حاشا لله أن تكون هذه المساجد لله !
** يونس إمغران / كاتب صحفي
*** الحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر.. والصلاة والسلام على خير الأنام محمد بن عبد الله خاتم النبيين والمرسلين وعلى آله وأصحابه الغر الميامين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد؛
عباد الله .. يقول الله تعالى “وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا”.. والمساجد أرضها واسعة، لقوله صلى الله عليه وسلم “جُعلت لي الأرض مسجدا”.. فهل ضاقت عليكم المساجد؟ أو ضُيِّقَتْ عليكم تلك المساجد؟.
ألم تكن أرض الله واسعة؟ وجوارحكم سليمة محرّرة؟ وأجسادكم ترفل في السلامة والعافية؟ فاسجدوا لله بكامل أعضائكم وجوارحكم، ولا تسجدوا لأحد غيره “وَاللَّه أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَل لَكُم السَّمْع وَالْأَبْصَار وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُم تَشْكُرُونَ” (النحل 78).
السجود لله نعمة.. وتحميده نعمة.. وتسبيحه نعمة..
وإياكم والسجود لغيره؛ مهما كان.. وكيفما كان سلطانه .. وكيفما كان بطشه..
فلا سجود في السياسة، ولا في الغنى.. ولا في الوظيفة..
سجودكم للسياسي أو الغني أو رئيس عملكم؛ سفه ومذلة ومعصية وشرك بالله.
إن الصحابة رضوان الله عليهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم – من فرط محبتهم له – “ألا نسجد لك ؟” فقال “لا”. ولو أذن لهم لسجدوا له سجود عظمة وإجلال وتوقير لا سجود عبادة. لكنه أبى واستعظم الأمر، لِمَا فيه من خطر على كرامة الإنسان وكينونته الإيمانية.
عباد الله.. مساجدكم كانت مدارس علم وتقوى..
وكانت مجالس شورى وقرار..
وكانت منابر حق بقولٍ وفعلٍ..
وكانت محاريب صادقة لنصح السلطان، ودحر الظلم والعدوان، والانتصار للضعيف، والدعوة للجهاد، والتوقيع عن رب العالمين في كل مجالات الحياة ومناحيها.
كانت المساجد معامل بناء الإنسان السوي، وإقامة المجتمع الفاضل، وتأسيس الدولة العادلة.
عباد الله .. نعم تغيرت مقالات المساجد، ولم يعد بالإمكان أن تكون مجالس شورى، ولا موازين قسط وعدل بين الناس، لظهور مؤسسات وطنية مستقلة تقوم على أداء رسالة الإسلام وفق منطق المساجد القديم..
لكن المساجد مازالت مدارس تعليم وتربية وتوجيه نحو الحق..
منابر لفضح الباطل والفساد والمنكر..
محاريب لحماية الدين والدنيا..
ولا خير في مؤسسات وطنية لا تصغي جيدا لخطاب المساجد وصوتها الصادح بالحق والرشاد.
بيد أن أغلب مساجدكم القائمة اليوم.. عباد الله.. حاشا أن تكون لله..
أكثر من يعتلي منابرها لا يفقهون في الدين، ولا يحسنون النصح، ولا يجيدون القراءة.. بل لا تحضرهم البديهة، ويعجزون عن الارتجال في الكلام..
أغلب خطب مساجدكم لا علاقة لها بالواقع.. ولا بقضايا المجتمع، ولا بنصح الدولة وتقويمها.
خطب ذات لغة خشبية.. وأفكار ميتة.. وتوجيهات يصعب تذكرها في حينها وهي تمر على أسماعكم.. إنها لغو، ومن لغا فلا جمعة له.
مساجدكم؛ عباد الله .. ذات روائح كريهة تفضح سوء نظافتكم القلبية قبل الجسدية..
مساجدكم؛ عباد الله.. مسارح لسرقة الأحذية.. والهواتف النقالة.. وحلبات للشجار والكلام النابي.. فتوبوا إلى الله يرحمكم الله.
اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه والحمد لله رب العالمين.