فسحة شعرية في ديوان “لا تخبئ وجهك في المرآة” لمحمد المعزوزي

بقلم الأستاذ محمد لخريبي

الشعر هو وحده القادر على غسل كل مظاهر القبح لكي نتصالح مع الذات ومع العالم بجماليته، وترسيخ قيم التسامح والعدالة والحرية والجمال. وحده الشعر يستطيع أن يفجر ينابيع السلم والمحبة. وحدها الروح الشعرية تجعل الإنسان مقيما في بحر الوجود، مقيما علاقاته مع الحقيقة والفكر والعالم والمجهول ومع الذات وهو تكون شخصيتها المفرغة في قالبها الإنساني.

لا أريد أن أفصل هذا الديوان على هواي، أو أخترع له اسما أو عنوانا جديدا، أو أقوم بترجمة لقصائده، ترجمة تبخر روحها الشعرية، وتلغي حواس الشاعر، وتكبل القصائد بلغة ثانية تحرس نغمها، ولا أريد أن تتحول الألوان الزاهية في فضاءاتها إلى صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود.

إن قراءة الشعر هي إبحار في مستودع الفكر واللذة والمتعة والاندهاش، واكتشاف متعدد الوجوه، وإن كانت كل قراءة مغرضة، ما أريده هو التعرف على هذه التجربة، والتعريف بها، فها هنا ديوان شعري ينخلق، أحاسيسه وأنغامه تتدفق، فلنرهف له الاستماع.

هي أنغام، وأحلام وأحاسيس ورغبات لا ترسو سفينتها في مرفأ، تحاور الكون الإنساني، فحسب، ولا أعتقد أن محمد المعزوزي وهو يغازل الكلمة يحاور تجربته رغبة في إيصال صوتها إلينا، أنه كان يريد ضمانة على شعره في هذا للقاء، بل يريد منا أن ننصت له بكامل حواسنا.

لهذا أذكر، أنه لما احتضنت يداي هذا العمل الفني، استرخيتُ قليلا، تأملت في العنوان، طالعت وجهي في مرآته، توهمتُ لحظة أنه سينطق ويرشدني إلى مكاني في فضائه، لعله في قصيدة من قصائده، ولعل صوتي في لحن من ألحانه، تصفحتُ بسرعة، صفحات الديوان، طالعتني محطات وعلامات، وخلتُ أن الشاعر قد اختار سفرا طويلا في الكلمة، وبينه وبين الغاية سؤال، وفصول غير مستقرة محتميا برغبته وحلمه الطويل وإصراره على الظهور رافضا الاختباء… هي علامات ذكرها الشاعر (دانيال لويرس) حين رأى في (الشعر سفرا دائما ونفورا من المبتذل اليومي والرغبة في الفرار من الواقع للسمو به أفضل كي يتغنى بالحقيقي، يتغنى بالشمس والليل والحب، لكن أيضا مي يتغنى بوهم الحقيقي: بشمس الليل وبموت الحب) هو حلم الشاعر محمد المعزوزي ولا أعتقد أن هذا الحلم أكبر من هذا الديوان، فقط يجب علينا أن ننصت له، ذلك سيجعل نشيده أكثر تدفقا.

إن الشاعر في هذا الديوان يعانق أسطورة الترحال في أقاليم الأحلام وحرقة السؤال وعشق النغم والموسيقى، والارتباط بالتاريخ، وفي ترحاله لم يكن متعبا في صبحه الجميل في هذا الديوان الأول، لأنه مارس أحاسيسه وفق تصور أراده هو، وليس كما يُراد أن يُعلن حتى في صراع الذات مع الآخر بقيمه القديمة التي تكرس الخنوع والصمت، أو مع الآخر بقيمه الحديثة المدهشة التي استباحت أحلام الإنسان ورمت به في دروب الاغتراب النفسي والمكاني ووضعت في طريقه كل الحواجز التي تمنع تحقيق الحلم. هي دنيا الشاعر، وطول مداها والدهشة العميقة، تطلبت منه اختيارا من الاختيارات. هل الإحساس بالانتماء إلى الأرض، إلى الوطن، إلى الأصالة، إلى الجمال يمكن أن يقلص عدد الاختيارات. هل الزمن الممتد قد يحمل بعض الأمل؟

ولأن الشاعر كان يبحث عن ملاذ أخير، عن حلم يردده صوت البلابل، حاور التاريخ، وجد الإنسان قابضا بشهواته متحللا من مبادئه ووعوده فحوصرت الذات في الوطن، بحث عن الحقيقة، استنجد بالهدهد والحدس والكتاب والدليل، والعطر، وعمر الخيام، فأعلن أنه مجرد خبر، ولذة لا حد لها، وكلام مرصع، وابن للحب ولحن وطنه. كان عليه أن يرتمي في كل الطرق المنكسرة. بجدار اللهفة يعانق التراب، يعانق الحب، وحده الوطن يلملم جراحاته، ويجسد عمق الحلم والحنين لغد متجدد لكيلا يشعر باليتم، وبدا الطريق في فلك الاختيار رماديا يرش الرماد أو قزحيا يخرج إلى الأفق كؤوس الحليب والشهد، وما بين اليأس والأمل والموت والحياة والجمود والتجدد تتجسد معاناة الشاعر المطلقة. لكن استسلامه للمعاناة والعذاب لم يكن موقفا انهزاميا، بل كان لحظة تأمل واع لأبعاد الأزمة الحقيقية، لهذا أعلن رفضه الخضوع خوفا من الاضمحلال متحديا حاجز الصمت استعدادا للانطلاق فكان لا بد (أن ينطلق) من جديد، لأنه (شعلة لا تنطفئ) تعانق كل الأمكنة ما بين القمة والسفح، والبرودة والسخونة والهدوء والثورة… يستحضر كل العلامات التي يشهد عليها التاريخ حينما انكسر الحلم وتأهبت الذات الشاعرة لاختراق هفوات التاريخ التي تؤشر على السقوط وهي تعيش تمزقا وجوديا يعيد إلى الأذهان سقوطها من الماضي/الحاضر، تعانق عددا من العلامات، هي رموز، ربما، أو إشارات إلى حالة الاضمحلال وتمزق الإنسان في زمن البترودولار، والدينار وأرض القنب والخشخاش… حيث الرقص الذي كان سببا في توقف التاريخ… لهذا، لا يريد الشاعر أن يخبئ وجهه في المرآة، ولا يريدنا أن نخبئ وجوهنا فيها، وحمل على عاتقه مسؤولية فتح الأبواب الموصدة، وترتيب الكلمات وحروفها وترتيب الجمل والعبارات والرموز والإشارات في الأفكار، ويشفي جراحات النفس بالحب والغناء.

باستقرائنا هذه الأحاسيس، في الديوان، أفقيا، ودون ترتيب، أجد أن لغة محمد المعزوزي كانت شيئا نابعا من أحاسيسه وإحساس الإنسان من حوله، ومن حيوية الواقع، كثافتها أعلنت عن وجوده، وكما يقول كولريدج: فالشعر مجرد تدفق تلقائي للشعور، فجاءت القصيدة كزفرة محصورة بالزمان والمكان والحلم والذكرى والرغبة في التجاوز والانطلاق وتحدي الموانع، زفرة مسكونة بهاجس المعيشي، ولهذا تردد خطابه بين الرغبة في الاندفاع والتردد المفضي إلى الاستسلام، والذي لا يمكن اعتباره موقفا انهزاميا بل هو لحظة تفهم واع لحقيقة أزمة الذات في علاقتها بالعالم كما ذكرنا. تلك الأزمة التي تعددت تيماتها في النص:

وقد شكلت تيمة الموت موضوعة محورية في تلك العلاقة، تستحضر لحظات الانكسار (ففي السماء موت وفي السفح موت حيث لا خضرة، وفي البحر موت، وفي السجن موت، وفي سراب الصحراء موت، وفي السفر موت، وفي موت الحب موت وفي انكسار الحلم موت).

وقد جسدت الطبيعة هذه التيمة حينما لا تنسجم مع رغبة الشاعر، فالماء يصادر الحياة حينما يقل الماء في البئر، والمطر للمطر يجتث، والغمام يابس، والسيل عرمرم على الجسد، والينابيع ثكلى والشاطئ يصبح فضاء للموت…

ويقسو الزمان على الشاعر (فليله كالجليد جوعان، والنهار يباعده بالسواد والنهار يغير لونه في رحلته كالحرباء، وطول مدى الفصول لا يتغير ولا ينتهي)

ويقع الشاعر تحت وطأة المكان يقسو عليه أيضا، فأصبحت الأرض عذابا وموتا (فهي سفر طويل، وهي جفاف، وحدود ولجوء، وهي تيه وضلال، وحلم وحنين، وهي سجن وهي جبال من جليد، ورمل من جديد، وقبو فيه متسع للآدميين، وأرض مفروشة بالقنب والخشخاش، وهي موعد مترب…)

ورغم ذلك تجسد الأرض من لحظة عبق الحياة، كطريق لتحقيق الحلم الممتد في نفسه، فيعانق هموم الوطن، ويستشعر الانتماء (فيسكنه أضلعه) لأنه (لحن اللحن بقصبات الوطن) يحييه رغم أنه موطن المتناقضات.

ويرتمي الشاعر في أحضان التيه (يتيم المبتغى من شرق إلى غرب ومن شمال إلى جنوب يعيش وحده عرضة للظمأ المستباح، وقد جفت الآبار، وبكت الينابيع موتها، وعرضة للطرق العائمة، وعجلة دروبها التي رمته، يبحث عن النهار ويغطيه الليل الجوعان يظل وحيدا يجمع لفاف يديه).

ويسافر في كل الطرق في أحلامه الطويلة في عذاباته الكثيرة في المكان، وفي الزمان، وفي الحب، في النغم وفي الألوان المنسية في عذابات الوطن وفي عيون الفقراء والحالمين بالشاطئ الآخر.

ويشكل الحلم بؤرة مركزية في فضاء الديوان، وتطلعنا القصائد على مزاوجة بين حلم معنوي، وحلم مرئي يمد دائرة العقل بالسؤال، ويبقى حلم الشاعر هو معانقة الحياة والبحث عن الأمان والأمن لإعلان انطلاقته الجديدة، حلم هو حنين وذكرى وسؤال وإصرار على تحقيق (حلمه الأصيل تتغنى به البلابل). ولأنه يحب الحياة فقد أصر الشاعر على تحمل مسؤوليتها فقرر أن (يفتح الأبواب الموصدة ويترك الأبواب تحتضن كل الوجوه للحياة والرحمة، ويرتب الحروف والكلمات ويفتح صدره للياسمين ويشعل القلوب قناديل، حينها سيصبح الفجر سرمديا لا يزول).

ولعل حالة الانكسار ولدت لديه حس الانخراط في الهم الإنساني والاجتماعي والتاريخي رغم حالة الغموض التي ميزت تفاعل الشاعر مع المرجعين الأخيرين، وربما سيتضح ذلك حينما تختمر التجربة ويتوحد فيها الخاص بالعام في إبداعاته المستقبلية. 

وفي لحظة التوتر تعمل الذاكرة على إنتاج آفاق دلالية وترميزها شعريا ليؤسس ذاكرة ضد النسيان فيستدعي أحداثا ورموزا أسطورية مجسدا بنية الحنين إلى موجود غامض أو واضح مستنطقا الوجود، والآخر، والذات والقيم والأشياء، راعيا حلمه الذي يتحدى الزمان والمكان رغم أن ذلك الحلم ظل في مجمل القصائد أسير السؤال كبديل لغياب جواب وكأنه يحاور موجودا غير مأمول في معانقته، لكن الشاعر يستحضر عمق هذا الحلم فيعلن رغبته في الانطلاق والتجدد مؤكدا ذلك (لا بد أن أنطلق) مؤمنا بأن تغيير الطريق وسيلة للعيش الجديد: (غير سبيلا/تعش جديدا جميلا). إضافة إلى التخلص من دهشة القيم، ذلك ما سيقوض الولادة الجديدة كالصبح مصرا على التحدي (ويد لغد فيّ قد يتجدد).

وأجمل ما في هذا الحلم حنينه إلى الحب، فالحب تيمة ترمز إلى الحرية والمبتغى يتشابك وجهه بالوطن، فيناديه (الحب من بعيد) لأنه (سبط الحب)، فكأنه أحس بثقل الواقع فتوسل بالمرأة/الحب وكأنها الخاتمة التي يتوق إليها فكان الحب وراء كل كلمة تنتصر للرغبة في استعادة سكينته والرغبة في الانطلاق والتخلص من عذاباته الكثيرة متمنيا أن (يعيد الصبح المتدفق يومه للحب، ففي سماء البلاد رايات توشحه بالحب المعتبر).

ونجد الذاكرة تعمل على تأثيث فضاء الحلم باستدعاء رموز أسطورية لخلق حالات شعرية تروم فهم علاقة الشاعر بذاته وبالواقع وبالوجود في سياقات متعددة خدمة للموقف الشعوري: ففي حالة الانكسار يستدعي رموزا تجسد صورة القبح أو الضعف والضياع أو الجمود، كاستدعاء (هولاكو، وأبي سنبل وامرئ القيس…) وفي حالة الإصرار والرغبة في التجدد يستدعي رموزا يجسد القوة والجمال والخصب والإصرار كاستدعائه (عشتار وجوبا وأطلس…) لكن الشاعر استعمل تلك الرموز بحذر شديد، لعله كان يرى ما رآه صلاح عبد الصبور في بداية تجربته من أن (استعمال الأسطورة بقوة قي يحجب وجه القصيدة) وهذه قضية فنية لن نخوض فيها اليوم. فنجد محمد المعزوزي يرهق الرمز الأسطوري لعلامات استفهام أو نداء، ثم إن الديوان لم يبالغ في معانقة عنف المتخيل أو عنف السياسي أو عنف الفكري والذي كان بإمكانه أن يقوى التجربة عبر التكثيف الرمزي الأسطوري وجعله كإطار للتعبير واستعمال رموز أسطورية خاصة كاستخدام السياب لأسطورة السندباد وجيكور، واستعمال أدونيس لأسطورتي الفنيق والعنقاء، ولعلها ضريبة البداية، فالشاعر قد انقلب من قضية خاصة ليعيش قضايا متعددة تلقي بتفاصيل الواقع المشتت الذي قد تحجبه قضية كبرى تخلق علاقات حميمية بالأشياء.

إن كل قراءة هي إنشاء كتابة خفية وتحذف ما نريد أن نعثر عليه في هذا النص كما يقول تودوروف وقد أسعفتني هذه القراءة على العثور على الشاعر محمد المعزوزي شاعرا مهووسا بالموسيقى والنغم والجمال والحلم والرغبة في التجدد.

تلكم وحدات شعرية على مستوى الحلم والواقع والمعاناة خرجت إلينا تفاصيل إنسانية ذاتية وتاريخية وجغرافية واجتماعية تجسدت عبر الذاكرة وقلق السؤال، استمتعت بملاسمتها في قصائد هذا الديوان، وأنا أقرأها دون ترتيب خوف من أن تشوش علي أرقامها التماهي في الأحاسيس المرافقة لها، وأنا أحاول أن أتعرف على هذه التجربة الجميلة، على هذا المولود الشعري.

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد