المصطفى أحسني :باحث في علم الاجتماع السياسي.
إذا كان دستور المملكة المغربية في فصله السابع قد أناط الأحزاب السياسية بمهمة تأطير المواطنات والمواطنين وتكوينهم السياسي، وتعزيز انخراطهم في الحياة الوطنية، وفي تدبير الشأن العام، وأن هذه الأحزاب ملزمة بالمساهمة في التعبير عن إرادة الناخبين، والمشاركة في ممارسة السلطة، على أساس التعددية والتناوب، بالوسائل الديمقراطية وفي نطاق المؤسسات الدستورية. وإذا كان المغرب يتوفر على أكثر من ثلاثين حزبا سياسيا؛ منها الليبرالي اليميني، والإسلامي واليساري، و… .وجميعها تشارك في العملية السياسية، وتتنافس للظفر بمقاعد برلمانية وإقليمية وجماعية وجهوية، فهذا يعني أنها لا يمكن لها أن تكون إلا صوتا ممثلا للشعب المغربي، وإلا بماذا نفسر فوز حزب معين أو مجموعة سياسية بأغلبية المقاعد النيابية أو الجماعية أو الإقليمية المخصصة لإقليم أو جهة بعينها؟
ببساطة متناهية، نقول أن هذا الحزب أو ذاك يحظى بتأييد كبير من الأغلبية الساحقة من المواطنات والمواطنين في هذه المنطقة أو تلك، وبالتالي فإن هؤلاء الناخبين والناخبات أوكلوا مهمة الدفاع عن مصالحهم وتحقيق مطالبهم وتطلعاتهم إلى ممثليهم المنتخبين طبقا للنهج الديمقراطي كما هو متعارف عليه وكما ينص على ذلك الدستور . لكن عندما يخرج المواطنون والمواطنات في مسيرات للمطالبة بتحقيق المطالب ويرفعون شعارات تندد بالفساد والتهميش، فهذا يعني أنهم فقدوا الثقة في أولئك الذين من المفروض أن يكون هم صوت المواطن، أولئك الذين نسميهم ممثلي المواطن، أولئك الذين اختارهم المواطن للتعبير عن مطالبه وتطلعاته في العيش الكريم. فعندما يتحرك المواطنون والمواطنات للتعبير عن مطالبهم بأنفسهم، هنا نتساءل: أين هي الأحزاب السياسية التي تنادي بالديمقراطية والدفاع عن حقوق المواطن؟ أين هي تلك الأحزاب التي تنتشي بالفوز بعدد من المقاعد، أين هم “ممثلو” المواطن الذين يتفاخرون بحصولهم على آلاف الأصوات ؟ ألم تكن تلك الأصوات للمواطن الذي يخرج اليوم في مسيرات احتجاجا على الفقر والتهميش والبطالة والمطالبة بالحق في الصحة والحق في التعليم والحق في الشغل والحق في التنمية؟ أين هي الأحزاب التي تملأ الشاشات والمنابر الإعلامية وتتدافع على الكاميرات بما تسميه “لقاءات تواصلية مع الساكنة ” ؟ أين ما يسمى جمعيات المجتمع المدني التي تتصارع على الحصول على الدعم المالي من خزينة الدولة فقط ، وتتسابق على المنابر من أجل التفنن في الخطابات والشعارات البراقة ؟ أين هي المنظمات الموازية للأحزاب السياسية التي تملأ الإعلام بما تسميه ” جامعات صيفية وربيعية وخريفية وشتوية” لفائدة الشباب ؟ كل ذلك من أموال الدعم التي تخصصها الدولة لهذه الهيئات حتى تقوم بمهامها الدستورية على أكمل وجه، التأطير والتكوين والتربية على المواطنة والثقافة الديمقراطية و..و.. فالأحزاب طالبت الدولة بتقنين الحقل السياسي فكان لها ذلك، والأحزاب طالبت الدولة بحقها في الدعم المالي فكان لها ذلك، والأحزاب طالبت الدولة بتقنين الحقل الإعلامي وبحصص فيه فكان لها ذلك، ولكن ماذا قدمت هذه الأحزاب في المقابل للوطن والمواطن؟ هل أطرت المواطنات والمواطنين كما نص على ذلك الدستور؟ وإلا ما معنى أن تغيب هذه الأحزاب عن الساحة في وقت كان من المفروض أن تكون متواجدة بكل ثقلها للتواصل مع المواطن والاستماع إلى مطالبه؟ أين هم ” الزعماء “السياسيون، أين هم المنتخبون والمنتخبات؟ أين هم ممثلو السكان اليوم؟ . الدولة حاضرة والمواطن حاضر في حين الأحزاب السياسية وجمعيات المجتمع المدني غائبة.
كنت أتوقع أن تتحرك الأحزاب السياسية في هذا الوقت بالذات لتبرهن على أنها بحق تؤطر المواطن ، وتتفهم انشغالاته وتطلعاته، وتعقد تلك “اللقاءات التواصلية ” و”التجمعات الجماهيرية” و”الندوات الفكرية” و”الأيام الدراسية” و”الجامعات الفصلية” وهلم جرا، وتتحاور مع المواطنين وتتواصل معهم وتصغي لمطالبهم، لكن للأسف الشديد جلها مشغولة بأمورها الداخلية خصوصا وأنه لم يمض وقت طويل على تشكيل الحكومة حيث لازالت هناك دواوين الوزارات تتشكل وهناك اقتراحات تعيينات في مناصب و القائمة طويلة من أمور توزيع الكعكة، وهناك من هم منشغلون بترتيب بيوتهم الداخلية بعد الهزات التي تتعرض لها بعد كل استحقاقات مباشرة لأسباب لا تخفى على أحد، وهناك من هو قلق على مستقبله في الزعامة وهناك من هو قلق على مستقبل وريثه في الزعامة.
تعليقات الزوار