العقل والنقد في عصر الأنوار 1/2

جوزيان بولاد أيوب

ترجمة ذ. محمد الهلالي

منذ فيكو Vico الذي كتب في بداية القرن، وبالتحديد سنة 1709 ما يلي: “في أيامنا هذه، النقد هو الذي نذر نفسه من أجلنا، لأنه هو الذي يمنحنا هذا العنصر الأول للحقيقة، العنصر الذي نستخلص منه اليقين لما يسيطر علينا الشك”، وحتى كانط Kant الذي ترك بصماته في القرن الثامن عشر، وقام بصياغة تركيبية لفكر هذا القرن، لم يكف هذا القرن عن وصف نفسه بأنه “قرن النقد”. وفي مقدمته لـ “نقد العقل الخالص”، تجاوز تقديره لهذه التسمية مستوى تبنيه لها. ويرى المعاصرون أنفسهم وهم يستعيدون المعنى العام للأنوار: أي تفوق النقد في علاقة وثيقة بتفوق العقل الذي اعتُبر أداة النقد النشيطة وتوسع تأثيريهما معا: “إن عصرنا هو على وجه الخصوص عصر النقد الذي يجب أن يخضع له كل شيء. فالدين الذي يحتجّ بقداسته، والتشريع الذي يتباهى بعظمته، يريدان عادة التحرر من الخضوع له، لكنهما يثيران شكوكا وجيهة ضدهما بسبب فعلهما ذلك، كما لا يستطيعان الادعاء بامتلاك هذا التقدير الصادق الذي يمنحه العقل لمن استطاع أن يدعم حرية تفكيره العلنية”.

 

اعتبر العقل في القرن الثامن عشر الفكرة الأكثر أهمية من بين كل “الأفكار الجديدة التي ساهمت في بروز حداثتنا. بل اعتبر أكثر أهمية من السعادة ذاتها. يبدو لي أن الفكر النقدي -والذي هو في نفس الوقت “اختراع” مميّز للأنوار وإرثها الأساسي – لا يحقق اكتماله إلا لأنه ارتبط في نفس الوقت كاختراع باختراع “الفيلسوف” و”الحرية”. يبدو مفهوم الفكر النقدي، من منظور المحددات الإيديولوجية لتطوره ولعلاقاته مع المفاهيم الكبرى للحقل الدلالي الخاص الذي يشتغل ضمنه، غير منفصل عن تمثل جديد وجدالي للفيلسوف؛ وعن مهام العقل، وغير منفصل أيضا، من زاوية قيمته النفعية، عن معاني سياسية ناتجة عن هذه التحديدات الجديدة.

سألجأ أحيانا من أجل التوضيح لمقالات الأنسكلوبيديا المتعلقة بالمفاهيم الثلاثة المثارة هنا. والتي تكرس في نظر المعاصرين لتلك الفترة، وفي نظرنا أيضا تجديدها السيمانطيقي. كان هناك رسم منقوش شهير في تلك الفترة يمثل الحرية مدرّعةً بصولجان العقل (أي الفلسفة) وهي تسحق الجهل والتعصب. “فمن الضروري وجود حَجِيج…”، ومن الضروري وجود “حزب للفلاسفة”، وعموما، من الضروري وجود الفكر النقدي من أجل أن يكتمل العصر المتنور، عصر فكرة التقدم، ويعبر عن ذلك الاكتمال في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمواطن واندلاع الثورة.

 

إن التعديلات التي طرأت على مفهوم النقد، في عموميته، بفضل جهود “الفلاسفة”، والتي حصل بفضلها على “اختلافه النوعي”، أي المعنى المحدد والدقيق الذي ورد في المقال المعنون بـ”النقد” في الأنسكلوبيديا، لها دلالة أكبر من مجرد عملية إعداد جديدة للمفهوم، وتغييرا بريئا للاستعمال التقني للمصطلح. إن تلك التعديلات تدشن الانتقال للفكر النقدي، كما تدل كذلك على العمليات التي سمحت بالتدريج بالقيام بذلك: وهو ما أطلقت عليه “اختراع الفكر النقدي”، وبتعبير أشمل، تغيير الطريقة المشتركة للتفكير وللفعل في عهد الأنوار. فعلى مستوى تجديد أسلحة النقد: تم الانتقال من عهد الإيمان إلى عهد العقل. وعلى مستوى توسيع مجال عمل العقل: تم الانتقال من تطبيق النقد على العهدين اليوناني والروماني القديمين، أو تطبيقه على النصوص المقدسة إلى تطبيقه وبسرعة على المعرفة والفعل الإنساني…

كل هذه الأحداث التي تبدو ثقافية من الوهلة الأولى، تكشف لمن يتأملها بفكر ثاقب المعنى الثاني الذي نجده في الطفرات الذهنية والعملية المرتبطة بها في المجتمع.

 سادت في جميع بلدان أوروبا المتنورة الإرادة المشتركة من أجل أن يعرف المكون القضائي للفكر النقدي طريقه للوجود، والتجاوز التدريجي للحدود المعرفية لمجال ممارسته. ويمكن اعتبار هذين العنصرين شرطين ضروريين رغم أنهما غير كافيين لتكون الفكر النقدي بالمعنى الدقيق للكلمة. ولكي تتوفر تلك الشروط كان يجب انتظار أن يصبح للفيلسوف وضعا إيديولوجيا مختلفا عن وضعه السابق، والتأكيد الاجتماعي للدور الذي خاض صراعا هاما من اجل القيام به باعتباره فاعلا رمزيا رفيع الشأن. فالفيلسوف الذي يتماهى مع “الناقد المتفوق” أوكل لنفسه وظيفة لها صدى سياسي تتمثل في “أن يكون في آخر المطاف قاضي الإنسانية وليس مستبدها”. وهو ما يعني أيضا القلب البطيء لموازين القوى ما بين السيادة السياسية وسيادة النقد الفلسفي لصالح هذا الأخير.

لقد أمكن لديدرو، في منتصف القرن تقريبا، أن يهنئ نفسه لانتصار قضية العقل أو، بتعبير آخر، سيطرة الفكر النقدي بدون منازع فـ”كل شيء يخضع لقوانينه”.

بإمكاننا تتبع مختلف المراحل التي قادت من النقد إلى الفكر النقدي بالمعنى الدقيق للكلمة، ولتأهيل الفلاسفة له، ومن ثمن الانتقال نحو فكر الأنوار بصفة عامة وتحقيقه لمشروعه التاريخي موضوعيا. لقد كانت الخطوة الأولى هي استبدال معايير الإيمان بمعايير العقل، وهو استبدال رُفع إلى مرتبة المبدأ الأساسي للمنهجية الضابطة لخطوات النقد. وسيتوج التحالف الجديد ما بين النقد والعقل، الذي مهد لحدوثه الشك المنهجي الديكارتي وأبحاث المفكرين الأحرار والتحليل النقدي للتوراة (الذي قام به ريشار سيمون Richar Simon)، بـ”القاموس التاريخي والنقدي (1695) لبايل Bayle، الرائد الحقيقي للأنسكلوبيديا، أو بعبارة أخرى، الرائد الحقيقي لأكبر آلة حرب في القرن الثامن عشر. لقد أصبح مصطلح “عقل” و”نقد” مترادفين، ويبينان إلى أي حد يتطابق النشاط النقدي مع نشاط العقل حتى على المستوى المادي المعجمي.

يجب أن نضيف حدثا آخر يعتبر حاسما في ميلاد الفكر النقدي وتماهيه مع الفكر الفلسفي في الحقبة المعاصرة. فهو لا يوجد فقط في جذور الترابط ما بين العقل والنقد، ولكنه يبدو إضافة إلى ذلك وكأنه يشكل وساطة ضرورية لتحقيق التقارب ما بين الصراع الذي يخوضه النقد والفلسفة من أجل هدف مشترك هو: بناء عالم متنور، أفضل من غيره، حسب الاعتقاد السائد آنذاك. فالعقل، هذه الملكة التي اهتم بها  سابقا القرن السابع عشر، قرن الديكارتيين ومناطقة بور رويال Port-Royal، اكتسب في هذه المرحلة معنى جديدا. فهو يُعرّف اعتمادا على الدور الذي يقوم به داخل مجال النقد ومجال الفلسفة، حيث يوحد طموحاتهما ويخدمها في نفس الوقت. ففيما يخص النشاط النقدي، يعتبر العقل الوسيلة المفضلة، كما يشارك مبدئيا في بسط حق مراقبته لجميع المجالات. وفيما يخص النشاط الفلسفي، يستمر العقل، بكل تأكيد، في كونه دليل الفلسفة في البحث عن الحقيقة الآن، كما كان في السابق، إلا أنه تلقى توجيها مختلفا وأكثر نضالية. هناك ثلاثة مبادئ جديدة تحدد عمله ووضعت علانية كأساس لهذا النشاط وهي: المنفعة، القابلية للعيش داخل الجماعة، والقدرة على التعايش مع البشر جميعا، إضافة إلى تغيير الصورة التقليدية للفيلسوف الذي ظل إلى حدود تلك الآونة مهتما بالتأملات المجردة عوض الفعل العملي. 

هذه بعض الحلقات الهامة من السلسلة الطويلة التي تكوّن عبرها، بشكل تفاعلي، مفهوم الفكر النقدي، والذي سيتطابق، في الأخير، بعد السيطرة الفلسفية عليه، مع فكر الأنوار في شموليته، أو بتعبير أدق، مع أهدافه الثورية. تتداخل تغيرات المفاهيم مع التغيرات التي تميز الحياة الاجتماعية والثقافية الخاصة بالقرن الثامن عشر، تلك التغيرات التي تمنحه قيمته الدلالية والعملية المتميزتين.

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد