بعد مرور أكثر من شهر على محاولة الانقلاب الفاشل ضد حكم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، لا زالت تداعيات تلك المحاولة ترخي بظلالها على مواضيع الصحف الأجنبية، خصوصاً مع استمرار حملة الاعتقالات في تركيا. وكتب روبرت فيسك، في صحيفة إندبندنت البريطانية، أنّه في مجال هذه الحملة بالذات، تبدو “لعبة الأرقام مثيرة للاهتمام”. فقد أشار إلى أنّه بالعودة إلى شهر مارس الماضي، كان في السجون التركية حوالي 187000 سجين. وأضاف أنّه منذ محاولة الانقلاب، سجنت الشرطة أو “احتجزت” من أجل الاستجواب، 23000 شخص على الأقل، بين جنود ومدنيين، قضاة، صحافيين، أساتذة وغيرهم. لكنّه رأى أنّ الأرقام الحقيقية قد تصل إلى “32000 وحتى 35000”.
تبرير الحكومة “لا يُصدق”
ويكتب فيسك عن الواقعة “الفجائية” التي أفضت إلى “إفراغ” حكومة أردوغان السجون التركية من 38000 سجين كانوا فيها قبل الأوّل من يوليو (تموز) الماضي. ويوضح الصحافي هوية أولئك الذين أخلي سبيلهم: إنهم “بكلمات أخرى، المجرمون الذين لم يكن بإمكانهم المشاركة في محاولة الإطاحة بأردوغان لاحقاً بعد 14 يوماً. إذاً 38000 مداناً يخرجون من خلاياهم لإفساح الطريق أمام دفعة السلطان الجديدة من السجناء”. وأضاف فيسك أنّ الحكومة “أصرت على أنّ هذا لم يكن عفواً. (لكن) بالطبع كان (كذلك)، بما أنه يظهر عدم وجود نظام لتأمين أن السجناء المطلق سراحهم حديثاً لن يكرروا اعتداءاتهم. “بشكل لا يُصدق، مرسوم إطلاق السراح وُصِف على أنه جزء من “إصلاح جزائي” على امتداد 364 سجناً داخل البلاد”.
أمران “مثيران للاهتمام”
بالنسبة للصحافي، لم تكن السهولة التي أمكن من خلالها لتركيا إفراغ سجونها هي وحدها المثيرة للإهتمام – “على الرغم من أنّ السجناء المدانين بجرائم خطيرة كالقتل أو الاغتصاب لن يستفيدوا” – لكن أيضاً كيف يمكن لأزمة سياسية كبرى أن تسيطر بسرعة على النظام الأمني للبلاد. وعاد فيسك بالذاكرة إلى الوراء فكتب عن سنة 1980 حين أطلق الجيش التركي نفسه انقلابا عسكرياً. فقد كان على السعة العامة للسجون أن تُرفع من 55000 إلى 80000 لتستوعب هامشاً واسعاً من السجناء “الأمنيين”. انتمى هؤلاء إلى أطياف سياسية واسعة، من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين، ونُظر إليهم على أنهم مفتعلو حرب أهلية. وأضاف فيسك أن هؤلاء أمضوا سنوات صعبة “غالباً من دون محاكمة”. لذلك “لا سبب لافتراض أن الكثير من السجناء المقبلين سيُعاملون بطريقة أفضل بكثير لجرائمهم الغولنية المفترضة”.
سجون “فاسدة وسادية”
وكتب فيسك أيضاً عن فيلم ميدنايت أكسبرس الذي جعل السجون التركية شهيرة لتصويره نواحي “الفساد والسادية” فيها. إضافة إلى ذلك، تملك السجون التركية “سمعة كارثية للوحشية” التي تعود إلى زمن العثمانيين. السجين “الأكثر شهرة” في تركيا، زعيم حزب العمال الكردستاني عبدالله أوجلان، سيمضي عقوبته في جزيرة إمرالي الواقعة في بحر مرمرة ضمن حبس إنفرادي. أما أتباعه فقد “ملأوا غالباً السجون التركية في جنوب شرق البلاد – وخصوصاً دياربكر”. وركّز فيسك على أن الحرب بين الطرفين أنتجت عدداً من القتلى الأكراد فاق عدد السجناء منهم. “أكثر من 21000 كردي يعتقد أنهم قتلوا بين 1984 و2012 و2000 كردي آخرين بين يوليوز وشتنبر من العام الماضي.
ملاحظة مستقبلية مؤكدة
ذكر الصحافي مفارقة “غريبة” وهي أنّ المراسيم نفسها التي حررت 38000 سجين، تضمنت تنحية 2360 شرطياً إضافياً، 100 ضابط وجندي إضافي على الأقل، و190 شخصاً يعملون في مجال الخدمة المدنية. وأضاف فيسك أنه سيكون “أمراً مفروغاً منه – نظراً للدفعة الجديدة من السجناء – أن حرّاس السجون لن يكونوا ضمن التنحيات المستقبلية”.