المصطفى احسني :متتبع للشأن الإيراني.
تعيش الولايات المتحدة الأمريكية حالة عزلة الأسوأ في تاريخها هذه الأيام، رغم ما عرف عنها من ظلم وعنجهية وتسلط وغطرسة منذ إقامتها، فهي التي تأسست على القتل والتقتيل والتهجير والإبادة في حق شعب الهنود الحمر،دولة قامت على الابتزاز ونهب خيرات الشعوب المستضعفة، واليوم وبعد انتخاب “دونالد ترامب” رئيسا لها، هي بدأت تحن لتاريخها الأسود، المليء بالعنصرية والظلم والغطرسة والسلب والنهب وإشعال الحروب، لكن ربما عالم اليوم يختلف كثيرا عن عالم الأمس، فإذا كانت السنوات الماضية عرفت هيمنة القطب الأوحد وبالتالي خلا الجو للأمريكان ليعيثوا دمارا وابتزازا في العالم، فهذا زمان ولى بلا رجعة،فقد بدأت تتضح يوما بعد يوم بوادر التراجع والانكماش، حتى لا أبالغ وأقول بوادر انهيار إمبراطورية الشر، فكم من مرة تلقت الصفعة ثم الصفعة في مجلس الأمن الدولي الذي ظلت لعقود تهيمن على قراراته، وتلقت الضربات في الأمم المتحدة ، وليس ببعيد تلك الضربة التي تلقتها من مجلس الأمن الدولي والأمم المتحدة بخصوص دعوتها لعقد جلسة طارئة لمناقشة الأحداث الأخيرة التي عرفتها الجمهورية الإسلامية الإيرانية،تلك الأحداث التي سرعان ما انكشفت أهدافها وافتضح أمر مدبريها ومخططيها، والذين راهنوا على إدخال المجتمع الإيراني في دوامة عنف وتخريب خدمة لمصالحهم الرخيصة والدنيئة، لكن القيادة في الجمهورية الإسلامية الإيرانية والشعب الإيراني كانا في مستوى اللحظة وأبانا بحق عن جهوزية تامة وتعبئة شاملة أفشلت كل المؤامرات، وتمكنوا من وأد الفتنة، ولقنوا المتكالبين والمتربصين درسا لن ينسوه أبدا.
لقد بدلت إدارة “دونالد ترامب” وأذنابها كل ما في وسعهم من جهود لزعزعة استقرار وأمن الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ووظفوا جميع الوسائل المتاحة والغير متاحة للوصول إلى أهدافهم، ولما فشلوا أرادوا إقحام مجلس الأمن الدولي والأمم المتحدة في محاولة يائسة أخيرة، فكان مصيرها الفشل كسابقاتها، واليوم يحاولون جاهدين ممارسة المزيد من الضغوط والابتزاز كعادتهم بالتلويح بإلغاء أو تعديل الاتفاق النووي كنوع من الثّأر ، ولكنهم سيُواجِهون هَزيمةً أكثر قَسوةً هذهِ المَرّة، لأن إيران لن تَخضع لابتزازهم واستفزازاتهم، بل تقابل التهديد بالتهديد والوعيد بالوعيد، ولن تستجدي لا مفاوضات ولا حلول وسط، إنما تدافع عن حق من حقوقها المشروعة مهما كلفها الأمر، فهي لم تخضع في أحلك الظروف في ظل حصار جائر ظالم، وقبله في أسوأ السنوات إبان الحرب المفروضة، ظلت الجمهورية الإسلامية الإيرانية صامدة مقاومة متماسكة حتى حققت النصر على الأعداء، فكيف ترضخ للضغوط اليوم وهي في أوج قوتها وتقدمها وانفتاحها على العالم؟ . فالولايات المتحدة الأمريكية تبقى طرفا من الأطراف الستة الموقعة على الاتفاق النووي مع إيران، وتبقى تهديدات “ترامب” مجرد تغريد خارج السرب، وهو الذي سيكرس عزلة بلاده أكثر، فلا أحد من الأطراف الأخرى المعنية بهذا الاتفاق يعير تصريحاته وتهديداته أدنى اهتمام،فجميع وزراء خارجيّة دُول الاتحاد الأُوروبي الذين التقاهُم وزير خارجية إيران السيد محمد جود ظريف ، في بروكسل الخميس الماضي أكّدوا تَمسّكهم بالاتفاق لأنّه “وَضع إيران تحت السيطرة”، وكذلك برامِجها النوويّة حسب “فريدريكا موغريني”، وزيرة خارجيّة الاتحاد الأُوروبي، “ويَجعل العالم أكثر أمانًا” على حَد تصريح “بوريس جونسون”، وزير الخارجيّة البريطاني. و الوكالة الدولیة للطاقة الذریة التي أكدت في جميع تقاريرها لغایة الآن التزام إيران بالاتفاق النووی .وفي المقابل هَدّدت إيران بالانسحاب من الاتفاق إذا انسحبت مِنه الولايات المتحدة، وقالت أنّها جاهِزة لجَميع الخِيارات، أبرزها العَودة لتَخصيب اليورانيوم بدرجاتٍ عالية،فوضع القيادة الإيرانيّة مُريح جدًّا،فهي التي خبرت دهاليز ومسالك المفاوضات على مر سنوات مع الأطراف المعنية، وصمدت وصبرت حتى نالت حقها في امتلاك التقنية النووية السلمية، رغم التهديدات والحصار والابتزاز. فهي تعي جيدا أن هذه الحملة الأمريكية المسعورة تعبير عن اليأس والخيبة التي مني بها أذناب أمريكا في المنطقة وفي مقدمتهم الكيان الصهيوني، جراء الهزائم المتتالية في عدة ساحات، والخطوات التي أقدم عليها الرئيس الأمريكي الجمعة الماضي خير دليل على ذلك؛ حيث قامت وزارة الخزانة الأميركية فی خطوة مكشوفة بإضافة 14 فردا ومؤسسة إلى لائحة الحظر ضد إيران بذریعة انتهاك حقوق الإنسان والبرنامج الصاروخی.. وهذا ما يشكل لهم عقدة حقيقية، البرنامج الصاروخي الإيراني، حيث يريدون أن يشمله أي اتفاق معدل للاتفاق الأساسي، لكن لن يتسنى لهم ذلك مهما فعلوا، فالقيادة الإيرانية ترفض قطعا إعادة التفاوض وتشدد على أن قدراتها الصاروخية الدفاعية غير قابلة للمساومة ولا للتفاوض.
وفي محاولة يائسة أخرى، حینما أدرك الأمريكان أنهم لا یمكنهم تقویض الاتفاق النووي وإعادة الحظر، سعوا جاهدين للعب ورقة الاقتصاد،وذلك بالترويج للأجواء السلبیة للحیلولة دون الاستثمارات طویلة الأمد والتعاون الاقتصادي بعید المدى وتخویف الشركات الاقتصادیة وبث القلق لدیها لثنیها عن التعامل مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ولكنهم فشلوا مرة أخرى، حيث وقعت إيران على عقود استثمارات بعیدة الأمد مع شركات أوروبية كبرى ، فشركة “توتال” وقعت عقدا مع إيران بأكثر من 5 ملیارات دولار، ووقعت مع شركات “بیجو” و”إيرباص” و”آي تي آر “، و تم توقیع خط ائتمان بقیمة 5 ملیارات دولار مع ایطالیا، فكل هذه الأمور تحققت رغم الحملة الأمريكية المسعورة.
وحتى نؤكد ما لا يحتاج التأكيد، فلم يعد يخفى على أحد اليوم، دوافع كل هذه الحملات والتهديدات، فالولايات المتحدة الأمريكية وأدواتها تلقت الضربات والصفعات والهزائم على يد محور المقاومة الذي تقوده الجمهورية الإسلامية الإيرانية، فإذا تعودت الإدارة الأمريكية على إخضاع الدول وابتزازها وسلب قرارها السياسي والاقتصادي، ونهب خيراتها بشتى الوسائل ، وإذا تطبعت على تركيع البلدان وإخضاعها خدمة لأجنداتها، فإن الجمهورية الإسلامية الإيرانية عصية على ذلك، فهي التي تأسست على مبدأ نصرة الحق والدفاع عن المظلومين والمستضعفين، سوف لن تقبل بالغطرسة والعنجهية والعنصرية”الترامبية”، ولن تتخلى عن مبادئها ، فهي ترد التهديد بالتهديد والوعيد بالوعيد، ولن تستجدي المهادنة ولا الحوار من أحد، فهي التي تؤمن بأن الحق يؤخذ ولا يعطى منة من أي كان، ولن تترك الساحة فارغة لمن دأب على العبث والاستغلال والنهب والسلب، ولن تخضع لقوى الاستكبار والغطرسة ولا إلى تهديدات الشيطان الأكبر ، وستبقى صامدة مقاومة، داعمة للمقاومة نصرة للحق وضمانا للأمن والاستقرار.