الأستاذ محمد الهلالي
5
الحقل الديني هو نفسه حقل سياسي وإيديولوجي، إنه ساحة معارك سياسية وإيديولوجية، تُخاض بداخله صراعات الحكم والتملك، بالغلبة أو بالدعوة. وتؤرخ المعارك التي خبرها لتطوراته وتغيراته وانتكاساته أيضا.
إن عودة الدولة إلى الحقل الديني بقوة ووفق إستراتيجية للهيمنة والاحتكار تعود للسبعينيات (أو بداية الثمانينيات عبر تحديد وظيفة العلماء وتأطير استعمال المساجد وتكوين القيمين الدينيين) حيث تفاعلت أحداث هامة هددت الهيمنة الإيديولوجية للحكم ومن بينها:
– الانتشار الكيفي والكمي للأفكار الماركسية في أوساط الشبيبة المغربية وخاصة في الجامعات والثانويات.
– ظهور نموذج للحكم الديني المنافس للإيديولوجية الليبرالية الغربية وللإيديولوجية الاشتراكية، هو النموذج الشيعي الإيراني.
– انبثاق حركات سياسية باسم الدين تُنافس الدولة في المطالبة بحقها في الشرعية الدينية (وهي حركات يمينية شعبوية لا تختلف مع النظام في الخيارات الإستراتيجية، بل إنها تعبر عن إفلاس النظام الإيديولوجي والاقتصادي).
يعتبر الدين إيديولوجية المجتمعات التقليدية والمجتمعات التي لازال التقليد هو بنيتها الفوقية الأساسية. ولقد عرف المغرب الصراع حول احتكار الدين منذ القرن الثامن عشر، وتمثل ذلك في الصراع ما بين الزوايا والسلطة المخزنية. وبما أن الصراع الديني هو مظهر للصراع السياسي فلقد لجا السلطان مولاي سليمان (1792-1822) للوهابية (الإسلام المشرقي المحافظ المستلهم للمذهب الحنبلي) لمحاربة خصومه. ولقد نشر رسالة عرفت بـ”رسالة ضد المواسم والبدع”. وسيستمر الصراع في القرنين المواليين حول احتكار الدين وتوظيفه. وسيوظف الاستعمار الفرنسي الإسلام عبر الزوايا، كما ستلجأ الحركة الوطنية للدين كرمز للمقاومة. وبهذه الصفة لا يمكن لأية دولة أن تهاجمه أو تحاربه، وهذا ليس لأنه دين، ولكن لأنه دين قام بدور تاريخي ومبدئي، وبالتالي فهو ذاكرة مقاومة، ذاكرة شعب، بالرغم من أن السلطة الدينية التقليدية تحالفت مع المستعمر أو اختارت الحياد.
وستلجأ دولة ما بعد الاستقلال للدين بحثا عن الشرعية وتصديا للمعارضة اليسارية. وإذا كان من المبالغ فيه القول إن عودة الدين الرسمي والإيديولوجية الدينية الرسمية إلى الواجهة السياسية بقوة هدفت بالأساس لمحاربة اليساريين، لأن هذا يدل على إهمال أزمة شرعية النظام في أعين مجموعة من الفئات (الطلبة، الجيش، الفئة المثقفة، النقابات، المعارضون الإسلاميون…) فإن ذلك القول له جانب من المصداقية نظرا للأهمية التي كانت تحظى بها الإيديولوجية اليسارية آنذاك في مناخ سياسي محلي ودولي مساعد.
6
إن مراقبة الحقل الديني تعني ضبطه ومراقبته من خلال مجموعة من التدابير والإجراءات لتوظيفه في الصراع لاحتكار المشروعية الدينية التي هي أساسٌ من أُسُس المشروعية السياسية في المغرب. وتتجلى عمليات التدبير التي تتوخى الضبط في الإجراءات التالية:
– التحكم في المساجد التي ظلت خارج السيطرة وذلك عبر التحكم في منح التراخيص لبناء أماكن العبادة وذلك منذ 1984.
– التحكم في مضامين خطب الجمعة، وإقصاء الخطباء “غير المنضبطين” باستعمال الترغيب والترهيب والتوقيف والطرد. وتحويلها إلى مجال للتعلم والحفظ والترتيل ومحو الأمية.
– إعادة السيادة للمذهب المالكي كمذهب وحيد في البلاد.
– إعادة هيكلة المجالس العلمية المحلية لتقوم بمجموعة من الوظائف في مجال التأطير الإداري وتأطير عمليات محو الأمية بالمساجد والإشراف على تكوين الأئمة والخطباء والوعاظ…
– تمكين المجلس العلمي الأعلى من سلطات هامة فيما يتعلق بالفتاوى. (تقديم آراء استشارية بهذا الشأن)
– جعل الإفتاء شأنا ملكيا. ووضع حد للفوضى في هذا المجال
– تأسيس الهيئة العلمية المكلفة بالإفتاء التابعة للمجلس العلمي الأعلى المختصة بإصدار الفتاوى.
– تفعيل دار الحديث الحسنية التي أدخلت تخصصات جديدة مثل مقارنة الأديان واللغات والعلوم الاجتماعية والاقتصادية.
– هيكلة الرابطة المحمدية لعلماء المغرب، وتفعيل علاقتها بالمجالس العلمية.
– إعادة النظر في تدبير شؤون وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، وتبني خيار جديد مخالف للخيار السابق.
– إحداث المجلس العلمي للجالية المغربية بأوروبا.
– بناء مساجد جديدة وترميم مساجد قديمة.
– إشراك المرأة في تدبير الشأن الديني (القيمات الدينيات، العالمات بالمجالس العلمية)
– ميثاق العلماء لتأهيل العلماء لكي يواجهوا التطرف ويدافعوا عن الوسطية والتسامح.
– معهد محمد السادس للقراءات والدراسات القرآنية.
– مؤسسة محمد السادس لنشر المصحف الشريف
– مؤسسة محمد السادس للنهوض بالأعمال الاجتماعية للقيمين الدينيين (الأئمة والمؤذنون والخطباء والوعاظ والمرشدون والمنظفون والحراس والمراقبون).
– إذاعة محمد السادس للقرآن الكريم
– قناة السادسة للقرآن الكريم.
7
تدخل جميع تلك الإجراءات في خانة تدبير الحقل الديني ولا ترقى لمستوى الإصلاح. كما تغيب الكيفية التي يمكن الانتقال عبرها من التدبير المتمركز حول الضبط إلى الإصلاح الذي ينبني على سياسية دينية ذات أساس مدني. فالإصلاح الديني لا يعني بالضرورة العلمانية، لأن المجتمع غير مؤهل لاستيعاب وتبني ودعم العلمانية باعتبارها فصلا بين السلطات السياسية والسلطات الدينية، ولعدم وجود أدلة تدل على أن العلمانية ستحل وحدها المشكل الديني في المغرب المتمثل في هيمنة الدين على الشأن السياسي وعلى الحياة الخاصة والعامة، وكونه أساس شرعيات الطبقة الحاكمة وبعض الفئات المعارضة.
يقتضي الإصلاح النظر في البداية إلى هذا الصراع بين منظورين للمجتمع تختلط فيهما المرجعيات وتجتمع فيهما المتناقضات، ويتم الاحتماء فيهما بنفس المرجع ألا وهما: منظور الدولة التي تقوم بتدبير الشأن الديني، ومنظور جماعات الإسلام السياسي. فالمجتمع هو كبش الفداء الذي سيُضحّى به بدءا بطليعته التنويرية عند احتدام الأزمة حفاظا على مصالح الجميع. فليس هناك تناقض جوهري بين التطرف الديني والاعتدال الديني، هناك فرق في تقييم الوسائل والإمكانيات، هناك صراع بين الإيمان الذي يأمر بالتطبيق المباشر وإيمان التقية. هناك اختلاف في تقدير التّمكين وظروفه. فالاعتدال الديني يحتوي بذور التطرف ويقود إليه عبر تغيير في التوجه أو عبر انشقاقات.
يقتضي الإصلاح الديني التمحور حول جعل الدين شأنا خاصا تحميه الدولة انطلاقا من مجموع التدابير الملائمة وبناء على احتكار إيجابي رمزي وفعلي للشأن الديني في إطار إمارة المؤمنين، احتكار إيجابي لصد كل احتكار سلبي، احتكار يخدم الأمن الروحي للمؤمن لصد كل احتكار يجعل الدين وسيلة للوصول للسلطة، احتكار إيجابي لتثقيف المؤمن روحيا ودينيا ضد احتكار ينبني على التجهيل واستغلال الجهل بالدين نصا وتأويلا وتاريخا وتعددا في المذاهب.
ويقتضي أيضا العمل على أن تكون مراقبة الحقل الدين مراقبة كيفية. فهي مطلب سياسي راهن من أجل الحد من انتشار الخطاب المتطرف باسم الدين، لكنها ليست كافية لتحقيق الهدف النهائي الذي هو التخلص من التطرف الجماعي السياسي الديني. فعلى هذه المراقبة أن تدعم التصور الروحي للدين ضدا على التصور السياسي، وعدم تحويل عمليات الضبط إلى وسائل دعائية لمشروعية الدولة دينيا.
ينبغي أن تقود مراقبة الحقل الديني إلى ترسيخ الوظيفة الأخلاقية والروحية للمؤسسة الدينية، وجعل العلماء ينخرطون في إنتاج معرفة جديرة بالاحترام في إطار احترام التعدد والاختلاف، لذلك ليس من المقبول أن تكون مراقبة الحقل الديني هاجسا أمنيا.
ولكي يتحقق ذلك ينبغي:
– تجفيف المنابع الفكرية والتعليمية للتطرف الديني، وإعادة النظر في جميع المقررات والمضامين والتخصصات والمسالك التي تعتبر ملجأ وحضنا لنشر وصقل هذه النوعية من الأفكار
– إعادة النظر في مناهج ومضامين تدريس الدين الإسلامي بالعمل على ملاءمة وصلاحية المضمون للسن وللأهداف التربوية المنشودة، والانتقال من الحفظ إلى النقد والمقارنة وإدخال البعد التاريخي في تكوّن الدين والمذهب حسب ما يقتضيه السن، وعدم تكرار المضامين المشاعة في العائلة ووسائل الإعلام
– إلحاق كل ما يتعلق بالتربية الدينية الإسلامية بدار الحديث الحسنية وجعلها مسؤولة عن مضامينها وأهدافها ومناهجها
– إعادة النظر في الإعلام العمومي الديني وفي البرامج الدينية.
– تفعيل الدور الاجتماعي والخيري لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بحيث تصل إلى استقطاب معظم الأعمال الخيرية باسم الدين بما فيها أموال الزكاة واستعمالها في إطار استراتيجيات هادفة للتنمية (وخاصة في مجال هش جدا الذي هو مجال المتشردين والمتسولين وإجرام الشباب والمنحرفين والأطفال منهم على وجه الخصوص…
– تطوير مؤسسة العلماء وما يرتبط بها في حد ذاتها وجعلها تقوم بمهامها في استقلال عن الحقل السياسي وتأمينها من خطر التطرف الديني.
8
إذا تم حشد جميع “قوى المجتمع الحية” للتصدي للتطرف الديني فلن يؤدي ذلك إلا إلى خلق إشكال وهمي يحجب الإشكال الحقيقي الذي هو فشل الدولة في تدبير الشأن السياسي والاقتصادي. علما أن المتطرفين الدينيين أقلية، ومن ثمة فالمشكل الذي يفرض نفسه هو لماذا يحظون بالتأييد الشعبي، سواء بالصمت أو الموالاة أو التستر أو المساعدة المالية والتقنية والدعائية ؟ والجواب يكمن في الداء الأصلي الذي هو فشل سياسة الدولة. إن التطرف الديني الذي تقوده أقلية ويجد صداه لدى أغلبية هو الشكل الممكن للاحتجاج الشعبي ضد وضع يتردى اقتصاديا ويفقد مصداقيته سياسيا. إن المنتفعين من سياسية الدولة الحالية يساهمون في تأزم الوضع وذلك بخلق حلول وهمية يتضح في الأمد القصير فشلها واستمرارية الوضع كما كان.