موقع “ريتاج بريس ” يعيد نشر العمود اليومي للزميل مصطفى حيران الذي ينشره يوميا ” بموقع أخبركم “خلال شهر رمضان بعنوان موغربيات
مصطفى حيران: مديرموقع أخبركم
ملحوظة البداية: كل تشابه مع الحالات الشخصية والتنظيمية المسرودة في هذا المقال هو أمر مقصود!
انسحبت شلة النواب المحسوبين على اليسار من ممثلي النقابات والمأجورين في الغرفة الثانية حين تمرير التصويت على مشروع قانون إصلاح التقاعد، فتم اعتماد هذا الأخير بالأغلبية.
السؤال: هل خدم هذا الانسحاب في شىء، دعوات رفض هذا المشروع، الذي سيجعل في خبر كان، آخر المكتسبات الاجتماعية متمثلة في حق الحصول على تقاعد بدون مشاكل، أي بدون اقتطاعات أكثر من الأجر، وزيادة ثلاث سنوات من العمل (رفع سن التقاعد من 60 إلى 63 سنة)؟
المنسحبون لا يقدمون جوابا يمكن اعتباره مُقنعا، إذ ما جدوى عضوية غرفة برلمانية (مُصنفة في خانة الريع السياسي) إذا لم يكن على الأقل “تسجيل الحضور” و”التعبير عن موقف” بصدد موضوع اجتماعي مصيري يُراد دكه دكا بمشروع قانون ليبيرالي بأنياب مشحوذة؟
فهل يُعزى ذلك الانسحاب “اليساري” في لحظة حاسمة، إلى اعتبارات من قبيل أنه “لا بد مما ليس منه بد” أي أن مشروع قانون إصلاح التقاعد سيمر وفقا للصيغة التي طرحتها الحكومة مع بعض التعديلات؟ أم أن هناك من “أقنع” المنسحبين والمنسحبات “على نحو ما” بالتصرف بما يضمن مرور المشروع، كما يفترض البعض؟
كيفما كان الحال إن في هذا الأداء البرلماني “اليساري” المترهل حيال مشاريع الحكومة ذات الطابع الاجتماعي لا يمت ل”التياساريت” الحقيقية بصلة، سيما في غرفة برلمانية المفروض أنها بيت للدفاع عن شرائح الشِّغيلة المغربية.
إن في هذا المُعطى أحد المؤشرات الدالة على حالة وفاة كائن سياسي اسمه “اليسار المغربي” اتخذ تجربة “النضال من الداخل” أي من مقاعد البرلمان ومناصب التمثيلية الانتخابية على مختلف أشكالها.
فلنأخذ هذه المُعطاة لنلقي نظرة على بعض علامات ومعالم الوفاة البادية على جثة المُتوفى..
بدأ اليسار في المغرب راديكاليا ومعتدلا، لكنهما انتهيا معا إلى مصير واحد تقريبا: الأفول.
توهجت فكرة اليسار في المغرب مع حكومة عبد الله إبراهيم أواخر عقد الخمسينيات من القرن الماضي، نعم كانت حكومة ذات مرجعية يمينية (الحركة الوطنية) لكنها كانت مؤطرة بإديولوجيا يسارية سيما عقب انشقاق جماعة عبد الله إبراهيم وعبد الرحيم بوعبيد والفقيه البصري والمهدي بنبركة.. عن حزب الاستقلال (يناير 1959) وتأسيس الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، ولأن حكومة عبد الله إيراهيم كانت وطنية ويسارية حقا، فقد تمت مُحاربتها من طرف المخزن الملكي الذي ترعرع حوالي الحسن الثاني وهو ولي للعهد. فتم إسقاطها وتولى هذا الأخير رئاسة حكومة يمينية مائة بالمائة، وحين تسليم السُّلط بين الحسن الثاني والأستاذ عبد الله إبراهيم دعا الأول الثاني للجلوس في مكتب الوزير الأول بالوزارة الأولى فرفض، وحينما انتهت المراسيم وضع الحسن الثاني سلهامه على كتف سي عبد الله إبراهيم، فنزعه هذا الأخير حين وصوله لبيته وسلمه للسائق قائلا له: أعِده لصاحبه.
هذا عن اليسار المعتدل، أما الراديكالي فلم يجد له مكانا في بيئة ما بعد الاستقلال التي أرساها المخزن الملكي وقد اشتد عوده، فحارب الذين ناصبوه العداء واختلفوا مع الحركة الوطنية في شقها اليساري (الاتحاد الوطني للقوات الشعبية-التحرر والاشتراكية..) وسامهم سوء العذاب. نقصد بطبيعة الحال تنظيمات يسارية راديكالية من قبيل “إلى الأمام” و”لنخدم الشعب” و”منظمة 23 مارس”…
لم يجد هذا اليسار الذي أراد اجتثاث المخزن الملكي و”أذنابه من الإصلاحيين” وإرساء “ديكتاتورية البروليتاريا” أو “العمال والفلاحين” أو “المطرقة والمنجل”.. مكانا صالحا للعمل في بيئة المغرب بتعقيداتها الموغلة في ثقافة الاستبداد المغموس في الإقطاع.. بيئة تحملت بالكاد سياسيين وتنظيماتهم اليسارية “البراغماتية” من قبيل عبد الله إبراهيم وعبد الرحيم بوعبيد وعبد الرحمان اليوسفي وعلي يعتة.. بل ومنهم مَن عاش أغلب حياته في المنفى مثل اليوسفي.. أما “ابراهام السرفاتي” و”إدريس بنزكري” وأحمد حرزني”.. وغيرهم من قادة اليسار الراديكالي فطُوردوا واعتُقلوا وزُج بهم في السجون لمدد طويلة من حياتهم.
انتهى الأمر بعبد الرحمن اليوسفي وزيرا أول لحكومة سُميت ب”حكومة التناوب” بعدما “حلف على المصحف” أمام الحسن الثاني، حول تدبير انتقال “سلس” للحكم من هذا الأخير لابنه.
وكان في ذلك أقصى ما بلغه “اليسار الإصلاحي” بالتعبير الانتقادي في أدبيات اليسار الراديكالي.
أما اليساريون الراديكاليون فظلوا في السجون يُراكمون نضالات الأمعاء الخاوية ليحققوا مطالب حقوقية كسجناء سياسيين وترك بعضهم حياتهم ثمنا في سبيل ذلك (الشهيدة سعيدة المنبهي) أو هلكوا تحت التعذيب (الشهيد عبد اللطيف زروال، رحال جبيهة..)..
كان الحسن الثاني قد أرسى مؤسساته الحكومية والبرلمانية والأمنية والعسكرية.. ثم تفرغ لمناورة خصومه السياسيين، لعب على تناقضات حزبي الاستقلال والاتحاد الوطني للقوات الشعبية (الاتحاد الاشتراكي بعد المؤتمر الاستثنائي سنة 1975) واستخدم كليهما على التوالي في “تطعيم” فسيفسائه الحكومية حتى آخر حكومة في عهده سلم وزارتها الأولى لغريمه ثم حليفه عبد الرحمان اليوسفي.
في خلفية هذه الصورة كانت قناعات قادة اليسار الراديكالي تتآكل بين جدران السجن المشبعة بالرطوبة، وحين اشتدت الانتقادات على الجانب الحقوقي في المغرب بالخارج (صدور كتاب صديقنا الملك لجيل بيرو والكشف عن وجود المعتقل السري تازمامارت..) أوائل تسعينيات القرن الماضي، اقتنع الحسن الثاني بضرورة إيجاد حل لملف المعتقلين السياسيين اليساريين، فكانت “التخريجة” المتمثلة في “إقناع” بعضهم بتدبيج رسائل بملتمسات عفو، وتعبير آخرين عن رغبة في الانتساب إلى أحزاب يسارية كانوا ينعتونها ب”الإصلاحية” بينما رفضت قلة هذه “التخريجة” وظلت تنتظر بضع سنين لتخرج من السجن في إطار آخر مرحلة من العفو العام عن السجناء السياسيين اليساريين منتصف عقد التسعينيات من القرن الماضي.
تم العفو عن الأشخاص اليساريين لا عن الفكرة اليسارية، لذلك كان حتميا أن يتفرق رفاق الأمس شذر مذر، وكان سهلا “رصُّهم” في خانات مُرتبة سلفا، منهم مَن التحق مباشرة بخدمة الدولة وفق الحاجة إليه في الأحزاب والإدارات… بينما تشبثت قلة ضمن ما يمكن أن نسميه ب”كرامة الفكرة اليسارية” أنتجت في أحسن حالاتها تنظيما يساريا نحا أكثر للإخلاص للفكرة اليسارية الأم، ونعني به حزب النهج الديموقراطي.
في حين اختار البعض الآخر أن يناضل من الواجهة الحقوقية ضمن إطار المنتدى المغربي للحقيقة والإنصاف. وبما أن الانعكاسات الاجتماعية والحقوقية كانت المطلب الأساس، وذلك في غياب اعتراف رسمي واعتذار الدولة بخصوص الانتهاكات الجسيمة المُرتكبة في حق يساريي السبعينيات والثمانينيات.. ومتابعة المسؤولين وطي الصفحة بشكل صحيح، وبالتالي عدم وجود تغطية سياسية وحقوقية.
في خضم هذه الأرضية الهشة اشتغل سماسرة ما سُمي ب”العهد الجديد” فكانت فكرة “الإنصاف والمصالحة” وأساسها التعويضات المادية لضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان من المال العام. وتم طي الصفحة على النحو الذي نعرف.
ضمن هذه الأجواء أذكر أنني حضرتُ ندوة نُظمت في قاعة “فيليب جيرار” بمقر المعهد الثقافي الفرنسي بالرباط حضرها إطار يساري حقوقي من الأرجنتين عبَّر أمام يساريين-حقوقيين مغاربة أذكر منهم الراحل إدريس بنزكري وصلاح الوديع وآخرين ..عبَّر عن دهشته من هزالة المكتسبات التي تحققت لليسار الراديكالي بالمغرب مُقابل التضحيات الجسيمة التي أداها من أرواح شهدائه وعقود التعذيب والسجون والنفي والتشريد.. فلم يتلقّ جوابا لأن دهشته كانت أبلغ من كل رد.
قادة اليسار الراديكالي اليوم هم سفراء ومدراء مؤسسات الدولة وبرلمانيون وقادة حزبيون.. يلبسون الجلابيب البيضاء والشاشيات الحمراء في المناسبات الرسمية.. لقد أصبحت قناعات “المطرقة والمنجل” أشياء من الماضي السحيق.
أما التنظيمات التي اصطفت على يسار “اليسار الإصلاحي” فغدت مع مرور الوقت مجرد “تيليبوتيكات” لديها “مناضلين” فتحوا أعينهم على مظاهر الامتيازات التي تخولها المشاركة في “الولائم” الانتخابية وباتت أقصى أمانيها -التنظيمات- أن يتم “تقصير العتبة” أكثر فأكثر حتى تناسب خطواتها المتدرجة في حلبة يهيمن عليها قطبان جديدان، أحدهما ذي مرجعية دينية، ورث فجأة قاعدة انتخابية من اليسار الانتخابي التقليدي (الاتحاد الاشتراكي) وتمرَّس في “الخدمة” بما جعله يصل، فجأة أيضا، إلى رئاسة الحكومة، والقطب الآخر تنظيم صُنع في الربع ساعة الأخير، بالإعتماد على الكرم اللوجيستيكي للدولة، واستثمار هشاشات القاعدة الإنتخابية التي “أطّرتها” وزارة الداخلية وأعيان المخزن طويلا، وذلك لفرملة عملية الاكتساح التي يشنها الأول.
لا حاجة للقول أن فكرة اليسار الراديكالي المغربي انتهت، هي اليوم جثة مُسجّاة تنتظر مُواراتها الثرى فلا تجد مَن يفعل.