدر ما نحن اليوم في أمس الحاجة إلى استلهام مثل هذه المواصفات المؤهلة لصناعة الأطر والكفاءات القادرة على تمثل صفات رجال الدولة ونسائها، بقدر ما نحن مطالبون جميعا، وعلى وجه السرعة، بتصفية الأجواء المكهربة، خاصة وأن الحزب في حاجة إلى كافة مناضلاته ومناضليه، وغير مستعد للتفريط في أطره وكفاءاته وطاقاته.
وإذا ما صدقت النوايا، وتوفرت شروط التعبير الصادق عن الإرادات، أمكننا جميعا أن نكون متواضعين ومحترمين لبعضنا البعض، ومتسامحين فيما بيننا، وفاعلين وعاملين على جعل الحزب فضاء للتعايش والتفاعل والتكامل والتضامن وخدمة الآخرين. وهو بالضبط ما يحتمه الشعور بالواجب تجاه الوطن والمواطنين، وهو كذلك ما يدفعنا إلى الاستعداد للتضحية من أجل أداء سياسي مواطن.
وإذا كانت ظروف النشأة قد أتاحت لنا الاستفادة من هذه الدروس، فإن سياقات التطور على مستوى البناء الحزبي اليوم، ترشدنا وتدلنا على أن الحوار والتفاعل وتبادل الآراء والمواقف هو أحد أقوى الأدوات المتاحة لنا من أجل تجويد الأداء الحزبي. سيما وأن الاستمرار في السير على درب “الصراع” و”المواجهة” غير المكشوفة لا يمكنه إلا أن يؤدي بنا إلى التراجع عن الفكرة والمشروع والخط السياسي والبرنامج.
فنشأة الحزب الأصالة وتطوره كانا ملازمين لفكرة خلق فضاء حزبي للحوار، قصد إتاحة الفرصة لكل المناضلات والمناضلين من أجل النقاش والتداول والتفاهم، بدل التوجه إلى معارك خارج الأجهزة والمؤسسات الحزبية، بدون قواعد تنظيمية ولا ضوابط أخلاقية. لأن التعايش لا يعني غياب الاحتكاك والتجاذب بين الأفكار والآراء والمواقف والأشخاص، بل يتعدى ذلك بكثير حين يكون مستحضرا لواجب التحلي بثقافة ديمقراطية من طرف الجميع، على مستوى التصرف والممارسة والسلوك، تجنبا لأي انجراف في اتجاه إذكاء أوضاع اللا استقرار.
إن اختيار قيادة سياسية للحزب في كل التجارب الإنسانية، لا يكون لها أي مدلول أو معنى إن لم تكن على استعداد لتفريغ جهدها كله في تجنب نشوب تطاحنات داخلية مهددة بالسقوط في مطب الانشقاق، وإن لم تكن متمرسة على تكريس وقتها وجهدها لمنح الأولوية لتحقيق التعايش المنتج بين المناضلات والمناضلين.
فالوعد بالقضاء على كل أشكال الإقصاء والتهميش وعدم التخلي عن أحد، لا يمكن استساغته إن كان بمنطق العمل الخيري، بل بروح ونفس حماية حقوق وواجبات المنخرطات والمنخرطين، والدفاع عن الحق في الكرامة والحياة الحزبية الكريمة، وتوفير إمكانية التغلب على كل العقبات وتدليل الصعاب. فطريق التعايش ونبذ الكراهية يبدأ مع الذات والتصالح معها أولا، ويتداخل مع سبيل الطموح إلى التغيير.
وحين أدعو إلى مبادرة الحوار الصريح والواضح والمفتوح، فإني لا أراهن فقط على أريحية الأطراف المعنية بـ”الاختلاف” حول بعض العمليات الإجرائية ذات الصلة بتدبير وتسيير الشأن الحزبي، بل أستند في ذلك إلى قاعدة حق جميع المناضلات والمناضلين في حسن المعاملة داخل فضاءات تنظيمهم، وإلى أساس الواجب المفترض احترامه من طرف المتواجدين في القيادة الحالية للحزب، وهو الواجب المتمثل في كفالة مبدأ التساوي في الحصول على المعلومة والمعطيات المتعلقة بحاضر ومستقبل الحزب، مهما كانت حدة “الاختلاف” في الرأي والموقف والتباين فيهما.
وإذا كانت هناك من غاية مرجوة من هذه المبادرة، فهي لا تخرج عن نطاق مناقشة بين الأطراف من أجل تصحيح المواقف والممارسات والسلوكات، وإظهار الحجة، وإثبات صدق الرأي أو الموقف، ودفع شبهات التأويل والتحريض والتشهير، ورد الفاسد من القول والرأي، واستجلاء حقائق الأمور، والعمل على إيجاد الحلول الممكنة والمتاحة الهادفة إلى تقوية الأداة الحزبية وتعزيز شروط تحسين أدائها التنظيمي والسياسي.
فالتعامل الديمقراطي بين المناضلات والمناضلين يعكس في الأصل مشروعية الاختلاف الطبيعي بينهم من حيث النظر والفهم والتفكير، وهو مظهر يعكس القدرة على التجدد وتلاقح الأفكار، ما دام هناك انضباط لقواعد وضوابط الاختلاف المشروع، لجلب نفع ظاهر وبَيِّن أو دفع أي ضرر قادم.
فالحوار الذي أدعو إليه داخل الحزب يُعَد ضابطا خاصا، من حيث أهميته في التقريب بين الأطراف والآراء والمواقف والخيارات، ومن حيث تفادي السقوط في حروب المجايلة التي لا تنتهي، وكذا من حيث التركيز على نقاط الاتفاق، لبلوغ آفاق رحبة من التلاقي والتوافق والإقبال، والتقليل بالمقابل من اتساع رقعة الجفاء والتعصب والتنازع، وتضييق الخواطر والتشويش عليها وجرح المشاعر والأحاسيس، وإفساد الود وتعكير صفو الأنفس والأجواء. خاصة عند عدم الالتزام بحسن اختيار الأسلوب والعبارات والكلمات المستعملة، التي لا تساعد على حل المشكلات وفض الاشتباكات، وتفويت الفرصة على الجميع من أجل أن يكونوا مثمرين وفعالين وهادفين.
إن الحوار بهذا المعنى يتجه نحو إتاحة الفرصة لتوسيع دائرة التفاهم والتقارب من أجل الوصول إلى قناعات معينة، وإطارات مشتركة، خاصة وأن مشروع الحزب يهدف إلى تكوين المناضلات والمناضلين، ومن خلالهم تنظيم أمور المواطنات والمواطنات، وبالتالي إشاعة خطه السياسي، بأحسن الوسائل وأفضل السبل، وبمراعاة لأخلاقيات الحوار والالتزام بضوابط ذلك ومتطلباته.