بقلم رزاق عبدالرزاق
في مغرب الألفية الثالثة يبدو أنه من غير الممكن للمبدع متعدد المواهب أن يظهر للعموم بقبعتين فنيتين أو أكثر، لأن تعدد القبعات يخيف عامة الناس والمكلفين بهم إداريا على حد سواء. لا يستسيغون بعض الحالات الاستثنائية، كأن تكون مثلا في آن واحد، وبالحجة والبرهان، ناقدا ورساما وشاعرا، لأن الأشخاص محدودي الرؤى يرون في تعدد المواهب مبعث للخوف. ما فوق موهبة واحدة يعتبرونه ترفا. وهذا خطأ فادح. كوكطو كان شاعرا، ورساما، وناقدا أدبيا، وكاتبا مسرحيا ومخرجا سينمائيا.
في مستهل التوطئة صنفت النقاد كمبدعين ، ولست على خطأ لأني أعتبر النقد إبداعا و فنا قائما بذاته ، ولو أنني أقر كباقي المتتبعين أن التراتبية الإبداعية تعطي الأسبقية لصاحب المبادرة الأولي، أي للرسام و للأديب وليس للناقد. فلا وجود لأي نقد بغياب مادة البحث الأولى. ولنا في الفنون برمتها أمثلة شتى تزكي الفكرة وتعزز من جدواها. ما يخيف الناس السذج هو النقد، ويتجنبون من ابتلي به، حبا أو طمعا في المال، لأنهم يعطون للمفهوم دلالات خاطئة ، ناسين أو موهمين بالنسيان ، أن للنقد الفني الرصين وظيفة تاريخية تكمن في الاكتشاف و إثراء المضامين وتصحيح المسارات. فنظرا لغرائبية بعض اللوحات، ( كتلك التي رسمها الفنان الكاتالوني سالفدور دالي) يتبوأ الناقد مكانة الوسيط بين الرسام والمتلقي، لتبسيط الأمور، وإعطائها طابعا مألوفا . فلولا الناقد بيير ريسطاني الذي واكب التجربة الفنية الرائدة التي ميزت « Yves Klein » ( إيف كلاين) مؤسس فن “البودي أرت” (Body-Art) لما وجد هذا الفنان الموهوب الذي مات في سن مبكر، الثقة الكافية للمضي قدما إلى الأمام، وليبرز كمؤسس لمدرسة حداثية، لا زال تلامذتها ينشطون في شتى بقاع العالم ، من بينها المغرب . كذلك لولا الصحافي الذي جادت قريحته بكلمة «impressionisme» في “معرض المرفوضين” الشهير( باريس 1874) وهو يتأمل لوحة ل كلود مونيه تحمل عنوان “انطباع ، شروق الشمس “، لما عرفت هذه المدرسة الاستطيقية كل هذا التوهج، وكل هذا الإشعاع، مند ظهورها في الهامش حتى صارت في المركز.
تمة لبس في المصطلح المستعرب بالمقارنة مع أصوله اللاتينية . كان من الأفضل إيجاد صيغة أخرى للكلمة المترجمة إلى اللغة العربية. عوض كلمة “نقد” التي تشيرفونولوجياً للفلوس، يستجدي البحث عن مصطلح أكثر فنية، بعيدا عن الكواليس المصرفية و السوقية . فإذا كانت القواميس اللغوية تعطي للناقد الفني حق إصدار الأحكام على الإبداع في جميع تجلياته وتمظهراته ، فإن التعريف لا يخلو من مفارقات تخص الممارسة والتطبيق على أرض الواقع . لا يوجد إشكال في إبراز المحاسن، لكن الخطورة تكمن في الجرأة على إبراز المساوئ و السلبيات. كأن تقول مثلا و بفصيح العبارة بأن فلان نقل لوحة فلان، وأن فلانة أمية لا تصلح إلا لطلاء الحنة ولا للفن التشكيلي، وما أكثر “النكافة والنقالة في هاد لبلاد”.
الجانب الأخر لهذه المفارقة يتعلق بالجانب الحسي لعملية النقد الفني، لأن النقد ليس علما وإنما ممارسة كتابية، قد تستعين ببعض العلوم الحقة أو النظريات التحليلية كالبنيوية و السيكولوجية، التي تحاول ربط الإشكال والألوان بالأنا العميقة التي سماها فرويد «Le Surmoi » .
هل يمكن لشخص “daltonien ” ( الذي لا يرى اللون الأحمر) أن يكون ناقدا نزيها ومتزنا وهو تنقصه حاسة الالتقاط البصري لإحدى الألوان الرئيسية ؟
هناك أقوال مأثورة تضع الناقد في حالة شرود، كالمثلين الفرنسيين:
« Des goûts et des couleurs on ne discute pas » (الأذواق والألوان لا تناقش)
« La critique est aisée, mais l’art est difficile » (النقد سهل لكن الفن صعب) .
هناك حالتين لا ثالث لهما : إما أن نقبل النقد بروح فنية ورياضية ونبحث عن وسيلة شريفة لتصحيح الهفوات إن اقتنعنا بوجودها ، و إما أن نرفضه جملة وتفصيلا، لكن بدون عنف . هل يستوي الرسام الذي يعي ما يرسم والجاهل الذي يكتفي برسم الأبواب التاريخية بطريقة بدائية ، دون معرفة حتى تاريخ هذه الأبواب ؟ هنا يكمن جوهر السؤال. فالاصطدام لا مفر منه، بين الرسام الأمي والناقد العارف بخبايا الأمور ، لأن وظيفة هذا الأخير تشبه ، إلى حد ما، وظيفة “الديتيكتيف”، أي المحقق الذي يجند كل طاقاته لصيانة الذوق و إرشاد محبي الفنون الجميلة، وتنبيههم من السقوط في فخ النصابين والمحتالين الذين يجعلون من الفن مطية لتحقيق مآربهم . الفن في المغرب لازال في البدايات و تكتنفه شتى العيوب، لأن تجربتنا في فن التشكيل فتية، ومن الطبيعي أن تقع المناوشات والمشاجرات، خاصة أن بعض الرسامين يعتبرون أنفسهم بائعي سلعة، لذلك لا يسمحون لغيرهم بأن يتدخلوا في تسويق بضاعتهم، بالإضافة إلى الأنانية المفرطة التي تطبع سلوكهم، ناهيك عن الحسد الذي يولد الخصام. “كل يلغي بلغاه” ، وكل “زواق” يقول : من بعدي الطوفان. لكن يأتي ”الناقد المصحح” ليرد عليه: ”لا طوفان ولا فيضان من بعدك، لأنك لا تصلح أن تكون فنان. فللفن رسالة نبيلة بعيدة كل البعد عن المتاجرة و البيع والشراء . ورسالتي كناقد هو تحذير محبي الفنون التشكيلية من عدم صلاحية سلعتك و من تعفنها”.
هناك أشخاص فشلوا في إقناع الجمهور بعمق تجربتهم الفنية، فبدؤوا يتكتلون على شكل نقابات لفرض أسمائهم في الساحة بالقوة، ويوظفون شرذمة من أشباه النقاد، لتلميع صورتهم في جرائد الرصيف، التي لا يقرؤها أحد. فشتان بين الناقد الملتزم و بين مرتزقة القلم. إذا كان الأول يناضل من أجل تنقية المجال من الطفيليات، فالثاني يركد وراء الغنائم المسمومة. فلا غرابة إن بدأنا نسمع في المغرب ب “مافيا الفن والمتاجرة بالقطع الأثرية”، وتعتبر سرقة تمثال “باخوس” (Bacchus) من وليلي أضخم عملية نهب تستحق فيلم من نوع “أرسين لوبان” .
فحتى في أوروبا في عصر البدايات الحداثية ، كان الصراع على أشده بين المدارس الفنية والتيارات، بدليل أن المدرسة الانطباعية التي أشرنا إليها من خلال السطور الفائتة، كانت نتاجا دياليكتيكيا لتضارب الرؤى والتصورات الجمالية في تلك الحقبة. انطلاقا من التيار الرومنطيقي إلى المدرسة السريالية وما جاء بعدها ، لم تهدأ العاصفة ولم يتوقف الهيجان الفكري. لكن ما يجب التأكيد عليه بجلاء، هو احترام آراء النقاد الذين شاركوا في هذه الحروب الاستطيقية بأقلامهم واجتهاداتهم. بعض منهم استطاع أن يغير مجرى تاريخ الفن، وبعض آخر بقي غارقا في المستنقع. هذا هو ما سميته تبعات النقد الفني.