بقلم رزاق عبدالرزاق
نحن شعب محضوض بتعدد لغاتنا ولهجاتنا ، “تانفطرو بالدارحة ، وتانتغداو بالعربية الفصحى (الإذاعة، الإخبار الزوالية ) وتانتعشاو بالفرنسية ( التلفاز). وفي شهر رمضان تانتسحرو بلغة الفقه والدين .هذا رائع . من من شعوب الأرض ينعم بمثل هذه الميزات؟ المرفوض كليا هو ”خالوطة جالوطة و الشكلي في العكلي”، كما تخطط لذلك شرذمة ضالة مسيسة بشكل عشوائي واعوجاجي ، همها الوحيد هو التشويش والاستهجان ، خدمة لأجندة خفية (وما خفي أعظم) يختلط من خلالها ألمصالحي الذاتي بالسياسوي المنحط ، والمستهدف من وراء هذه الهجمة الشرسة ليس فقط الصبيان ولكن جيوب آبائهم وأوليائهم . نراهم يخبطون خبط عشواء اعتمادا على ما سمي ب ”الفوضى الخلاقة” ، وهي موضة العصر، أعطتنا داعش وبوكوحرام وما جاورهما ، أهم مرتكزاتها هي انتصار الغريزة على العقل والانفعال الهمجي على التحاور الهادئ ، والانسياق الأعمى في دوامة العنف والعنف المضاد . في مقالة سابقة أشرت على أن داعشية الدول التي تحارب الإرهاب لا تقل وحشية عن الجماعات المقاتلة ، التي أسلفنا ذكرها والتي تقوم بين الفينة والأخرى بعمليات تخريبية يكون مع الأسف ضحاياها هم الأبرياء، وليس مؤطري هذه السياسات الرادعة .
لنرجع إلى التعدد اللغوي الذي أرى فيه نعمة ولا نقمة، فهو لم يأتي دفعة واحدة بل جاء كتراكم لتفاعلات همت عصورا وأزمنة . ويجب أن لا نفزع من هذا التعدد اللغوي فالهند سبقتنا إليه باحتضانها لأزيد من 230 لغة ، بما فيها السانسكريت لغة الهندوس القدامى والتي كتبت بها أقدم واكبر ملحمة إنسانية على الإطلاق وهي الماهابهاراتا . لم يمنعها هذا التعدد اللغوي من تبوء مكانة مرموقة في المنتظم الدولي ، خاصة الذي يعتمد على العلوم الحديثة والتكنولوجيا . في العصر الحالي تعتبر بلاد الهند قوة نووية . لها أقمار اصطناعية صنعتها اعتمادا على كفاءاتها الذاتية وقدراتها المحلية ، من علماء و مهندسين وتقنيين، وليس عن طريق الصفقات كما تفعل الدول العربية . ذهبت بعيدا في مجال الصناعة الرقمية ومجالات أخرى . كل هذا يحصل بفضل تعليم ناجح ومخططات تكوينية ومناهج تربوية صائبة .
سال مداد غزير، وتنوعت المداخلات بين مدرس يطالب بالاهتمام بالملقن أولا قبل التلاميذ، وبين محلل سياسي يربط تخلف المنظومة التعليمية بطبيعة النظام التي تتوجس من تفشي المعرفة التي تؤدي إلى الوعي السياسي، حاربت الفلسفة عدة مرات، وألآن يريد منظرو النظام الرجوع الاضطراري إليها ، لمواجهة المد اللاهوتي .
بدأت الحرب الكلامية تهدأ تدريجيا ، لكن الإشكالية التعليمية لا زالت قائمة ، تراوح مكانها بثقلها المعيي والمؤرق.
شخصيا لست ضد تعليم الدارجة، لأنها، أردنا ذلك أم أبينا، فهي جزء من هويتنا ومن كياننا . لكن وضعها تعمدا في منطقة شرود يفسد اللعبة . لو خصصوا لها حصة كباقي اللغات الأخرى لكان أفضل . فبها نقضي حاجاتنا . هل سمعتم مغربية تقول لبائع الخضر: “من فظلك أريد شراء رطلا من الفاصوليا و نصف رطل من الجزر وشيء من البقدونس” .
“ما كاين غير اللوبية وخيزو و القزبر والمعدنوس”.
إن الدارجة هي لغة تواصلنا اليومي . تختلف حسب المناطق . قد تجد فيها كلمات مستوردة من لغات أجنبية: ك ” برويطة ، بشكليطة، باركو، شابو ، بوسطا … ”
ادكر أن في مدرسة أيام زمان ، حين كانت الدولة سخية ومهتمة بتكوين الأجيال . كانت تتفضل علينا بوجبة الفطور مكونة من ”طاسة حليب فيها كوبيل، وطرف كومير فيه الطون “. حفظت ذاكرتنا كلمة ”كوبيل” دون أن نقرأها في كتاب بوكماخ . فعلى مناصري ”بغررة” المقررات التعليمية أن يفعلوا نفس الشيء: ” أعطوا التلاميذ ”لبريوات” ليأكلوها ، سيتذكرونها طيلة حياتهم . كما حصل لنا مع كلمة كوبيل .
إن مشكلة العرب مع لغتهم الأصلية ليست مرتبطة بتواجد لهجات وإنما في ملاءمتها مع متطلبات العصر وفي تطويرها . فحتى في فرنسا مثلا نجد كلغة دارجة ما يسما ب l’argot’’ ’’ وهي تختلف شكلا ومضمونا عن الفرنسية الكلاسيكية التي عرفت تطورات وإصلاحات متتالية ، آخرها تم على يد لغويين ونحويين بارزين يقودهما Damourette و Dauzat .
لحظئد كان التطاحن على أشده بين تيارين ، كما يحصل الآن في المغرب، مع فارق أساسي هو أن التيار الذي ينادي بالتلهيح عندنا تكتنفه الهشاشة الأكاديمية كما يفتقد للقواعد النحوية وللأسس المنطقية التي تسهل انتشار دارجتنا في بلدان أخرى بشكل سلس وفعال . هل لذا هذه الفئة المغمورة والمتهورة، التي تبدو أن لها اليد الطولى في شتى الأمور ، تصور مكتمل الجوانب؟ هل لديها مثلا منجد للمصطلحات للاستعانة به عند الحاجة ؟ هل تملك قدرة التصنيف الفونيتيقي للألفاظ والحروف حسب مخارج النطق ، كما فعل بالنسبة للغة العربية العلامة اللبناني البستاني صاحب كتاب ”العين”؟
في القرن المنصرم قام احمد غزال بتعريب عدد من المصطلحات العلمية. لماذا لم تتم مواصلة هذا المجهود القيم، بل لماذا لم تتم مأسسته داخل إطار منظم له بنيته التحتية و ميزانيته الخاصة، كثلك المخصصة للبحث العلمي . حان الوقت بالنسبة لأكاديمية المملكة بأن تدلو بدلوها ولتدخل غمار التحديث للغوي . فبعد اللقاء التواصلي حول اكتشاف جمجمة اركيولوجية في المغرب لم نسمع عن هذه المؤسسة أي شيء. ونكاد نجزم أنها دخلت سباتها الشتوي الذي لا يؤثر عليه تغير الفصول .