قراءة نقدية لقصة “الرهان” للأستاذ صالح هشام

بقلم الاستاذة مجيدة السباعي

في هذه القراءة: بعد فترة نوم طويل تربو عن أربع وعشرين سنة، يستيقظ هذا النص من بين أكوام الأوراق والمهملات، ويعود إلى الحياة، بفضل هذه القراءات النقدية الشيقة، وأرفع القبعة احتراما [لجان بول سارتر] الذي قال (النقد يوقظ النص من سباته) فعلا بدون قراءات لا يساوي الإبداع حبلة بصل يقول [بول ريكور] (ان القراءة تعنى بربط خطاب جديد بخطاب النص، وهذا الربط يصل خطابا بخطاب، يشي بأن النصية ذاتها قدرة على الاستئناف، أي استئناف الإنتاج -وهي سمة النص المفتوح، الذي يقدم التأويل بوصفه آليته ويخالفه تودوروف فيحصر نص الفتح على النقد لأن النقد ليس له نهاية، ولأن النقاد يتتابعون ولكل منهم رؤياه وقراءاته)، والاستاذة مجيدة السباعي، لها تحليلاتها ولها رؤاها الخاصة بها في قراء اتها لهذا النص، والتي لا أراها إلا قراءة رائعة استطاعت من خلالها تفكيك بعض الرموز وتحليل بعض الأفكار التي ربما وردت في النص، بطريقة عفوية لأن الكاتب لم يكن قد عرف تقنيات السرد الفنية بعد، لكن هذه القراءة النقدية، أضفت عليه جمالا رغم فتوة تعابيره وأفكاره، إذ حللته وكشفت بعض غموضه، رغم أنه باكورة البداية في مجال القصة القصيرة، شكرا أستاذة مجيدة قراءة ممتعة وماتعة وابتداع على ابداع ولغة على لغة، بوركت استاذة  !

صالح هشا!
القراءة النقدية
تطالعنا القصة القصيرة “رهان” كمنتوج فني ادبي ماتع بديع، رغم كونه مجرد باكورة اعمال الاستاذ صلاح هشام، تشرف علينا بإحساس قوي وصدق كبير من زمن بعيد وسنين خلت، تعود الى سنة 1993 بمدينة واد زم، تهدي قصة جد مؤثرة لواقعية احداثها ورمزية رسائلها، محبوكة بجودة عالية منسوجة بإتقان كبير، حروفها مشوقة أخاذة آسرة دون ضجر الى آخر الحكي !

حتما تنبئ بجلاء عن ظهور كاتب كبير متمرس شديد الملاحظة والوصف والتمحيص، بذكاء يوظف الدلالات وأجل الرموز، حرفه طيع كلمه بليغ سرده وازن، ثري بالأمثال والصور والتشابيه القوية المؤثرة، وبالأسطورة باب التاريخ وما ترسمه من معتقدات غيبية لوقائع، وأسماء تعارفت بين الاهالي اقتنعوا بها وبوجودها كقنديشة على سبيل المثل.

“رهان” هو عنوان النص وعتبته، اختاره المبدع لما يرمز به من تأثير، خضع له البطل وذاك كان مقصده، ييسر ويرغب في الولوج الى النص والدعوة الملحة لقراءته، لا محالة يزيد به القارئ فضولا، فلا يكف يتساءل عن أي رهان سيعقد، وهل سيفلح البطل في تحقيقه، ولا يقصد بالرهان المعنى المعجمي السطحي، بل ما يرمز به من حيث السياق وتيمة النص، وأغوار الدلالات .

وبدون مبالغة سأراهن أيضا على أن هناك صراعا نفسيا داخليا يشتد من خلال انسيابية الاحداث، ويحتدم ويطغى على أغلب مساحات النص حتى الأخير، حيث سيتحقق انفراجا واضحا لنفسية البط ل بعد أن تمكن من الفرار، ليس فقط من النساء بل من اشياء عدة وعاها أخيرا، وكان في حاجة ماسة للانسلاخ عنها، وطرحها وراءه دون رجعة ليجد سكينة النفس وراحتها.

ولعل من اللازم القول كم من معذب لم تفهمه العقول، ولم تعذره أصابع الناس، فتنعته وتسخر منه بكل الألوان، وكأنه لن يعود للاستقامة أبدا، الا أن الايام تكشف غور جرحه وتبوح بشظايا روحه، فيتأبط من العزم ما يعيده لعقاله، ويستنير بنور بصيرة. فيعاود تشكيل تضاريس روحه، وهذا بطل قصتنا نموذج حي لذلك، تلميذ مراهق في مرحلة حساسة جدا وفي أصعب لحظات العمر، كان من المفروض أن تحقق مرحلة المراهقة لديه التوازن عند الانتقال من الطفولة الى الشباب، لكن عادة ما تتفاقم خلالها المشاكل وتختفي لغة الحوار البناء، ويحل محله نقاشات حادة وخلافات اختار على أثرها عزلة تامة وانفصالا كليا عن عالم الآباء والراشدين، وانصاع لها كل الانصياع.

حتما هذا سلوك يجنح نحو طريق الضياع ، فهو مراهق فتي قليل التجربة قريب الغضب والعنف والعدوانية، اختبأ في حضن الصمت، والصامت يعاني كثيرا من ثرثرة أفكاره، ركب أحلاما ثكلى وتاه في ظلمات السراب، وهو يراه طموحا وفرض ذات، كان يبحر في المجهول ويظن أنه خرج بكسب عظيم، يحلم بما يختاره في عالم مغر حالم ومن حلمه يرفض أن يستيقظ، ويحمله تيهه على أشرعة من الضياع، اذ بأعماقه كان يشتاق الدفء بملء الروح لما يتملكه من ألم ويشظيه من وحدة، كيف له ان يهتم بدروسه وهو يعيش على قصف من الاهمال، وقلبه تأذى كل الأذى من اللامبالاة، فلا يكف محيطه ينعته بالبلادة والسخافة وحمل الادران، لذا يعاني في صمت موجع، كل جزء منه يحن لمصباح يضيء به وحشة نفسه، ولعل مؤدى هذا الوضع أسباب تعود لقسوة مفرطة، ضرب عقاب، حط قيمة، سخرية لاذعة، ميز لأخوة، منح حرية واسعة، او اهمال حقوق وتعويضها بمال فوق الحاجة، أسباب كلها تتظافر، وتجعله ينفر من لمة العيلة الى عالم الطبيعة الرحب الواسع، حيث يمارس غضبه وعنفه، ويترجم احاسيسه، ويكبل كل تعسف وظلم ولا تفهم، لا غرو أن الحياة تصبح مستحيلة اذا خلت من كل دفء، وأفقرت من الاحساس الصادق.

ان الانسان أحيانا يكون عدوا لصالحه وعقله وحليف نفسه الغرارة وهواه القاتل، لذا كان لزاما أن يضجر يوما من الوحدة ويصب الغضب على عالم الوادي، فالأمل كان موجودا يرتكن بإحدى زوايا نفسه، ومنه لا شك تتدفق الحياة وتتفجر طموحات فياضة، فكلمة الصديق برزت كالبلسم الذي أدفأ روحه، ورغبه في هجر تلك القدارة، ودعاه لاغتنام الفشل، الذي يعد فرصة تتيح البدء من جديد بذكاء اكبر، ولم لا يكون ذاك الصديق مجرد وخز للضمير ؟ ولم لا يكون ذاك الأنت البطل والراوي نفسه ؟ نعم بصرخة مدوية من الضمير صار بطلنا متلهفا لأن يراهن على النجاح في كل شيء، خاصة وأن الحياة حبلى بكل التناقضات في المدرسة والشارع والاصدقاء والوادي. تنفس الصعداء ودفع بكل الخيبات وعبد كل عسر، وأكد وجوده كانسان، لم تكن تنقصه القدرة بل الارادة الايجابية، فاندمج في فصله ،وقطف أوراق ربيع يانع بعد أن مرت عليه ريح الصحراء الجافة، ورفعته مثابرته الى علياء السماء، فربح الرهان وقوبل بترحاب من الدرس والاستاذ صاحب العصا والاصدقاء والجيران، والأب الذي تعود منه الاخفاق، كان كل ما يحتاجه أن يغير قناعاته، قال تعالى… (لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) فالمراهق لا يسعده شيء بقدر أن تمنحه أذنك واهتمامك وتفهمك لطيشه نعم ربح الرهان لكنه عمى عن الحد المطلوب، وأحرق مراحل عدة وقرر أن يلحق شيطان الشياطين بعالم الكبار، حيث تفنن الكاتب في وصف عالم شريحة مهمشة منبوذة من نساء قسا عليهن القدر فذبحهن بدون رحمة، هنا يتأكد أن المراهق بحاجة ماسة للرعاية والمصاحبة والتوجيه، لا ادمان الاب على المقهى وتذكر الزمن الجميل.

قصة قصيرة “الرهان” بقلم صالح هشام / وادي زم 1993

وأنا أبحث في أرشيفاتي القديمة، عثرت على هذه القصة التي كانت باكورة بدايتي في كتابة القصة القصيرة، وتعود إلى سنة 1993، إذ تركت الكتابة إلى حدود سنة 2014، وحاولت أن أنقلها كما كتبتها دون أن أغير فيها شيئا حتى تحافظ على طابع البداية، وتعمدت حتى ترك الأخطاء والتراكيب التي لا تليق بأسلوب القصة القصيرة لكن مع تغيير طفيف لبعض الأحداث التي تعود لطيش الشباب ! فتقويمها سيكون لفترة تفوق 24 سنة، لكاتب لم يتمرس بعد بأسلوب السرد، وهي خلاصة لطفولة شقية مشاغبة  !

يا هذا، يا شيطان الشياطين  !

كل مرة، أنصحك بأن تقلع عن اغتيال الضفادع، التي تقتفي أثرها في برك المياه الضحلة، ومجاري الوديان، تحث سويقات أشجار الدفلى، تهشم رؤوسها الصغيرة، بمقذاف مطاطي، ينط الموت من بين ذراعيه  !

أنهيك عن تخريب الأعشاش.. أن تترك تلك العصافير الوديعة تعيش بين فراخها في أعشاشها بسلام. لم تكن تعرف معنى السلام، حتى تلك الهوام الصغيرة لم تكن تنجو من شرك..

تمنى بفشل دريع، خلال سنتين متتابعتين تذوق فيهما أبشع أنواع العذاب، وتكاد المدرسة تلفظك إلى الشارع، فما أنت إلا هندي شرس متوحش، ترتسم على ساقيك أشكال من الخطوط، نتيجة إهمالك: من امتزاج كثرة الأوساخ والسوائل  !

أتذكر يا هذا ! قلت لك يوما :
-إنك أذكى من الشيطان نفسه  !

كل يوم تنهمك في إصلاح ما عاب وفسد من مقذافك المطاطي.. تستعد لاغتيال مزيد من الضفادع في مجاري الوادي الحار جنوب مدينة وادي زم، تريد إشباع نهمك العدواني المتوحش، وأنا يساورني أمل كبير في تقويم اعوجاجك وإصلاح أمرك !
– لكن ما دمت تحسن تسديد الضربة القاتلة إلى رأس ضفدع بريء، مسكين ،يمكنك حل مسالة حسابية، أو إعراب جملة، أو على الأقل ملء فراغ..

لم تكن يا هذا لا بالكسول ولا بالبليد، تنقصك فقط الإرادة الصلبة، وبعض الاهتمام  !

ودون أن تكثرت بي، أو ترفع رأسك، وأنت تضع اللمسات الاخيرة على حجرة الذخيرة في مقذافك، تقول بامتعاض :
– الحساب ؟! أكرهه، لا أحبه، أما الإعراب، فإني دوما على استعداد لأخذ مائة جلدة، مقابل كل خطأ، في ذلك الخميس الأسود.. كانت عصا المعلم الأصلع تؤلمني عندما يضربني على رؤوس الأصابع، أيام البرد القارس، تصوروا ثمن كل خطأ مائة جلدة أهذا عدل يا ناس ؟!

أتظاهر بالوقوف إلى جانبك، وألعن ذلك المعلم وإن كنت لا أعرف حتى اسمه، وأقول لك بلهجة مشجعة :
– ستربح الرهان هذه السنة يا هذا، إن أنت أقلعت عن القتل المجاني ،وتخلصت من عاداتك القبيحة، وسلخت نفسك من عدوانيتك، وغسلت رجليك حتى الركبتين لإزالة ما علق بهما من أوساخ وخطوط تثير القيء !

وبحزم الرجال تقرر خوض المعركة، لربح الرهان، وكانت عزيمتك أقوى مما كنت أتوقع: دون تردد تكسر المقذاف، وتنظف مظهرك، وتربح الرهان.. يشهد لك جميع معلميك هذه السنة بالتفوق ويمنحونك لوحة شرف مستحق.. حتى ذلك المعلم الأصلع لم يتردد في تشريفك، ومنحك هذه الدرجة.. رغم أنف عدوك اللدود تنتزع منه ثمانية من عشرة كالعظمة تنتزعها من فم كلب شرس، هذا الذي كان مثار سخريتك، وكنت مزارا يوميا لعصاه الغليظة المطرزة بالنتوءات البارزة، منحوت عليها [خرجت من الجنة] !
يكرهك، وتكرهه: كره متبادل .. تلتقي نظراتكما الحقودة، يأخذ عصاه يتلمسها فيراقصها بين يديه رقصة حية في حضرة مزمار داوود: تهديده ووعيده، غير معلن، فقط تدركه بذكائك الشيطاني، وبتواطؤ ملعون أصبح معهودا بينكما !

تعود يا هذا، صبيحة ذلك اليوم مبكرا، مختالا، فخورا، في كبرياء طاووسي، توزع قبلاتك مجانا على الأصدقاء والجيران، وأنت تنتشي بمرارة الراسبين وتنتقم من سنواتك العجاف: سنوات الفشل والإخفاق !

تعرج على مقهى [لمعلم عباس] هناك يدمن أبوك على الجلوس رفقة أصدقائه، المتقاعدين لاجترار ذكريات الزمن الجميل، أو لعب أوراق (الروندة) !

يلمحك تتسلل بين الكراسي في خجل مصطنع، يعرف أنك ربحت الرهان، فسنوات الاخفاق عودته أن لا يراك مدة تربو في بعض الأحيان على الشهر، لكن هذه المرة فور ظهور النتيجة، جئت ترفع رأسه عاليا بين أصدقائه وترد له اعتباره في مقهى [لمعلم عباس]، جئت أيضا لهدف آخر أبوك أدرى به.. جئت تستفز (شكارته) بطلباتك التي لا تنقطع أبدا، حتى وأنت تعفر وجهه في التراب امام خلق الله !

بسخاء يمطره أصدقاؤه بالتهاني، يفرغ كوب الشاي دفعة واحدة في معدته، يتلمظ الحلاوة، يتظاهر بعدم الاهتمام بنجاحك، ويرد على أصدقائه بلطف مبالغ فيه:
– أنجح الولد في امتحان دكتوراه ؟ انتقال من مستوى إلى آخر لا أقل ولا أكثر  !
يرد عليه لمعلم عباس وهو يضع برادا ثانيا منعنعا للجماعة :
– على كل حال ،فقد نجح واجتاز عقبة، وقطرة.. قطرة، يحفر النهر مجراه، وقشة.. قشة ينسج العش !

يا هذا: كنت خبيرا في تحليل فراسة أبيك، فالفرح يكاد يقفز من وراء تجاعيد وجهه القمحي البشرة، هذه فرصتك، أطلب أكثر لا تترد، فالفرصة لا تتكرر.. يقرأ أبوك سبب قدومك للمقهى في نظراتك الملتصقة بالأرض، يعتدل في جلسته، يتلمس شكارته، يجذبها من على خصره، يدس يده فيها، يخرج قطعة نقدية فضية كبيرة، يرميها في وجهك، تغوص في التراب، ترتمي عليها، تأخذها، تلعقها بلعابك ربما لم يسبق لك أن وقع في يدك مثلها من ذي قبل، دون أن تتلفظ بكلمة شكر، تطلق ساقيك للريح، تبغي الحرية!

كانت الشمس تغازل الكون، تتكسر أشعتها الصفراء، على سطوح المنازل، وزجاج النوافذ، تعفر بتراب الشفق البعيد وجهها استعدادا للرحيل، تنحدر، تنحدر، إلى أن تختفي تماما، تاركة وراءها احمرار غادة ساعة حرج أو مغازلة، يخيم الليل، ليل الأسرار، ليل المغامرات، يبتلعك الزقاق الضيق الطويل، تحت أضواء خجولة باهتة صفراء، وأنت في قمة فرحة لا تقاوم: سحقت كل خصومك، حتى ولد لمعلم عباس لم يحصل إلا على ثلاثة من عشرة، كان يوهم أباه بأن المعلم الأصلع (قاري فيه حسيفة !).

بخطوات بهلوانية رشيقة، تميل الى دكان السجائر، ترمي صاحبه بقطعتك الفضية، يناولك سيجارة نحيلة يربو طولها عن شبر البالغ: هذا ما كانت تصوره لك ذاكرتك المخبولة، يبتسم ابتسامة ماكرة ويقول لك :
– بالصحة والراحة، يا رجل !

يدس في كفك حفنة لا يستهان بها من قطع نقدية صغيرة، من أحجام وألوان مختلفة، ويقول مبتسما :
– هذا كل ما تبقى لك من قطعتك النقدية الكبيرة !

تنزوي في مكان هادئ في رأس الدرب، غير بعيد من مقهى لمعلم عباس، تتلمس السيجارة الطويلة، تشم رائحة تبغها الأشقر، تتلمظه، تنتشي به، وبمسكنتك المعهودة يناولك أحد المارة عود ثقاب، تشعل النار في رأس سيجارتك، تشرب جرعة عميقة من دخانها اللذيذ، تنتابك نوبة سعال حاد، تبالغ في السعال، تكاد يغمى عليك، تشفعه ببصاق يميل إلى الصفرة، يتكيف الدخان مع مسالك تنفسك، تبالغ في الامتصاص، يلتصق جلد وجهك بأضراسك النخرة، تنفت الدخان بتلذذ، يتصاعد مكونا أشكالا مختلفة شبيهة بالأشجار، وحينا آخر بدوائر، تتحول إلى أطياف وأشباح عفاريت، ثم تتكسر على ضوء المصباح المشنوق في أعلى العمود الكهربائي، دخانك يرهب أسراب الخفافيش التي يستهويها الضوء الباهت.

تكثر مطامعك، ينتابك الغرور، تراودك رغبة جامحة في ربح المزيد من الرهانات، ولم لا ؟ فالخبير في تسديد الضربة القاتلة، والناجح بميزة، بإمكانه أن يربح حتى في مبارزة الكبار، من أبناء الحي، ستربح ما دمت أعلنتك الهدنة مع العصافير وأوقفت حربك الضروس، على الضفادع  !

تدس يدك تحت حزام سروالك، تتحس شيئا، تشعر بانتفاخ لذيذ، تشم رائحة إبطك، تزودك ذاكرتك المثقوبة بلقطات سنيمائية ضبابية، كان (لقرع) يتعمد حرمانك منها كباقي عشاق أفلام العري، تتذكر صراخهم وتأففهم، وكثيرا ما كانت قنينات الخمر تتشظى على الشاشة الكبيرة، انتقاما من (لقرع)، كنت من أبرز عشاق هذا الشغب السنمائي.

تسترجع شريط [احميدة] ولد لمعلم عباس، يحكي لندمائه مغامراته الغرامية الكاذبة، وهم يمعنون في الإنصات، يتجرعون حموضة كبتهم، وأفواههم مفتوحة عن الآخر، كنت تتربص بهم، تتلصص عليهم، تتظاهر باللامبالاة، لا ترغب في إشعارهم بوجودك، فيطردونك شر طردة، تدحرج كرتك الحمراء قربهم، تتماطل في التقاطها: رادارك اللعين يلتقط أسرارهم، فقد روضك معلمك الأصلع على التجسس، كنت تتجسس على زملائك وتنقل إليه آخر ألقابه الرائجة بينهم، لكنك لم تكن تنج من غضبه، لم تكن تدرك أنك تحفر حفرة ستغوص فيها انت ايضا !

فما أغربك يا هذا، وما أغرب أطوارك  !

قوة غريبة تقذف بك في جوف تلك الأزقة الخربة، تلهث ككلب مسعور، تبحث عن شيء ما في داخلك، تنساق لرغبة كامنة في أعماقك لشيء ضاع منك قهر ا !

كالمعتوه تتفحص تلك الأبواب الخشبية القديمة، التي جردها الزمن من أصباغها كما جردتني من حيائي، يا هذا !

فجأة تجد نفسك، أمام خرابة خربة كئيبة، تهم بطرق بابها، تتراجع إلى الوراء، تكرر قراءة عبارة مكتوبة بخط رديء على الجانب الأيمن من الباب (طرق وادخل) تحاور نفسك، تفهمها بفهمك المدرسي البليد: الباب مغلق، فكيف ستدخل ؟ يتملكك خوف ورغبة، وأخيرا تعزم أمرك، تطرق طرقا خفيفا وقلبك يكاد يخرج من صدرك، تشغل رادارك، صوت نسوي مبحوح يجيبك متأففا :
– شكون ؟ من الطارق ؟ شكون ؟

ينزاح قلبك يمين صدرك، دقاته تسمعها بوضوح :
– قريب… قريب.. قريب !

وأنت تدرك أن لا قرابة لك بسكان هذه الخرابة، يتحرك مزلاج الباب بعنف، محدثا صريرا يفزعك، تعن لك فكرة شيطانية: أن تعانق الريح، وتفر من مجهول ينتظرك، تطل امرأة بهكنة، أربعينية، شبه عارية، تتفحص الزقاق يمينا وشمالا وتجذبك بعنف :
– ماذا تريد يا ولد في هذا الليل ؟

وأنت تحاول أن تلملم أوصال كلماتك، تجرك وتهمس في أذنيك، ورائحة الخمر تفوح من خيشومها :
– اطلع… اطلع… أريني ما معك، سوس لفلوس يا فلوس  !

تدس يدها في جيب سروالك المثقوب، تخرج منه حفنة نقودك وتقول بتهكم وسخرية :
-هذا كل ما عندك، والله أرثي لحالك يا ولدي !

تجذبك بقوة داخل الخرابة، تغمر حقارتك بترحاب ساخر:
– ضيف عزيز، لكنه حمل، لازال يقتات من ثدي أمه !

قهقهقات ممزوجة بسعال حاد، تمنعك عتمة المكان من معرفة مصدرها، تجد نفسك محاطا بخمس أو ست جثث ضخمة، ترتدي ملابس شفافة، من أعمار وألوان مختلفة، كن يتجرعن النبيد مناوبة، ويدخن أعقاب السجائر مناوبة ويسخرن منك مناوبة، كل شيء عندهن مناوبة، كن يجلسن على الركب فوق بساط مهترئ مثقوب بأعقاب السجائر، مكان يثير وحشة المكان في نفسك :
روائح عطر رخيص ممزوجة بروائح تبغ رخيص، روائح خمر رخيص ممزوجة بروائح الكبريت، تشعر برغبة ملحة في القيء حتى آخر مصران، تتجمد في مكانك، يحد جنك بنظراتهن الساخرة، ويغصن في ضحك متقطع، والكؤوس في رحلة مكوكية بين الأفواه الحمراء مناوبة، تشعرك إحداهن بخوف شديد وتتأفف بغضب وتقول للأخريات :
– يا لحظنا العاثر، حتى الأطفال !

بغمزة مفضوحة تجيبها أخرى :
– إنه ليس طفلا مادام يمتلك حفنة لا بأس بها من الفلوس  !

وردت عليها أخرى وقد لعبت الخمرة برأسها وأفقدتها توازنها :
– على كل حال فهو فحل وسط نعاج !

تقهقه الأخريات بصوت مخمور متكسر، تشعر بالانتفاخ يراودك من جديد، لكنك كنت عاجزا عن خوض المغامرة أمام هذه العيون الذابلة، عن لك هاجس ملعون أفسد عزيمتك :
سيل من أبشع صور المرأة، مما سمعت، وتخيلت: عائشة قنديشة تبقر بطون عشاقها من رواد الليل، بعدما تنتشي، وتشبع شذوذها منهم، تتبول على جثثهم !

(ماما غولة) تقتات على القمل، وتفضل قلوب الغلمان والحسناوات، وأنت يا هذا أبلد من الحمار، فرق شاسع بينك وبين [حديدان لحرامي] الذي هزم (ماما غولة) أما أنت، فإن فرائصك ترتعد أمام امرأة مخمورة، فاقدة وعيها، تنتظرك !

وأنت في عز هذيانك وشرودك، تنتشلك صرخة قوية، تعقبها صفعة على قفاك، وركلة على مؤخرتك، تكتم بكاءك، تنحصر الدموع في مقلتيك، حلزونك لم يطاوعك، وينزوى في أقصى القوقعة، تفكر جديا في الخروج من ورطتك بأخف الأضرار، هاجس المومس يسيطر عليك، في كل مكان، في كل ركن، هناك مومس، هناك قنديشة تتحين فرصة اغتصابك، وبقر بطنك والتبول على جثتك، ركلة أخرى هذه المرة أقوى تستقر في فم معدتك :
تترنح، تسقط أرضا بين المومسات يشبعنك ركلا ورفسا وأنت تصرخ، تستغيث، يمتص خراب الخرابة صراخك، لا أحد يسمعك، كابوس رهيب، تتحسس كالجرذ أقرب المسالك المؤدية إلى الباب، تبوء محاولاتك بالفشل، فما أقسى غلب المرأة إذا غلبت يا هذا، وما أضعفك بينهن  !

تتمرغ تحت تلك السيقان العارية، تلوكك الأقدام:
أرواح ضحاياك من قطط وضفادع وعصافير تحل في أجساد مومسات مخمورات، شريرات، يدنسن طهارتك !

تحل بك اللعنة: سيقان.. أرداف.. أثداء مترهلة.. خمور، سجائر.. قهر.. عهر، لعنة قطعة نقدية تحظى بها دون إخوانك الثمانية بغير حق!

تظهر لك فجوة بين تلك السيقان والأجساد المترنحة، تتسلل بخفة وتنطلق:
رصاصة طائشة، من فوهة بندقية، ولحسن حظك أن باب الخرابة كان شبه مغلق، تطلق ساقيك للريح تحت وابل من قنينات فارغة، وأحذية وأشياء أخرى لم تميزها، تلفظك الخرابة، إلى الزقاق الضيق الطويل، وقد خلا من المارة تماما، تهرول ككلب أجرب تلعق جراحك، وأنت تردد بحسرة: (لا مال بقي لا وجه تنقى !).

تتدحرج لؤلؤتان كبيرتان على خديك، تمتزجان بمخاطك الأصفر، يبتلعك الزقاق من جديد :
– هذه المرة خسرت الرهان.. خسرت الرهان

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد