المصطفى المعتصم
مؤلم ما نراه من فظاعات في حلب ولكنه لا يختلف في شيئ عن الفظاعات المرتكبة في اليمن والعراق وليبيا وأفغانستان وجنوب السودان والصومال ونيجيريا حيث يقتل المدنيون بالطائرات أو بالسيارات المفخخة أو بالقصف المدفعي . إنها فاتورات الحروب الأهلية أو الحروب بالوكالة التي تجري في البلاد العربية والإسلامية . هذه الحروب يجب أن تتوقف فورا وتتاح الفرصة لإيجاد الحلول السياسية . وإلا ستبقى هذه البلاد لعقود في اقتتال والصراع والحاق المزيد من الضحايا خصوصا في الدنيين .
قلتها مرارا وتكرارا الحروب والحروب الأهلية على وجه الخصوص بشعة ومؤلمة وتخلف جراحات عميقة . وما يحدث في سوريا اليوم وفي العراق وليبيا واليمن ليس أكثر فظاعة عما جرى في الحروب الأهلية بالغرب ( الحرب الأهلية الإسبانية أو الحرب الأهلية الأمريكية وفي الحروب الأهلية في الإتحاد السفياتي ، وحروب يوغوسلافيا الأهلية ، و الحرب الأهلية في فرنسا، والحروب الأهلية في بريطانيا … ) أو في الحروب الأهلية في أمريكا اللاتينية ( الهندوراس ، السافادور ، كولومبيا ، نيكاراگوا …) أو جنوب شرق آسيا ( الفتنام ، اللاووس ، كامبوديا ، كوريا …) أو في إفريقيا ( جمهورية الكونگو ، جمهورية إفريقيا الوسطى ، ليبريا ، رواندا، الجزائر …) . وأغلب الفظاعات طالت المدنيين أكثر مما طالت العسكريين .
في الحرب العالمية الثانية مات أزيد من ستين مليون أغلبيتهم الساحقة مدنيون عزل : ما جرى في ستالين غراد وفارسوفيا ، وبرلين وهيروشيما وناكازاكي ودريسدن وفي العديد من مدن الصين وجنوب شرق آسيا من فظاعات في حق المدنيين أثناء الحرب العالمية الثانية شيئ لا يصدقه عقل . أما حروب أمريكا النظيفة والقذرة فقد قتلت من المدنيين أضعاف أضعاف ما قتلته من العسكريين في الفيتنام واللاووس وكامبوديا وأفغانستان والعراق وقتل الكيان الصهيوني من آطفال لبنان وفلسطين ونسائهما وشيوخهما (أي الفئات الأكثر هشاشة في الحروب ) آضعاف أضعاف ما قتله من عسكريين ومن مسلحين . هكذا هي الحرب ، قذرة قاتلة غادرة وبالأخص حينما تكون أهلية .
ما جرى ويجري في سوريا منذ انطلاق الحراك الشعبي في 2011 هو نتاج معالجات خاطئة لأزمة كان بالامكان أن تدبر بشكل آخر . الجميع أخطأ موعده مع التاريخ، الجميع تحكمت فيهم جراح الماضي وآلامه وبقوا أسرى عدم الثقة والرغبة في الحسم عبر هزم الآخر . النظام أخطأ بطريقة تعامله مع مطالب جزء كبير من الشعب والمعارضات السورية أخطأت حينما عسكرة الحراك وأخطأت حينما اعتقدت أن الغرب وتحديدا فرنسا وأمريكا قد لا يترددون في اعادة سيناريو ليبيا عبر التدخل العسكري لصالحهم أو هكذا فهموا من تحركات وتصريحات ووعود الصهيوني بيرنار هنري ليفي وتصريحات الرئيس أوباما الذي وعد المعارضة بالتدخل العسكري حال استعمال النظام للأسلحة الكيماوية في الصراع كما أخطأت المعارضات السورية بتشتتها وانقسامها وأخطأت حينما لم تحسم في البداية أمرها مع داعش والنصرة اللذين أساؤوا كثيرا لقضية الشعب السوري وخدموا أجندات دول رجعية دعمتهم بالمال والرجال لاجهاض الحسم لصالح النظام أو لصالح المعارضة السورية الحقيقية أو لعرقلة أي توافق ومصالحة بين النظام والمعارضة السورية ولعل الضربة القاضية للوضع السوري الرسمي والمعارض التي خلطت الأمور هي تصدر داعش والنصرة وأخواتهما المشهد المعارض والهيمنة عليه لدرجة التحكم في مساراته ومآلاته .
حلب الجريحة ، نعم، حلب الدامية، حلب الشهيدة، حلب المدمرة ، حلب المعانات والدموع والألم والدم الجاري دفاقا في شوارعها الشرقية اليوم والغربية بالأمس . حلب التي تستعصي على كل إنسان أن لا يبكيها ويتألم على مصير مدنييها ويتعاطف معهم ويدافع عن حقهم في الأمن والسلم والحياة ولكن دعونا نطرح الأسئلة المحرجة في قضية حلب خصوصا والقضية السورية على وجه العموم :
– ألم تتصور المعارضات السورية عندما حولوا الحراك السياسي إلى مواجهة مسلحة ضد النظام ، أن هذه الحرب قد تصبح طويلة شرسة ، حرب وجود ليس فيها مكان لأنصاف الحلول : النصر أو الموت خصوصا بعد مؤمرات زرع الدواعش والنصرة في المشهد السوري ؟!.
– هل كان مسلحو حلب الشرقية يعتقدون أن بإمكانهم أن يكروا انطلاقا من أحياء حلب الشرقية ويفرون إليها من دون أن يعرضوا هذه الأحياء للقصف أوالهجوم المضاد ؟! .
– من يتحمل المسؤولية الكبرى في ما يجري للمدنيين ، في حلب وغير حلب هل من يلجأ للاحتماء بالمدنيين ويتخد أحياءهم مقرا لانطلاق عملياته و قلاعا وأحيانا باتخاد المدنيين كدروع بشرية أم من يخوض الحرب الشاملة ضد كل من يوجد في هذه الأحياء ؟!.
– ألم يتم قصف الأحياء الغربية لحلب ومدنييها ومناطق تواجد الجيش السوري أيضا مرارا وتكرارا انطلاقا من أحياء حلب الشرقية ؟!.
– ألم تنطلق معركة حلب الكبرى وبعدها ملحملة حلب الكبرى من أحياء حلب الشرقية ؟!. ألم يعلم المسلحون في حلب الشرقية بأن الحرب سجال وقد تدور الدائرة فتتحول هذه الأحياء إلى هدف ومرمى النيران بعدما كانت قاعدة انطلاق المقاتلين ؟!.
– من يجب أن يكون الأكثر حرصا على المدنيين في أحياء حلب الشرقية : الجيش السوري الذي يُقصَف انطلاقا من هذه الأحياء أم المقاتلين الذين يتحصنوا فيها بين أهلهم وذويهم ؟.
انتهت معركة حلب بما لها وما عليها وسأعود لأقول ما قلته بعد معركة القصير : الحل في سوريا لن يكون عسكريا بل سياسيا وعلى النظام والمعارضات أن يتحرروا من وهم الحسم العسكري لأن الانتصار في معركة مهما كان كبيرا لا يعنى ربح الحرب وما زالت هناك أكثر من جبهة في سوريا تنتظر الحسم والمفروض اليوم على النظام في سوريا وحلفائه بالخصوص المسارعة إلى إطلاق “مبادرة مصالحة وطنية تاريخية”، تكون بدايتها اصدار “العفو الرئاسي العام” على المعتقلين السياسيين سجناء الرأي والسماح بعودة المغتربين منهم وعفو عام على المقاتلين الذي يسلمون أنفسهم وأسلحتهم واطلاق مبادرة سياسية اصلاحية شاملة تشرك المعارضات السورية باستثناء داعش والنصرة. مبادرة لاقرار نظام تعددي وديمقراطي يحترم حقوق الإنسان وكرامة المواطنين السوريين ويحافظ على دور سوريا ومكانتها كقلعة للتصدي والمقاومة .