الباحث السوسيولوجي الدكتور فريد بوجيدة
تقديم
إن السؤال الذي لا بد من المؤسسات التي تهتم بالسينما (الحكومية منها والغير حكومية) أن تطرحه هو التالي: ما مصير الكم الهائل من الأفلام القصيرة التي ينتجها شبابنا والتي تعرض في المهرجانات والملتقيات السينمائية ؟
نعتبر الأفلام السينمائية القصيرة التي ساهم بها مجموعة من الشباب في ملتقيات مختلفة متونا بصرية مهمة، ولذلك لا بد من التعامل معها كمتون حاولت (مثلها مثل الأشكال التعبيرية الأخرى) أن تنتج عبر الصورة السينمائية رؤى محددة عن المجتمع المغربي، ويهمنا أن نخضع مضامينها للتحليل الكمي مبرزين أهم المؤشرات الدالة على أشكال التحول في أنماط التفكير لدى شبابنا.
1 ـ لماذا اختيار أفلام الشباب كعينة للدراسة؟
إذا أردنا أن نعرف فئة الشباب لابد من رصد مختلف القضايا المرتبطة بها، وفي هذا الإطار لابد من استحضار ما يقوله تقرير الخمسينية الذي صاغه ثلة من الخبراء والمفكرين عن المغرب خلال خمسين سنة، والذي يقول بهذا الصدد: “وبغض النظر عن التصنيف الإحصائي للشباب، فإنهم يشكلون إمكانا بشريا مهما، يعد تثمينه بمثابة تحدي حاسم أمام المجموعة الوطنية. ومن باب المفارقة أن هذا الإمكان المستقبلي المهم غير معروف بما فيه الكفاية من الناحيتين السوسيولوجية والثقافية. ذلك أن النقص في المعارف الذي راكمه المغرب حول شبابه هو من الوضوح بمكان، بحيث يتعين تداركه إذ أما أردنا أن نرتقي إلى مستوى الرهانات المطروحة” (ص41).
يشير التقرير إلى نقط مهمة أهمها:
ـ يعتبر التقرير الشباب إمكانا بشريا مهما، ويعترف أن هذه الفئة غير معروفة بما فيه الكفاية من الناحيتين السوسيولوجية والثقافية، وحين يشير إلى هذا النقص الواضح، يؤكد في المقابل على أن تداركه هو الذي يجعل المغرب يرتقي إلى مستوى الرهانات الكبرى، ومن هنا تأتي أهمية مقاربتنا لهذا الموضوع.
لقد استندنا في هذه المقاربة على ما يلي:
أولا: يعبر الشباب بطريقة تلقائية، أي أنه في الغالب لا يرسم في الأفق المنظور مصالح محددة (ريع أو جوائز) ولا أية رهانات خارج الأفق الفني والثقافي بالمعنى النضالي، هذا يعني أن شبابنا يعبر خارج رهانات العرض والطلب، ولا يتطلع من وراء ذلك إلى أي مكسب مادي.
ثانيا: يعبر أغلبُ الشباب بطريقة “رسولية” أي أن لديه رسالة معينة يود إبلاغها.
ثالثا: مجمل الرسائل المعبر عنها في أفلامهم هي دعوى للاحتجاج (حركة 20 فبراير هي دعوى للاحتجاج).
2 ـ لماذا اختار الشباب السينما ؟
أولا: ما لاحظناه في تحول السلوك الاجتماعي من خلال اختراق الصورة لكل أنماط التعامل داخل المجتمع، في البيت والعمل، كما في المدرسة والمتجر وكل المؤسسات الأخرى… إذن هناك اهتمام واضح بعالم الصورة في حياتنا الاجتماعي.
ثانيا: تعد السينما (بعد موسيقى “الراب”) أكثر التعبيرات الفنية انتشارا وحضورا في التواصل الثقافي لدى الشباب، وأصبحت الآن من أكثر الوسائل تأثيرا في أوساطهم.
ثالثا: جاذبية عالم النجومية وسحر الشاشة، خاصة مع تطور آلات التصوير وطرق العرض والمونتاج والإخراج…
رابعا: استراتيجية الدولة التي أعطت للسينما دورا أساسيا، ذلك أن التشجيع الرسمي للسينما كان سببا قويا لدخول الشباب إلى هذا الميدان.
تتميز أفلام الشباب بالتصاقها بالواقع المعاش، كما تتطلع دائما إلى ترسيخ رؤية جيل معين لبعض مشاكل الواقع، وتُعد هذه الأفلام في حد ذاتها استفتاء غير معلن حول بعض السياسات والقرارات الحكومية، وإغفال هذا التوجه يجعلنا بعيدين كل البعد عن هذه الفئة وما تنتجه باستمرار من متون بصرية (فيديوهات، وأفلام…)، والتي يمكن اعتبارها رسائل ومؤشرات تخبرنا عن قناعات محددة وتنبئ في بعض الأحيان عن أشياء قادمة (أحداث، احتجاجات..)، ومن جهة أخرى إذا أردنا أن نتحدث عن حقوق الإنسان بالنسبة لفئة الشباب لابد من تجاوز المفهوم الضيّق “للحق” لننفتح على حقوق أخرى أهمها أوضاع المهمشين، والمسحوقين، والشباب والمراهقين، والأطفال، والمعوقين…
تتجلى قيمة هذه الملاحظات في ضرورة الانتباه إلى ما هو هامشي والاستفادة منه سوسيولوجيا حتى نتمكن من القراءة الجيّدة للمتون البصرية التي ينتجها الشباب لنعرف توجهاتهم وأحلامهم، وننصت لمطالبهم ونتأمل عوالمهم، كما يمكن الإشارة إلى ميزة أخرى تتعلق بالحضور المهيمن للهاجس الاجتماعي في بعده الحقوقي والذي يتراوح بين العمق الفكري ونزعة الإصلاح، أي أن أفلام الشباب تتراوح بين الكشف عن الواقع، و تقديم دروس أخلاقية حول قيم محددة (التضامن، التسامح، …)
3ـ سينما الشباب وقضايا التهميش
إن العَيِّنة (المتون البصرية) التي أخضعناها للدراسة (30 فيلم) هي عينة عشوائية، إذ اخترنا مجموعة من الأفلام التي شاركت في عدة مهرجانات خلال سنوات 2009/2010/2011، وهذا الاختيار لم يكن مقصودا لأننا طلبنا من المنظمين لهذه المهرجانات إمدادنا بمجموعة من الافلام المشاركة والمنجزة خلال هذه الفترة، ولاحظنا أن هذه المهرجانات أتاحت للشباب التعبير سينمائيا عن بعض الأفكار والهموم الاجتماعية، وصياغة رؤى محددة حول ما يقع في المغرب، كما أعطت (المهرجانات) لهم (الشباب) إمكانية التنافس والوقوف على معايير محددة للفيلم الناجح (اللغة السينمائية، الإبداع، الصدق …).
وقد سجلنا ذلك الاهتمام المتزايد لهذه الفئة بالسينما، مع بروز وعي بصري ملحوظ خاصة أن هذه العينة عمت أغلب جهات المغرب (الجديدة، الشاون، فاس، الصويرة مراكش، الرباط، البيضاء، مراكش، برشيد سطات، دمنات، تطوان…) وكانت تمثيليها قريبة من الصدق ومعبرة بشكل هائل عن واقع المغرب سواء في المدن الكبيرة كالبيضاء والرباط ومراكش وفاس أو المدن المتوسطة كتطوان والجديدة وسطات أو المدن الصغيرة كالشاون مثلا أوالمغرب العميق كدمنات، كما عكست أفلامهم بشكل شفاف القضايا المسكوت عنها اجتماعيا.
لقد أثبتت المعاينة الأولى أن 90% من الموضوعات لها علاقة بالبحث عن العيش الكريم، وهي موزعة على الشكل التالي:
–التغيير الاجتماعي (الهجرة، البحث عن العمل) 50%.
– التعليم (خاصة تعليم الفتاة) 25%.
– الحماية الاجتماعية (الأسرة، الجنوح، التربية، الاغتصاب…) 13%.
– التوازن الجنسي (تحقيق الذات…) 8%
– البوح (التعبير، إبراز فئة معينة، استنطاق ظاهرة جديدة…) 4%.
يجب أن نستحضر أن الأفلام المدروسة تم إخراجها ما بين 2009 و2011 وهذا يعطينا فكرة عن حمولتها الفكرية والسياسية والجمالية، وهو ما يجعلنا نستحضر الحراك الاجتماعي الذي قاده الشباب في 20 فبراير 2011، والذي تمحور في تلقائيته حول مطالب اجتماعية، وعلينا أن نتذكر أن هذه المطالب كانت واضحة في عموميتها فهي لا تحمل برنامجا سياسيا أو نقابيا، لكنها في المقابل تشير إلى الاختلالات الكبرى في المجتمع وفي السياسات العمومية، وهو ما لاحظناه في النتائج الآتية:
ـ استأثرت التيمة الاجتماعية بجميع الأفلام.
ـ هناك جاذبية يمارسها المجتمع المهمش والشخصيات المهمشة على شباب السينما.
ـ النهايات غير سعيدة في معظم الأفلام وهو مؤشر غير جيد ولا يتماشى مع عمر هذه الفئة.
ـ حضور تيمة الموت في كثير من الأفلام (10 من 30 فيلما) وهو مؤشر دال حينما يتكرر في صيغة درامية سوداء خاصة عندما يتعلق بفئة الشباب.
ـ غياب الأب في كثير من الأفلام (أكثر من النصف) وهو لا يعني غيابا عن الإطار Le cadre أو المجال البصري بل يعكس غياب المرجع او النموذج والقدوة
– ما سر النهايات اليائسة ؟ وما دلالة الاحتفاء بالموت ؟ وما سر غياب الأب ؟
– أيكون اليأس هو الذي دفع الشباب ذات يوم من أيام فبراير للخروج إلى الشارع ؟
– هل ضبابية الرؤية السينمائية جزء من الضباب العام الذي خيم ولا زال يخيم على المغرب بعد 20 فبراير 2011 ؟
خلاصة
تبين لنا من خلال الدراسة الكمية للإنتاجات السينمائية الخاصة بالشباب أنها تفاعلت بشكل صريح مع حركية المجتمع ومثلت في جانب كبير منها واقع فئة هُمشت بشكل كبير، والتعبير السينمائي لم يكن إلاّ الشكل الفني المناسب الذي شكّل تحدّيا لكل سياسات المنع بفضل الصورة والتكنولوجيا المتطورة.