ضجيج الضعفاء

لندن : حسن السوسي محلل سياسي مغربي

ليس الضعف السياسي نقيصة على اي مستوى من المستويات، وإنما هو حالة موضوعية نسبية تعرفها كل القوى والدول في أطوار محددة من حياتها. ولأن الضعف ظاهرة عامة، من حيث المبدأ وفق شروط موضوعية وذاتية محددة، فإنها قابلة للتجاوز، من حيث المبدأ كذلك، متى توفر للقوى الضعيفة عدد من الظروف التي تساعدها على الانتقال من هذه الحالة الى حالة أفضل.
غير ان ما هو مبدئي من حيث الضعف وتجاوزه لا يعني يسرا في التعاطي مع هذه الحالة وتلك في مطلق الأحوال. ذلك ان هناك صنفين على الأقل من القوى والدول يمكن ان يقرأ من سلوكها ما يفيد ان مسألة الضعف وتجاوزه معقدة الى حد كبير.
ولعل الصنف الأول هو الذي يعمد، بمجرد استشعار بعض مؤشرات الضعف في اي مجال من المجالات، الى تصويب النظر الى هذه المؤشرات للتعرف على طبيعتها والعمل على معالجتها قبل فوات الأوان، ولو فرض عليه ذلك اعادة النظر في أولوياته في مختلف المجالات على اعتبار ان الهدف الأساس في ممارسته هو تطويرها بما يحقق التقدم في مختلف المجالات.
وبطبيعة الحال، فإن ادراك والاعتراف بمواطن الضعف في ممارسة الدول ومختلف القوى السياسية هو المدخل الإجباري للتعاطي مع الموقف بما يستحقه من الجدية والمسؤولية.
وهذا لا يعني ان نجاح المعالجة مضمون بشكل مطلق على اعتبار ان هناك في بعض الأحيان عوامل موضوعية او ذاتية داخلية او خارجية أقوى من كل المحاولات، لكن الاستسلام للأمر الواقع بهذه الذريعة او تلك غير مبرر بأي حال من الأحوال على اعتبار ان المحاولة تظل دائما مدخلا ضروريا للتجاوز.

اما الصنف الثاني فهو ذلك الذي يحاول غض الطرف عن كل مؤشرات الضعف، بل ويحاول، في كثير من الأحيان، التغطية عليها من خلال عدد من الممارسات التي توحي بالقوة والتمكن في حين انها ليست، في نهاية المطاف، الا التعبير عن الضعف وانعدام التوازن. وهذا ما يتم التعبير عنه بسياسات الهروب الى الامام ودخول مغامرات سياسية غير محسوبة النتائج على قاعدة وهم ان ترحيل المشكلات الى الخارج، مثلا، يمكن ان يبعد الأنظار عن الضعف ومخاطر التفكك الداخلي او يمكن ان يحد من مفاعيلها.
وكثيرا ما اعتبر هذا الصنف ضالته في المبادرة الى الاعمال العدائية وربما الحروب العدوانية على الآخرين وخاصة منهم من يعتبر هذا الصنف انهم اضعف منه تسليحا وقوة سياسية، ليكتشف في آخر الأمر ان كل ما قام به ليس في الواقع الا خلق الشروط الإضافية لتعميق ضعفه الأصلي، والدفع به الى حافة الهاوية ان لم يكن الى عمقها في الواقع.
وإذا كان الصنف الأول ينحو في سياساته منحى الواقعية والعقلانية في تدبير شأن مؤشرات الضعف بما يخدم استراتيجية التجاوز، فإن الصنف الثاني يعمد الى التستر على مؤشرات الضعف بمزيد من المغامرات المصحوبة بالضجيج السياسي الذي هو أشبه بالجعجعة التي لا يعقبها طحين.
ولعل الأسوأ في الأمر ان هذا الصنف من الدول والقوى يحاول فرض هذا الضجيج والمهاترات على من يعتبرهم حلفاءه بكل الوسائل كما يرغب في تعميم هذيانه السياسي بدل التفكير في تجنيب الذات والغير مخاطر مثل هذا الهذيان.

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد