أردوغان يتحدث كوصي عثماني على السودان وليبيا والجزائر هروبا من أزماته الداخلية

عندما ينحشر الرئيس التركي، رجب طيب اردوغان، فإن لعبته المفضلة هي الاستدارة وافتعال الحركات الاستعراضية التي تؤكد لنا أن الرجل لا يعرف حجمه”. هذه المقولة الألمانية الشهيرة التي كانت احد أسباب أزمة الثقة بينه وبين الرئاسة الألمانية، أخذت ألوانها التلفزيونية كاملة، خلال الأيام الثلاثة الماضية. ففيها انفجرت في المؤسسات الاقتصادية الدولية فضيحة غياب عشرين مليار دولار من كشوف حسابات الحكومة التركية والبنك المركزي، في سياق لعبة فساد الأرقام في معالجة التداعي السريع للاقتصاد التركي واستحقاق سداد ديون خارجية تنذر بالإفلاس.

وفي نفس الوقت كانت هزيمة اردوغان وحزبه، العدالة والتنمية، في الاحتفاظ برئاسة بلدية اسطنبول، محل مراجعة يائسة، يحاول اردوغان أن يعالجها بقرار محكمة (خاضعة لسلطاته الشاملة) يسرق فيها نتائج الانتخابات بإعادتها، حسب تشخيص وبيانات منظمات حقوق الانسان الدولية وبذات الوقت كان الوفد الذي ارسله اردوغان الى واشنطن من أجل ضبط أزمة الصواريخ الروسية، قد عاد الى أنقرة بترجيحات أن تشهد المرحلة القادمة تصعيداً في الأزمة يفوق طاقة الرئاسة التركية على الاحتمال، وهي التي توالت عليها في الأسابيع الأخيرة سلسلة هزائم جيواستراتيجية في البحر الأحمر وشمال افريقيا.

في مواجهة هذه الشبكة من الهزائم التي تراكمت على القصر الرئاسي التركي باشكنلجي ساراي، تسلسلت وعلى مدى ثلاثة أيام مواقف وتصريحات تستحضر دراما المسلسلت التركية، وتعيد التذكير بالتشخيص الساخر لنهج اردوغان وهو يستدير قليلاً عن المشهد الداخلي المأزوم ليبحث عن فضاء آخر يستعرض فيه أحلامه العثمانية… فمشكلته أنه لا يعرف حجمه وحدوده، حسب المقولة الألمانية التي اضحت قناعات اوروبية ودولية. تعليقاً على هزيمة الرئاسة التركية في برنامجها التوسعي في البحر الأحمر، مدعومة كما هو معروف من قطر، والتي كانت أخذت فيه من الرئيس السوداني المقال، عمر البشير، جزيرة سواكن في البحر الأحمر لتحولها الى قاعدة عسكرية تحت ستار الترميم التاريخي والوجهة السياحية، فقد خرج هامي أكسوي، الناطق باسم الخارجية التركية، يوم الجمعة 26 أبريل، لينفي التقارير عن قرب إلغاء الاتفاق بين اردوغان والبشير بخصوص جزيرة سواكن. التعبير الذي استخدمه أكسوي، في بيان النفي، استذكر فيه أن جزيرة سواكن السودانية هي ”إرث فني عثماني“ ستظل تركيا تعمل على إعادة تشغيله. وكان في هذا التعهد بالمتابعة يؤكد ان تركيا لن تتوقف عن التدخل في السودان لعرقلة عجلة التغيير فيه. وكانت تقارير عدة نشرت الأسبوع الماضي تتوقع أن يقوم النظام السوداني الجديد بإلغاء اتفاق جزيرة سواكن (2017) بين البشير واردوغان نتيجة ما يمثله ذاك الاتفاق من محاولة اختراق للأمن الإقليمي للبحر الأحمر وتهديد للدول العربية.

وفي الأثناء كان الرئيس اردوغان يستحضر قضية خارجية أخرى، هي موضوع هضبة الجولان السورية المحتلة، يستعرض فيها امام حزبه، خرجات الحلم العثماني. فبدلا من أن يتحدث عن قضية العشرين مليار دولار والتي اعتبرتها وكالة بلومبيرغ الاقتصادية مسألة اختصاص مثيرة للريبة يتوجب على الرئاسة التركية أن تحسمها بالتوضيح، كان اردوغان يستدير نحو الجوار العربي، ليصف ما حصل في الجولان بأنه ”مسألة توجع القلب“، متهماً الدول العربية بالتقصير. لكن استدارة اردوغان عن أزماته ومشاكله الداخلية ليتحدث عن الجولان، كانت أكبر من أن تتجاهلها المعارضة التركية التي وصفت ما يقوله اردوغان بأنه مفارقة شديدة الوجع. فحجم الأراضي السورية التي يحتلها أردوغان تبلغ بالضبط أربعة أضعاف مساحة الجولان، ومع ذلك لا يتوجع.

وفي اليوم التالي واصل اردوغان الهرب من هزائمه الداخلية، متحدثاً عن السودان و ليبيا والجزائر. فما حصل مؤخراً في هذه البلدان الثلاث من تغيير في الحكم بالسودان والجزائر، ومن تقدم للجيش الوطني الليبي باتجاه طرابلس لتحريرها من سيطرة مليشيات الترهيب المتحالفة مع الإخوان المسلمين وغيرهم، شكّل هزيمة استراتيجية للبرنامجين التركي والقطري، وجعل اردوغان يكشف مكنونات أحلامه العثمانية التي تهيئ له أن السودان وليبيا والجزائر هي ولايات تابعة لسلطان اسطنبول. طريفة وكشافة، كانت بكائيات اردوغان على ما يحصل في السودان والجزائر من تحالف وطني للمؤسسة العسكرية مع الشارع من أجل التغيير واجتثاث شبكات الفساد والإرهاب.

ومثلها ملاحظاته عن الذي يحصل في ليبيا من اضطلاع المؤسسة العسكرية بمسؤوليتها الوطنية في استعادة البلد من اختطاف المليشيات المسلحة للدولة ردّاً على التقارير التي تتوقع أن يتم قريباً في السودان إلغاء عقد الاستئجار التركي لقاعدة سواكن وما تمثله من اختراق تراكي ـ قطري لأمن البحر الأحمر والعمق الافريقي، جاء رد اردوغان بمكابرة شخص لا يعرف حجمه ـ حسب المقولة الأوروبية. قال: الدعم التركي للسودان سيتواصل، مشيرا الى أن السودان يعد بمثابة ”القلب لإفريقيا“، وهي حقيقة أوجعته وهو يجد نفسه أمام خسارة أطاحت ببرنامج تآمري اشتغل عليه طويلاً. استخدم اردوغان تعابير ”التدخلات الخارجية“ في السودان وليبيا، ليبرّر فيها هزيمة برنامجه الذي وظّف له شبكات الإرهاب وتهريب الأسلحة ليخترق البلدين بعمليات موثقة في الأمم المتحدة وفي أرشيف أجهزة الرصد الدولية والإقليمية

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد