قراءة متأنية لقصة “قبور حائرة” للأديب القاص عبد الرحيم التدلاوي

بقلم الأستاذة مجيدة السباعي

حرفك جميل أيها المبدع المتمرس، مترجم لأحاسيس دفينة صادقة، لا يكف يئن أنينا حقيقيا، ويصور مأساة إنسانية موجعة حد النزف، مؤثر بتصويره لمواقف معتمة مؤلمة، آسر بتجسيده للحياة الاجتماعية الواقعية والتاريخية والفنية والثقافية المغربية القحة بصدق وأمانة، مذهل بدفعه للقارئ إلى التعاطف والتآزر والتلاحم ،وشد الانتباه دون ضجر أو رتابة، حيث يكاد بمحض إرادته أن يجري وراء الكلمات بشغف كبير لاهثا للحاق بالخاتمة، لعله ينشرح بانفراج أزمة البطل فيستريح بدوره نفسيا، وينسى عتمة الخيبات المسيطرة على السرد، نعم إنه حرف سخي بإهداء تكثيف محبب للأحداث المتلاحقة بانسيابية متدفقة كشلال هادر، لكن بكلم سهل ممتنع وبتراكيب متماسكة كالبنيان الرصين الشاهق المنكهة بجملة من الدارجة اليومية البهية الطلعة، وبتيمة أفكار جريئة جديدة تمتطي صورا بليغة، تشخص بكرم حاتمي مجموعة أوجاع وانكسارات وخيبات بدقة لا متناهية .

أما العنوان قبور حائرة فمناسب جدا منتقى بحذق كبير وذكاء ثاقب ،عبارة عن شرفة رحبة تطل على النص من كل جوانبه وزواياه ،لا تفوت ولا تغفل تفصيلا ككاميرا ثلاثية الابعاد أو كعين ثالثة، عتبة ميسرة لولوج النص، تهيئ نفسية المتلقي لاستقبال الأحداث، وتخبر بقتامة ورتابة الأيام، واحتضان بطل تقف نفسه على أعتاب اليأس، والإحباط والقنوط والغبن القاتل والخيبات المتتالية، لكونه يعيش تمزقا روحيا صارخا، ويلتمس ألف مخرج في زمن ملغوم حربائي لا يرحم.

منذ الجملة الأولى غصت بالمتلقي إلى كنه أعماق المجتمع وخبايا نواقصه، منتقدا بإيماء مضمر أفكارا آن الأوان أن تصحح كالتطير والنفور لألوان قاتمة او شظايا كأس، موظفا لذلك سخرية سوداء لاذعة بغية التصحيح والإصلاح، فوضعت الاصبع على موضع موجع لعدة أسر انكسرت آمالها وخابت بخيبة أبنائها المثابرين ذوي شواهد عليا في الانخراط في مسيرة العمل، حيث يظلون حملا ثقيلا عوض أن يخففوه. فيموت آباؤهم بحسرتهم، ومن بقي يلعن حظهم ويتأفف لأموال حسبوها ستثمر وتستثمر. فيصبح الأبناء لقمة سائغة لنميمة الجيران اللائكين بخيبات من حسدوهم سابقا والمستلذين بفشل الغير وفشلهم موحل حتى الركب .

فهذا البطل أحدهم شاخت الدنيا في عينيه تبخرت آماله وما عادت تزهر، حاصره ركام الشتات والحيرة ،هوت روحه كالنجم، وتعفنت بالصمت القاتل، صار يبكي بدون دموع، ويعد الغصص، روحه مبعثرة، وذاكرته لا تكف تولول قنوطا ويأسا إلا من الانتشاء بسماع خربوشة ومواويلها المتمردة الصادحة بالتحدي والمجابهة، إذن لا سبيل لتضميد جراحه إلا بتلميع حذائه لعله يضمن شكلا محترما مزيفا، واتخاد المقهى ملاذه الرسمي لقتل الوقت بلعب الورق كما حال المتقاعد الذي صودرت أحلامه، وصار شبيها بشجرة صفعتها رياح الخريف وبدون رحمة أقلعت لحاءها.

كيف لا تضيق عليه الأرض برحابتها ولا تضايقه السماء، ولا تحجب عنه اشعة الشمس ؟! كل أسباب الحياة وما يحفز تلاشى، تمزقت صلاته بالناس، تمدد الالم بصدأ القلب بألف شرخ وشرخ، لا من ينتشله من رحم الاحزان، ولا قلب يترفق به حتى انثاه فرت لفقره وتنكرت، بعد أن عصفت به الخيبات. لذا طفح به الكيل وأظلم الكون، لم يعد يحتمل احتارت به كل السبل، فبوعي وقرار فر من ظله، من الناس، من شعت المصير، لما تصبح الحياة مستحيلة وفقدت كل معنى واقفرت من الإحساس الدافئ، لعل السكينة بالقبر تملي نفسه أخيرا، وتثلج صدره المثخن بالجراح والانكسارات.

لحنكة من المبدع ترك الباب مفتوحا للقارئ ليشاركه الحل الناجع ويقرأ الخاتمة حسب فهمه وما ارتضاه .

تفوقت أيها الكاتب كما عودتنا دوما خاصة وأنت المتمرس بالحرف العربي الجميل، المسطر لهموم الانسان المستضعف، الحائر أمام تسلط ظروف قاهرة لا تبلى.

قبور حائرة: قصة قصيرة للأستاذ عبد الرحيم التدلاوي / المغرب

نفلت فنجان القهوة من بين يدي كما الماء من فرجة الأصابع، فاعتبرت الأمر نذير شؤم، تناثرت شظاياه، وساح السائل الأسود فوق الأرضية المبلطة لغرفة الطعام، رفعت عيني الحزينتين إلى صورة أمي التي كانت تعد لي فطوري الساخن، فحبست دمعة كادت تنذر بهطول؛ كانت تعدني ابنها المفضل الذي سيحقق لها حلما طالما راودها وهي تتابع نجاحي الدراسي المبهر، لكنها توفيت في منتصف الطريق.

لابد أن التحطم قد أيقظ أبي فتقلب في فراشه لاعنا هذا الابن الفاشل، أضاع عمره في الدراسة من دون طائل، وأرهقه بمصاريف زائدة هو الذي كان ينتظر مني أن أساعده، وأكون له فخر العائلة. صرت معرته، هكذا يظن، أعذره، فالسبب ليس في ولا فيه، ولكن في هذا الزمن الأغبر، ضيق فرج الحياة على أبناء الفقراء، ووسعها على تلك الأسر المظفرة بالمال والنفوذ، وكأن الله خصهم بنعيم الدنيا دون غيرهم.

ارتديت لباسي، قميصا مفتوح الصدر أسود، وبنطالا مكويا بعناية، أحرص على أن تكون طيته حادة كموسى، وانتعلت حذاء جلديا لمعته لأن الحذاء اللامع دليل مكانة في المجتمع، لا بأس من خداع النفس أحيانا.. ولأن حبيبتي غادرتني إلى حضن زوج يمتلك رصيدا ماليا، يحرص على أن تكون أحذيته لامعة على الدوام.

لا أعرف أين سارت بها الأيام، لا يهمني ذلك، فقد أحرقت لحظات لقاءاتنا، وجمعت رمادها في ثنية قلبي، وطمرتها بدقة حتى لا تعكر مزاجي الرائق هذا الصباح؛ سأخرج لأستمتع بأشعة الشمس الدافئة، لن أضيع وقتي في البحث عن عمل، فالتجربة علمتني أن الأبواب ستكون موصدة، ومن العيب أن أقضي وقتي الثمين في البحث تاركا متع الحياة البسيطة تهدر.
خرجت منتشيا… مخلفا ورائي تلك الطاقة السلبية، لن أسمح لها بتجعيد فرحتي، وتجريعي سم الحزن في هذا الصباح المشرق.

حينا العتيق يشهد حركية باكرا، أنتشي بسماع أغنية الفنانة “خربوشة” وهي تصدح بالتحدي، وترفع سقفه بعيدا بالتحريض علي القائد المتجبر؛ يأتيني صوتها من دكان السي العبدي، بقال الحي، وإمام المسجد، أرتاح له وهو ينصحني بالصبر وتكرار المحاولات، بخلاف غيره الذي يتتبع عورتي، كنت أشعر بغضب من قول الجيران: فين وصلتي ؟ هم يطرحون السؤال كمن يقف إلى جانبي مساندا، لكن قراءة ما وراء الكلمات تخبر بسم ما تنطوي عليه من سخرية وحقد. فين وصلتي، لا تعني إلا أنني فشلت رغم اجتهاداتي وتفوقي في الدراسة، بخلاف أبنائهم الذين فشلوا دراسة ونجحوا في ممارسة التجارة التي ذرت عليهم أموالا محترمة من حيث الكم…

مع المدة وانصرام الوقت، تعودت على وخز إبرهم هم الذين يستمتعون بالفضائح، ويشهرونها استمتاعا: لقد ضبطوا المغني الفلاني عاريا، لقد شوهد الزوج الفلاني يخون زوجته… هم بذلك يشغلون أنفسهم العارية من كل عمل، وفكر، ويسحبون الفشل على غيرهم؛ أليس الهجوم أفضل وسيلة للدفاع ؟ بيوتهم من زجاج، ورغم ذلك يرمون الناس بالحجارة. تبا لسلوكاتهم العرجاء، محطمون هم، يعيشون في توابيت ولا يشعرون… أدركت أن خربوشة استطاعت غرس شوكة في حلق وإست القائد العيادي، تحدته، هي المرأة الرافضة للظلم، وعلمت لم يدعوني البقال بالعبدي، لقد كانت أمي تنحدر من تلك المنطقة التي أنجبت خربوشة، بل إنها من عائلتها. صرت أفخر بالمغنية والزجالة، وأشعر بالقوة كلما استمعت لروائعها.

ما إن ابتعدت قليلا عن منزلنا حتى اعترتني رعشة برد، كان الظل يبسط سلطانه علي، ظننت في بادئ الأمر أنها سحابة صيف ستزول لأنعم بدفء الشمس من جديد، لكنها لازمتني؛ خيل إلي أنني رسول، ضحكت سرا، انتهى زمن الرسل، لا أخفيكم أنني انتفخت قليلا، ثم انكمشت، فالغرور قد يؤدي إلى الجنون. أستغفر الله، لست إلا عبدا ضالا؛ لا مضلا. قلت في نفسي: قد يكون الظل الفسيح لطائر جارح، عظيم الجناحين، رفعت رأسي لأتأكد، خاب ظني، فلم يكن ما ينشر ظله علي إلا جسما غريبا، حرت في تحديد هويته، دققت النظر، شعرت برعب، فانسللت إلى المقهى القريبة، كنت أرتادها قبلا، كانت غاصة بالزبائن، كل واحد قد انخرط في شغل ما: قراءة الصحف، أو متابعة المارين؛ اخترت أصدقائي الذين يقضون جل وقتهم في لعب الورق، وانغمست كليا في اللعب، إلى أن دب تيار التعب في جسمي، حينها كان الوقت ظهرا، وفي بطني فراغ، نهضت، ناسيا أمر الجسم الذي ما إن لمحني أخرج حتى تبعني كما لو كان قمرا، أينما وليت وجهك وجدته قريبا منك. سرت وسط الناس أستشعر دفأهم، إلى أن بلغت مطعما شعبيا وكنت أتقي النظر إلى الظل الملازم، دخلت إليه، وطلبت صحن “كرعين” بالحمص، أتيت عليه كاملا، ثم أتبعت الطعام بكوب شاي ساخن، حتى يذيب الدهون. ونهضت متثائبا، كانت النشرة التلفزية تظهر قبورا كثيرة دفن فيها ضحايا تعصب مقيت ضرب بمرضه أرضا مسالمة فحولها تنورا تغلي بالحقد.

خرجت سريعا حتى لا أصاب بالدوار. في الشارع كان ما يزال متابعي موجودا، قررت لحظتها أن أراوغه بالذهاب إلى الشاطئ، لأستمتع بغروب الشمس، فلربما زوال النهار قد يؤدي إلى زوال الظل، قلت في نفسي: لأسترق النظر حتى أعرف كنه الجسم الغريب، فمعرفة الشيء تقود إلى إبعاد الخوف منه. وجدته مجوفا، كما لو كان زورقا، ثم تبين لي بعد تدقيق وتمحيص حقيقته، شعرت برعب حقيقي يحاصرني، فلم أجد سوى الدخول إلى الماء لأختفي، كنت أسير ثابت الخطو، ولم أكن أدرك أني أغرق، لكن الأمر الأكيد أن الظل الذي لازمني طيلة اليوم، لم يكن سوى قبري

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد