بقلم الأستاذ محمد الهلالي
1. دريدا، فوكو، دولوز والماركسية
لم يتنكر كبار الفلاسفة المعاصرين لماركس (1818-1883) ولإرثه الفلسفي، ومن الصعب أن نجد عدوا قويا لماركس لا يقر بأهمية فلسفته وبكونها مكونا حاسما من مكونات الفكر النقدي الإنساني. فهذا جاك دريدا (1930-2004) الذي اشتهر بمفهومي التفكيك والاختلاف (كإرجاء ومغايرة) يصرح بعد ممارسته للتفلسف على طريقته لمدة 30 سنة، في سجاله مع الذين اعتبروه معاديا للماركسية، قائلا: “أشعر أنني أكثر ماركسية منهم”. ونفهم تصريحه هذا لما نقرأ ما كتبه عن موقفه من ماركسية المناضلين حيث قال: “امتنعتُ – عن خطأ أو عن صواب، عن قناعة سياسية، ومن المحتمل أن يكون امتناعي أثرا للتخويف – عن انتقاد ماركسية الجبهة. سادت آنذاك حرب قاسية، أقسى من عمليات التخويف، وساد صراع قوي من أجل الهيمنة، وهذا ما جعل طيف الخيانة يلازم المؤسسات والمجادلات. في هذا الجو الذي يمكن وصفه بالإرهابي نوعا ما، كنت أشعر بالخوف، لم أكن مرتاحا. كنت معاديا للستالينية، وكنتُ قد كونتُ تصورا عن الحزب الشيوعي وعن الاتحاد السوفييتي لا يتلاءم مع اليسار الديمقراطي الذي أردتُ دوما أن أظل مخلصا له. لكنني لم أرد التعبير عن اعتراضات سياسية، كان من الممكن أن يعتبر ذلك التعبير، لو قمت به، نوعا من التحفظ”(1).
يرى دانييل بنسعيد (1946-2010) أن صمت جاك دريدا كان غير مبرر، لأن مكانته الفلسفية كانت ستجعل للتعبير عن موقفه تأثيرا إيجابيا في النقاشات التي كانت تُخاض آنذاك. يقول بهذا الصدد: “من المؤسف أن التخويف فرض الصمت على هذه التحفظات. كان بإمكان التعبير عنها علنيا، في ذلك الوقت، من طرف فيلسوف كانت حظوته تزداد أهمية، أن يغير طبيعة النقاش الذي اتسم نسبيا بالغموض. بالإضافة إلى أن المقاومات التي جعلت دريدا يظل بعيدا عن الحزب الشيوعي لم تكن فقط مقاومات نظرية وإنما كانت سياسية أيضا”(2).
أما ميشيل فوكو (1926-1984)، فلقد هاجم “الماركسية الكاريكاتورية” التي كانت ثمرة للستالينية، فهو كان عضوا في الحزب الشيوعي الفرنسي حتى سنة 1953، وهذا ما جعل “علاقته النقدية بالماركسية وبالحزب الشيوعي تكون مركز أعماله”(3)، لكنه لم يهاجم ماركسية ماركس، ولقد اختار فوكو ألا يذكر مراجعه التي يستلهمها، وهو ما صار عنده خاصية أسلوبية، وموقفا مضادا للنزعة الأكاديمية، وهو ما يعني أنه نصوصه مليئة بالحوار مع ماركس دون ذكره كمرجع، وهو أمر اعترف به هو نفسه، ويجب التذكير أن فوكو اهتم بمواضيع ظلت مهمشة من طرف الفلسفة قبل معالجته لها، كما كان يدافع نضاليا عن أفكاره.
إلا أن المسألة التي تمحور حولها نقد فوكو وجيل دولوز للماركسية هي: الديالكتيك. فالديالكتيك بالنسبة لفوكو إرث هيجلي، لا يمكن فصله عن الخطاطة الهيجلية المتمثلة في “الأطروحة ونقيضها”، إضافة إلى أنه إحالة على الماركسية الستالينية، ويفسر موقفه النقدي الرافض للديالكتيك استلهامه لنيتشه دون تبنيه لأطروحاته ومفاهيمه.
أما جيل دولوز (1925-1995) فقد قال بأكثر ما يمكن من الوضوح: “أعتقد أن غَـتاري وأنا بقينا ماركسيين”(4)، كما رفض دوما وحتى آخر حياته التنكر لماركس، وظل يتبنى ما يسميه بـ”الصيرورة الثورية”، وضرورة “مقاومة الحاضر”(5) ويمدح “الغضب ضد العصر”. لكنه رفض الديالكتيك في إطار ارتكاز فلسفته على “الاختلاف كبديل للتناقض”، فهو ضد هيجل لكنه يواجه ماركس، لذلك قال عن ألتوسير “إنه يحرر ماركس من هيجل بشكل رائع”. وقال بهذا الصدد: “إن ما أكرهه قبل كل شيء هو الهيجلية والديالكتيك”(6). ومن الواضح أن دولوز يرتكز هو أيضا على فلسفة نيتشه التي أدخلت إلى فرنسا من طرف اشتراكيين يميلان للتيار الفوضوي أو الأناركي (هما هنري ألبير وشارل أنْدلر)، وذلك ضمن تقليد نقابي ثوري في نهاية القرن 19 وبداية القرن العشرين هَدف إلى اعتماد نيتشه لمراجعة الماركسية.
ترى “إيزابيل غارو” أن قراءات كل من ميشال فوكو وجيل دولوز ولويس ألتوسير لماركس هي “طرق لولوج ما يعتبر سياسة في الفلسفة”، وأنها “فرصة يواجه فيها هؤلاء المفكرون المسألة الشيوعية”، وهذا ما يجعل أعمالهم “تنتج تعريفا جديدا راديكاليا للالتزام الثقافي”. بل إن أعمالهم “الأساسية والأصيلة” هي نتيجة لعلاقتهم الثابتة والأساسية بماركس والماركسية. فلما يساهم هؤلاء الفلاسفة الثلاثة “في جعل ماركس مرجعا نظريا من ضمن مراجع نظرية أخرى، فإنهم يحافظون على الأهمية النظرية والسياسية لهذا المرجع ويؤكدون على أهميته. إنهم يميزون أنفسهم باستمرار عنه، ويبنون في علاقة به، باعتباره إشارة مركزية، مسارهم. إن هذا الدمج ما بين الاعتراف وفقدان الثقة والحظوة، ما بين الإبقاء على مرجعية ماركس ومحوها، هو الخاصية الأكثر تميزا لأعمال فوكو ودولوز وألتوسير”(7).
—
هوامش:
1) J. Derrida, Friendship politics, in Althusserian legacy, verso, Londres, 1989
2) Daniel Bensaid, Althusser et le mystère de la rencontre, www.marxau21.fr
3) Isabelle Garo, L’infâme dialectique: le rejet de la dialectique dans la philosophie française de la seconde moitié du 20e siècle, www.marxau21.fr
4) Gilles Deleuze, Pourparlers. Paris : Éd. de Minuit, 1990, p. 7 et p. 232.
5)Gilles Deleuze & Félix Guattari, Qu’est-ce que la philosophie ?. Paris : Éd. de Minuit, 1991, p. 104 .
6) Gilles Deleuze, Pourparlers. Paris : Éd. de Minuit, 1990, p. 14
7) أنظر مقدمة كتاب إزابيل غارو