أنتَ في القَلْبِ يَا وَطَني..

الشاعرة المغربية سعيدة الرغيوي

كَبُرنَا فيهِ.. ارتوينا من ينابيعِ مياهِهِ.. مَضَغْنا رغيفَهُ الحلو حيناً.. المُنَكَّهِ حيناً آخر بروائح العرق التي ألهبتها سياط الحياة والشموس المحرقة.. حتى صار صعب النَّوال أو لنقل خبزاً مغْمُوساً بسيزيفية.. وبألمٍ.

رَدَّدْنا كلماته ونحن صغارا نجري ونمرح ونلعب لعبة الغميضة أو لعبة الاختفاء والظهور.. كَبُرنا ونضجنا ولازلنا نحلم بأنْ تكون كل الأمور فيه على خيرٍ.. بيد أننا نمضغُه أحياناً بأسى.. لأنَّ الكثيرين يمضغون حقوقنا، يسلبوننا ذاك الخبز المُشتهى وإن كان أسْمر أحياناً.. فِي حَضْرَتِهِ يَجِفُّ اليراعُ، ويَعْجِزُ اللِّسان، نَصير سُكارى نتمزَّقُ غيضاً من نشوةِ الانتماء لأولئك المنسيين في جغرافيته.

تتعثَّرُ حروفنا الموجوعة في حضْرَتِهِ، وتتلعْثَمُ ألْسِنَتَنَا في الكَلامِ.. ونحِسُّ بالعَجْزِ عن كتابَة كلماتٍ تَفيه حَقَّهُ.. إنَّهُ الوطَنُ المِظَلَّةُ والشجرة الوارفة التي نستظل بِظلالها.

هو الوَطَنُ حضن دافئ للذي يَعِي كُنْهَهُ ويتَشَبَّعُ بقيم الوطنية والمُواطنة الحَّقَّةِ.. هل حقا نحنُ نعِي معنى الوطن ؟!

أمْ أنَّنَا نَعْزِفُهُ فقط كلمات وأغنيات كلما حلَّتْ مناسبةٌ منَ المُنَاسَبَاتْ الوطنية.. وَطنِي كَثيراً ما يَصْفَعُنِي فِيكَ الانْتِهَازِيُّونَ.. الذين يمضغونك فقط كلمَّا أرادوا أن يملأوا جُيُوبَهم من خيراتك وثرواتك..

وطَنِي يا عزيزاً على القلب، أعانقُ فيك السهل والوادي والجبل السامق والتل والهضبة وكل جغرافيتك، أتنفس هواءك وأتحسس حبيبات الندى في صباح جميل عندما أستيقظ وأنا أفرك عيناي من هجعة قدْ تكون كالحلم الجميل أحيانًا وأحياناً أخرى تقترب من الموت.. أنا لا أضْجَرُ من أناسك وإن رسَموا لَكَ لوحات قاتمةٍ.. أحاولُ أن أمسك ريشتي وأخطك بلون الحياةِ والأمَلِ.. أنا لسْتُ منْ أولئك الذين يمضغون كلمات مديحٍ فِي حَقِّكَ لأجل أن ينالوا الكرامات.. الوطن يا سادة أكبر من هذا.. الوطن هويتنا، انتماءنا، لحننا المتفرد الذي ينبغي أن نحس فيه أننا مواطنون وليس مجرد أفراد هَمُّهُمْ الأوحد أن يقسموا غلته.

الوطن أم تحتضنا، تربِّينا وتحتاج منَّا إلى الوفاء.. إلى أن ترى البذور التي زرعتها تنْمُو وتتألق.. الوطن أنت وأنا والآخر وكل المارين من جغرافيته الشاسعة.. الحالمين بخبزه، المستنشقين لعبيره، المستظلين بسمائِهِ، الملتحفين لأراضيه… فيا وطني لست أغنية أمضغها، أرددها رياء.. أنت الحلم وأنت المُشتهى وأنا دُونَكَ غريب.. منسي في هذه البسيطة.. حلمي أن تَزْهُو وتورق وتكبر وتعانق النجوم في السماء وتلثم القمر وتتوسد محبة أبنائك.. وأن نَرَى فيك أحلامُنا تتحقق، فتتفتح شقائق النعمان ويُطرب الكل لسماع لحنك الجميل ويعزفك آنئذ كل بنيك.. أنت يا وطني تسكن مُهجتي، لستَ مُجَرًّد كلمة أردِّدُها.. أو أُسِمعها العالم في المدرسة وفي كل الزوايا كلَّما حلت مناسبة وطنية.. أنت في القلب يا وطني.

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد