خطة للتراجع عن قرار التراجع

بقلم الأديبة المغربية ليلى مهيدرة
التراجع لم يعد استراتيجية حربية بقدر ما صار طريقة للعيش حتى أصبحنا نتراجع دون أن ندري لم في نفس الوقت الذي نكون فيه مقتنعين بالعكس.
لم يخبروه أن الحرب انتهت أو ربما اخبروه ونسي وظل يرسم الخطة للهجوم الأخير مبشرا نفسه بتحرير الباقي من أرضه وأسرى لم يكونوا إلا جنودا تحت إمرته رفضوا القرار الصادر من القيادة العليا وقرروا الهجوم خاصة وان ملامح النصر كانت بادية لهم بينما هو ظل بين صوته المسموع يزمجر لاهثا وراءهم يدعوهم للامتثال للأوامر العسكرية وصوت خفي يدعوه لكي يتقدمهم .
– لم نكن مهزومين فلما نتراجع ؟
ظل يرددها حتى أسكته صوت القائد
– يبدوا انك كبرت في السن وتحتاج للراحة مقدم حسام
حسام إيه… رددها بداخله وأنا لم أكن إلا عصا في أيديكم تقولون اضرب فاضرب وتقولون أحجم فأحجم احتضن انهزامه والقلادة العسكرية وعاد إلى بيته تناسى كما تناسوا هم سنين عمله وكده واجتهاده لكنه ظل يذكر أبناءه كما يناديهم دوما جنود أحرار كان طوال ليالي الحرب الطويلة يحكي لهم عن الأرض والعرض وعن الواجب وعن الوطن لا يدري لم يحس انه اخذلهم بقرار التراجع كلما تذكر تلك الليلة إلا وعاد ليستجمع أوراقه ويرسم الخطة…
هي زينب  التي تحملت زمجراته وهواجسه وحكاياته هي وحدها من تعودت أن تلمه من فوق أوراقه ليستريح على السرير المتهرئ كما البيت وكما الأحلام التي تبخرت بعد ذلك اليوم المشئوم، المعاش القليل ونظرات الناس التي لا ترحم ، فزوجها يحمل وزر حرب لم يكن فيها إلا كحبة رمل في صحراء وهو الآن يدفع ضريبة قيمة منحها الناس له اعتباطا وهو يمر بينهم فيهللوا له كأنه صلاح الدين وهو عائد من القيادة كل مساء، كان البطل الخيالي في عقول رواد المقهى والناس البسطاء كان أمامهم النصر مجسدا وبانكساره انكسرت أحلامهم وطموحاتهم فأصدروا حكمهم بتجريمه وصارت زينب من المغضوب عليهم ما دامت قد  قبلت أن تعيش مع هذا الخائن المتراجع حاولت مرارا أن تفهمهم لكن  هناك دائما صوت الأصبع الذي يرفض أن يشير إلى عجزهم عن فهم ما حدث فتظل هي ضحية نظراتهم الغامزة وابتساماتهم الصفراء 
  لا تهتمي بهم هم أناس لا يفقهون من الأمر شيئا
 
هكذا أجابها ابنها الواعي المتعلم كلمتان وحمل نفسه متذرعا بأمور لا تقبل التأجيل.
أمور تخص زوجته وأولاده لم تعد زينب تبكي من الأمر وفقدت القدرة على التكلم إلا للضرورة القصوى وصارت لا تجيد إلا الاستماع إلى حكاوي زوجها عن الحرب والانتصار والانهزام وهو يرسم خطة التراجع عن قرار التراجع حتى صارت هي الأخرى تؤمن بها دون أن تدري، اقتربت منه أكثر وجلست إلى الطاولة بإصغاء تام
بالنسبة له الأمر سيان فهو لم يعد يميز بين المسافات ما زال صوته عاليا وعينه زائغة بين الأوراق المترامية فوق الطاولة وبين نظرات زوجته الشاخصة والتي بدأت تؤمن أن النصر آت لا محالة ومعه فرج قريب قد يعيد مجدا اندثر..
تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد