بقلم مصطفى الكمري
لماذا كلما خرج الناس في مدينة من المدن للتعبير عن غضبهم، أو لرفع أصواتهم مطالبين بحقهم في الشغل والسكن والتعليم والصحة وتوفير البنيات التحتية… تتصدى لهم القوات العمومية بالضرب والتنكيل والإهانة ؟
أكيد أن هذا السؤال دار بفكر الكثير من المغاربة، وهم يتتبعون ما تعرض له أبناء مدينة جرادة على يد قوات الأمن، من عنف لا يمكن وصفه إلا بالعنف الأعمى.
فمن شاهد مجريات الأحداث يوم الأربعاء 14 مارس في جرادة، وقبلها في مدينة الحسيمة وتازة وسيدي إيفني وصفرو… وفي كل المدن التي خرجت ساكنتها للاحتجاج ضد الفقر والبطالة والتهميش، أكيد يصدم وهو يرى عنف القوات العمومية في مواجهة حركات اجتماعية سلمية، لا تطالب بشيء سوى بالكرامة وبالحق في الحياة.
ليبقى السؤال لماذا كل هذا العنف ؟
مرة سمعت إحدى النساء في مسيرة احتجاجية تقول، إنها سمعت عن هيئة الإنصاف والمصالحة لكنها لم ترى لها أثرا في حياتها… وهذا هو التفسير الأول. فهيئة الإنصاف والمصالحة اتخذتها الدولة مطية لتلميع صورتها في الخارج وإضفاء الشرعية والمصداقية على العهد الجديد، دون أن تأخذ على عاتقها تطبيق التوصيات التي خرجت بها الهيئة كخلاصة لضمان عدم تكرار ما جرى في سنوات الرصاص.
التفسير الثاني يكمن في سكولوجية النخب المغربية الحاكمة. إنها نخب بنت نفوذها السياسي والاقتصادي بمنطق الريع لا بمنطق الديمقراطية. وهذه النخب تعرف أنها لا تملك ما تملك عن أحقية وأهلية وإنما بالغصب دون لا سند شعبي ولا مسوغ قانوني وبالتالي فإن الخوف الذي يستبد بها أمام كل حركة احتجاجية يجعلها تفكر في الاستغاثة أولا وأخيرا بهراوات الأمن الغليظة. ففي نهاية المطاف، مع الريع لا يوجد لا حساب ولا مساءلة.
التفسير الثالث يمكن استخلاصه عندما نعرف من هو رجل السلطة المكلف بإخماد الاحتجاجات وإسكات الأفواه المفتوحة. إنه رجل بتكوين ضعيف يسهل شحنه بأفكار مغلوطة عن المحتجين كلما دعت الضرورة إلى ذلك، من قبيل أنهم من دعاة الانفصال أو أنهم أعداء للملكية. وهو رجل يعيش أوضاعا نفسية واجتماعية صعبة، وهو ما يجعل العنف عنده وسيلة للتنفيس حتى ولو لم تكن عنده أوامر بذلك. وهو رجل يتم تكوينه بمنطق أن المدنيين أعداؤه. فيكفي أن نعرف مثلا أنه من الأساليب المتبعة لزرع نار العداوة بين أفراد القوات العمومية أثناء فترة تكوينهم والمواطنين، حرمانهم من عطلة كانت منتظرة بفارغ الصبر بعد مدة طويلة من عدم الخروج من مراكز التكوين بداعي أن المدنيين المتظاهرين في مكان ما هم السبب (دون أن تكون هناك أية مظاهرة) وهو ما يؤجج في صدورهم نار الحقد والكراهية اتجاه المواطنين المدنيين.
التفسير الرابع يتجلى في عدم خضوع مختلف الأجهزة الأمنية للرقابة البرلمانية، الشيء الذي يجعل مساءلة المسؤولين الأمنيين عن تجاوزاتهم أمرا مستحيلا، وبالتالي تكرار الانتهاكات يصبح عادة في غياب ربط المسؤولية بالمحاسبة.
التفسير الخامس يكمن في ضعف الأحزاب وهيئات المجتمع المدني في تأطير المواطنين وتعبئتهم، من أجل الخروج إلى الشوارع والساحات في مختلف المدن، للتنديد بكل خرق سافر لحقوق الإنسان حتى يعرف أصحاب القرار أن الشعب على قلب رجل واحد. وهو ما أوصل المواطن المغربي إلى الانكماش على ذاته، وتبني المقولة الشهيرة: “أنا وليكن بعدي الطوفان”.