رزاق عبدالرزاق :(مؤسس الجائزة الدولية للفن الساخر)
في غياب تام لأي إبداع حقيقي، يدخل المسرة و الطمأنينة في النفوس، ينتعش منظمو حفلات التكريم النفعيون (gharadistes)، نراهم ينتهزون الفرص والمناسبات، للظهور تحت جلباب الوصي العارف بشؤون الثقافة، والصديق الوفي الذي يعول عليه « في وقت الحزة » . يختارون فضاء ما، مهما كانت طبيعته ومساحته (قهوة، كولوار، كاراج…)، يجمعون بعض الكراسي الخشبية ذات المسامير غير المثبتة والصدئة، ثم ينادون على الاختصاصيين في تلميع الصور بالمساحيق الكلامية. بعد الإعلان في صحف الرصيف، أن الشخص الفلاني سوف يكرم عما قريب، تجمع الجوقة بكاملها، من الطبال إلى ”كاري حنكو”. لا بأس إن شرفهم الناس البسطاء بالحضور الكريم. هكذا تتم العملية الاستعراضية، التي ستكرر إلى ما لا نهاية، مع أشخاص آخرين، يجهل العام والخاص اسمهم ووجودهم، ولا نعرف لأي سبب يكرمون. ما هي المنجزات الباهرة التي قاموا بها ؟ وما هي الخدمات الجليلة التي أسدوها للمجتمع، والتضحيات الجسيمة التي قدموها، آو انتزعت منهم غصبا، لكي نكرمهم أحسن تكريم؟ تم ما فائدة هذا التكريم المفتعل، إذا كان يقتصر على الكلام الفضفاض، على طريقة نغمة واتاي، وكولو العام زين؟
« السيد ناشر رجلو في البيران والكانتينات، تايتسنا من يخلص عليه الشراب، وتاي ديرو منو المنفلوطي. لحماق هذا. »
كل من كتب كتيب، آو نشر ثلاثة أسطر في صحيفة مهملة، همها الوحيد هو ملأ البياض الورقي، بالمواضيع التافهة والخزعبلات، يعتبر نفسه أنه الجاحظ، ، لذا وجب الاعتناء به.
هذا التكريم المهزلة صار مذلة. وانتشاره في أيامنا هاته، يؤشر على انحطاط على جميع المستويات والأصعدة.
في البلدان المتقدمة لا يكون التكريم إلا لأعلام الفكر البارزين، الذين تركوا بصمات نيرة بعد موتهم، أما الأحياء فيمنحونهم جوائز تشجيعية، ليستمروا في الإنتاج والتألق. في عالمنا البئيس، الذي تنخر قواه الأمية و الزبونية، والقبائلية و آفات أخري، صرنا نلاحظ تكدسا مرضيا في ما يخص حفلات التكريم. ما أن ينتهي ”اللقاء التكريمي” الأول، نجدهم يعدون العدة إلى الذي سيليه. «غير شدو النوبة كلكم غادين تكرمو تكريما جما» .
عوض الاستماع لآخر إبداع روائي، أو شعري لأحد الأدباء المغمورين أو المنبوذين، يراد بنا الرجوع إلى الوراء. نحن إلى الماضي، كأن المستقبل والحاضر يخيفاننا: « فلان كان… وها آش دار» .
« آش دار،ترجم الماهابهاراطا أو الإلياذة؟ إلى دار شي حاجة في الحلم، ما يقولها لحد» . فحتى الموتى ”ما خلاوهم في التيقار”. في حوار تاريخي مع المرحوم أحمد الطيب لعلج، يرجع تاريخه إلى دجنبر 2006، و الذي لازال مصور مغربي يحتفظ بتسجيل حي له، قال لي موليير المغرب كلاما بليغا، يستحسن الرجوع إليه لاستخلاص الدروس من ذوي الألباب كمثله: « إلى بغيت الناس يحبوك، ويقولو عليك فاعل تارك، موت، باش يبداو يذكروك، ويبداو يحتفلو في ظهرك. الناس كتقدس اللي مات، وكتكره كل واحد مولود، و ذاك اللي يامو عدات، أحسن من ميات ألف مولود، فعايلو كلها حسنات، وحساينو كلها سيآ ت، علاش؟»
لنقلها صراحة، هناك خلل ما. أحد المتقاعدين كان موظفا شبحا بإحدى الوزارات، لا يلجها إلا لأخذ ” ورقة لخلاص”، وفي حالة غير طبيعية، إذا به يتحول إلى بطل أسطوري، بفضل هؤلاء المكرمين (بضم الميم وكسر الراء ).”واحد آخر من صحاب الكرمومة والحبة ضايرة، داروا عليه واحد الهيلالا اللي ما يستحقهاش. واش هذا الناس ما لقاو ما يديرو”. أما ”الشناقة ديال الفن التشكيلي”، وممتهني السياسة ، و” لكوايرية ”، فحدث ولا حرج. ”ما كاين غير كور وأعطي لعور”. يجعلون من ”الحبة قبة” كما يقول المثل العامي، وفي غالب الأحيان، يكون الانتماء الحزبي الضيق، هو العامل الأساسي لمثل هذه التمظهرات الكلامية، التي لا تسمن ولا تغني من جوع. و المفارقة العظمى تتمثل في وجود أدباء كبار ممن رفضوا الجوائز المدرة للدخل، كجائزة نوبل، في حين نجد عندنا أناسا آخرين اقل حجما بكثير، لكنهم يركضون بدون توقف وراء التكريامات، عساها تؤدي بهم للريع عبر منعطف ”الكريمات” . من أشهر الرافضين لهذه الجوائز المادية الصرفة، نجد الكاتب الفرنسي جان بول سارتر صاحب المقولة الشهيرة ” جهنم هي الآخرون”، و صنع الله إبراهيم و الاسباني غويتيسولو. وكمؤسس لجائزة رمزية عابرة للقارات، قوامها كتاب وتشكيل، يسرني أن أشكو الفخر لان لحد الآن لا أحد رفض الجائزة ، مند انطلاقها سنة 2005 ، مع العلم أن الشروط المؤسسة لها لا تستبعد هذه الفرضية.
إذا كانت بعض المدن تشتهر بكثرة المقاهي ( بين قهوة وقهوة كاينة قهوة)، فهناك مدن مغربية أخرى تنطبق عليها مقولة ” بين تكريم وتكريم كاين تكريم“، مع العلم أنها لا تملك ولو قاعة واحدة تصلح للعرض الفني. إنه العبث بعينيه ورجليه. أعتقد أنه حان الوقت للتفكير في خلق مرصد وقائي، لتتبع حفلات التكريم، التي تقام هنا وهناك، لأن جلها زائف ومخدوم.