الرئيس يستحق السقوط لكن منطق القوة يذبح الشرعية الدولية

 بقلم: بوشعيب حمراوي

 بقلم: بوشعيب حمراوي

ما الذي يعنيه ـ رمزيًا وسياسيًا ـ أن يُختطف رئيس دولة من وسط شعبه، وفي قلب نظامه، وبأسلوب يَكسر كل القواعد المتعارف عليها في العلاقات الدولية؟. وما الرسائل التي يبعث بها دونالد ترامب إلى الشعب الفنزويلي وإلى العالم، باختطاف الرئيس (نيكولاس مادورو) خارج أي مسار قانوني أو أممي واضح؟

هذه ليست أسئلة تقنية بقدر ما هي أسئلة أخلاقية وسياسية تمس جوهر النظام الدولي، وتكشف حجم الانزلاق من منطق القانون إلى منطق الغلبة والقوة.

ترامب  يوجه رسالة إلى الشعب الفنزويلي مفادها أنه : لا حصانة لمن يحكم إذا خرج عن الطاعة الدولية، ولا وزن لإرادة وسمعة وشرف شعب إن تعارضت مع مصالح القوى الكبرى.

سواء اختلفنا أو اتفقنا مع مادورو، فإن اختزاله في “هدف” يُنتزع من محيطه، دون محاكمة وطنية أو مسار دولي شفاف، يُرسّخ في الوعي الجمعي أن السيادة لم تعد تحمي أحدًا، وأن الشعوب قد تُعاقَب مرتين ( مرة بحاكم فاسد أو مستبد، ومرة بقوة خارجية تتجاوزها باسم  الإنقاذ).

رسالة ترامب هي كذلك  إلى كل العالم… مفادها التأكيد على (من يحكم ومن يُحاسِب؟). يقول للعالم إن القوة تعلو على القانون، وإن الديمقراطية لم تعد مرجعية ملزمة بقدر ما هي أداة انتقائية. فكيف يُطالَب العالم باحترام الشرعية الدولية، بينما تُنتهك أبسط قواعدها؟. وكيف يُبرَّر “توقيف” رئيس دولة دون قرار قضائي دولي، أو تفويض أممي، أو حتى مسار تسليم قانوني واضح؟.

هنا تتعرّى ازدواجية المعايير يا سادة ويا سيدات، ويتأكد أن الديمقراطية تُستعمل حين تخدم المصالح، وتُركن حين تُربكها. أين المشروعية… وهل الغاية تُبرِّر الوسيلة؟

قد يقول قائل: “المختطَف يستحق ما جرى له. ولنكن واضحين (مادورو) متهم بالإفساد، وقمع المعارضين، والإضرار بشعبه، وبتهديد الاستقرار الإقليمي.سياساته ألحقت أذى بدول بعيدة جغرافيًا، عبر الهجرة، والجريمة المنظمة، وتصدير الأزمات. بل التدخل في سيادة وأمن واستقرار دول ، مثل المغرب  مثلا. من هذه الزاوية، المحاسبة واجبة، بل ضرورة أخلاقية وإنسانية. لكن السؤال الجوهري: كيف؟ وبإسم من؟ وتحت أي سلطة؟

إن محاسبة الفاسدين لا تكون باعتماد طرق تُفسد أكثر مما تُصلح، ولا بهدم ما تبقى من قواعد مشتركة تحفظ الحد الأدنى من التوازن الدولي

هل يمكن التحدث عن الديمقراطية هنا… وهي مذبوحة أصلًا في مهدها

ليس جديدًا القول إن الديمقراطية تُذبح كل يوم، لكن ليس فقط في الدول الضعيفة. إنها تُذبح أيضًا داخل مجلس الأمن الدولي، حيث تتحكم خمس دول في مصير العالم عبر “حق” اسمه الفيتو . حق يُجهض القرارات،

ويشل العدالة الدولية، ويحوّل الشرعية إلى امتياز للقوة.

فكيف نستنكر خرق القانون خارج الأمم المتحدة، ونحن نقبل يوميًا خنقه داخلها؟

إن خطأ مادورو لا يُبرِّر خطأ ترامب نعم، مادورو يتحمّل مسؤولية ما آل إليه وضع بلاده.ونعم، لا تعاطف مع من يفسد في الأرض ويجعل شعبه رهينة.

لكن في المقابل، الطريقة الخاطئة لا تُنتج عدالة، بل فوضى مُشرعَنة

إن تحويل “المحاسبة” إلى عملية خطف سياسي . يُسقط القيم التي يُفترض الدفاع عنها، ويمنح المستبدين الآخرين ذريعة لمزيد من القمع، ويُقنع الشعوب بأن القانون الدولي مجرد شعار بلا روح

ما بين مادورو وترامب، لا رابح أخلاقيًا. الأول أفسد فاستحق المحاسبة،

والثاني تجاوز القانون فأساء إلى الفكرة التي يدّعي حمايتها. لأن العدالة لا تُبنى بالاختطاف، والديمقراطية لا تُصدَّر بالقوة، والعالم لن يستقر ما دام القانون يُطبَّق على الضعفاء فقط.

إن كان لا بد من إسقاط الطغاة، فليكن ذلك باسم الشعوب، وبأدوات شرعية، لا بمنطق الغلبة الذي لا يُنتج إلا طغيانًا جديدًا.

لا جدال اليوم في أن فنزويلا عاشت، وما تزال، واحدة من أقسى الأزمات الاجتماعية والاقتصادية في تاريخها الحديث.

أزمة لم تكن أرقامًا في تقارير دولية فقط، بل معاناة يومية عاشها المواطن الفنزويلي في الخبز والدواء والكرامة والهجرة القسرية.

عانى من تضخم مفرط أفقد العملة قيمتها ، و من نقص حاد في الغذاء والدواء، ومن انهيار الخدمات الأساسية ، ومن هجرة ملايين المواطنين بحثًا عن الحياة.هذه الوقائع وثقتها منظمات دولية، وأكدتها صور النزوح الجماعي، والاحتجاجات المتكررة في شوارع كاراكاس وغيرها

وعجز الشعب الفنزويلي عن التصدي للنظام والتخلص منه. العجز لم يكن عجز إرادة، بل عجز ميزان قوى. خرج الشعب واحتج وصرخ، لكن النظام كان متماسكًا أمنيًا وعسكريًا. والمعارضة كانت منقسمة. و مؤسسات الدولة لم تنحز للحراك الشعبي. اشتكى الشعب الفنزويلي للأمم المتحدة  و الولايات المتحدة، عبر آليات حقوق الإنسان، و منظمات دولية مستقلة وثّقت الانتهاكات

لكن الشكوى لا تعني تفويضًا بالخطف، و التوثيق لا يعني الترخيص بالقوة. والاستغاثة لا تعني التنازل عن السيادة.

جزء واسع من الشعب طالب برحيل الرئيس ، بمحاسبة المسؤولين عن الانهيار، وبإصلاح سياسي عميق .

لكن الأهم هو أن الشعب الفنزويلي، حتى في غضبه، لم  ولن يطالب بمحاكمة أجنبية لرئيسه. بل كان يأمل أن يبقى المطلب أخلاقي وسيادي. وأن تكون  محاسبة داخلية وطنية، بقضاء فنزويلي.لأن الشعوب قد ترفض حكامها، لكنها نادرًا ما تقبل أن يُحاسَبوا خارج إرادتها.

وحتى إن  كان الرئيس مطلوبًا دوليًا، وإن كان ملاحقًا قضائيًا في الولايات المتحدة، متهمًا بملفات ثقيلة (فساد، ترويج المخدرات، الاتجار في الأسلحة انتهاكات جسيمة ..). فالولايات المتحدة الأمريكية ليست حكما دوليا. وأحكامها لا تُعادل قرارًا صادرًا عن محكمة دولية مختصة. ولا يمكن أن تبرر بها تجاوزات القواعد السيادية والحريات العامة وحقوق الإنسان المنصوص عليها دوليا.

مادورو يستحق المحاسبة، لكن من طرف شعبه ومن طرف مجلس الأمن (القبة الأممية التي تذبح داخلها الديمقراطية)، لا يمكن ولا يعقل ولا يقبل أن يتم اختطاف رئيس دولة من بيته، مع زوجته، ومن قلب بلده. إنها إهانة  لرمزية الدولة ولكل أنظمة العالم،  قبل أن تكون إهانة للمختطف، وهي إذلال لكل الدول قبل أن تكون  إذلالا لشعب أو  لشخص واحد..

هي إذن سابقة خطيرة تُحوّل السياسة الدولية إلى ساحة خطف. فعندما تبدأ  العدالة بالإذلال، فستنتهي بالفوضى. وستؤثث لطرق ومسارات أخرى لا علاقة لها بالعدالة والإنصاف.

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد