مشاريع جمعيات سكنية كالسراب الذي يحسبه الظمآن ماء :  جمعية إيكوسكان  بالهرهورة نموذجا.

بقلم الدكتور خالد علمي 

 

خلال السنوات الأخيرة  أصبح الرأي العام الوطني يهتز بشكل مستمر على وقع فضائح الجمعيات والوداديات السكنية في العديد من العمالات والجهات الترابية للمملكة المغربية، وذلك على إثر تسجيل عمليات نهب أموال ضخمة تقدر بالملايير أبطالها رؤساء ومكاتب جمعيات ووداديات سكنية نصبوا على مواطنين أبرياء، كثير منهم افراد من الجالية المغربية بالخارج وأطر في أسلاك القطاعات العمومية المختلفة ومهنيون وخواص، سعوا إلى امتلاك شقق أوبقع سكنية بأثمنة تفضيلية نسبيا يوفرها نظام الوداديات والجمعيات السكنية، فوقعوا فريسة سهلة في شباك مافيات قامت بالسطو على أموالهم ووأد آمالهم في الثراب إما بشكل مباشر ، كما وقع بالنسبة لجمعية إيكوسكن بالهرهورة والتي صدر مؤخرا حكم قضائي ابتدائي في حق كل من رئيسها بأربع سنوات سجنا وامينة مالها بسنتين سجنا  مع إرجاع المبالغ المدفوعة من طرف الضحايا، أو عبر التدرع بمبررات متنوعة يغطون بها جرائمهم واستنزافهم لودائع المنخرطين كالتعقيدات المسطرية وأزمة السيولة وتعثر الدراسات وتراجع المقاولات وارتفاع كلفة الإنجاز عن المتوقع….

 

ويمكن تقسيم مشاريع الجمعيات السكنية حسب إنجازاتها إلى ثلاثة أصناف : 1- مشاربع ناجحة بمعنى أنها انتهت بتسليم منتوجها السكني إلى المنخرطين بالجمعية حسب الأهداف المسطرة، بغض النظر عن تفاصيل الأساليب والطرق المتبعة من طرف مسيري المشاريع أو مكتب الجمعية. 2- مشاريع متعثرة لم تستطع توفير منتوج سكني مكتمل للمنخرطين، وذلك إما بسبب عدم توفر الكفاءة اللازمة وهو ما يؤدي إلى سوء التدبير ، أو بسبب الاختلاس المالي المرتبط  بمسيري المشاريع أو مكتب الجمعية، 3- مشاريع وهمية لم تكن هناك من الأصل نية لإنجازها لدى مسيري المشاريع أو مكتب الجمعية، بحيث كان الهدف المبيت هو النصب والاحتيال على المنخرطين من خلال تأسيس هذه الجمعية. ويمكن تصنيف جمعية إيكوسكان بالهرهورة في هذا الصنف الأخير.

 

 مبدئيا تعتبر الجمعيات والوداديات السكنية إحدى الأساليب المتبعة لتوفير السكن، إلى جانب القطاع العام والخاص، قصد التخفيف من الأزمة السكنية التي تعرفها البلاد، والناتجة عن تزايد الطلب  على السكن ونفاذ الوعاء العقاري داخل الحواضر خاصة الملك الخاص منه، والصعوبات التي تطرحها باقي الأملاك العقارية الأخرى. وفي هذا الإطار لم تتوقف الحكومة المغربية عن التأكيد على الدور الرئيسي للجمعيات والتعاونيات والوداديات السكنية في إيجاد سكن لائق للمواطنين بتكلفة منخفضة  مع تشجيع روح التعاون والتضامن في المجتمع. وتجدر الإشارة إلى أن المغرب كان قد عرف أسلوب التعاون السكني خلال القرن  الماضي، ومع حصول المغرب على الاستقلال صدر ظهير 15 نونبر 1958 المتعلق بتنظيم حق تأسيس الجمعيات، تم تعديل بعض فصوله فيما بعد، والذي يمكن في إطاره تأسيس ما يسمى بالجمعيات أو الوداديات السكنية. وقد جاء فيما بعد القانون 112.12 المتعلق بالتعاونيات بشكل عام، والسكنية على الخصوص، لتجاوز العديد من النواقص التي تطبع ظهير 1958 ، وبرؤية جديدة يحاول وضع حد للمشاكل القائمة والتعاطي مع انشغالات كافة الفاعلين في القطاع التعاوني

إن الجمعيات والوداديات والتعاونيات السكنية عموما هي مؤسسات ذات شخصية معنوية تتمتع بشخصية قانونية كاملة، وبالتالي فهي تتمتع باستقلاليتها في تسيير نفسها بنفسها. فهي تدار وفق القيم والمبادئ الأساسية للتعاون المتعارف عليها ولاسيما تلك المتمثلة في :

1- العضوية الاختيارية المفتوحة للجميع،

2- الإدارة الديمقراطية،

3- المساهمة الاقتصادية للأعضاء المنخرطين،

4– التحسيس والتكوين وتقاسم المعلومة، وذلك بغية بلوغ الأهداف المنشودة

ومن أجل ضمان سير هذه المؤسسات السكنية التعاونية وفق القانون من جهة، ووضع صمام أمان لهذا المجال الحيوي من جهة أخرى، فإنه كان لزاماً على الدولة مراقبتها من مرحلة التأسيس إلى مرحلة العمل، مراقبة شاملة، إداريا وقانونيا وماليا. وإذا كان القانون المتعلق بهذه المؤسسات السكنية التعاونية ينص على أنها تدبر أمورها وتسير شؤونها بنفسها، فإنه لا ينبغي أخذ مبدأ الاستقلالية هذا على إطلاقه، لأنها تستفيد بلا ريب من المساعدات والامتيازات المقدمة من طرف الدولة. وبالتالي فإن الدولة مجبرة ان تبسط أجنحة مراقبتها عليها تنظيميا وقانونيا وماليا.

إن الغاية من هذه المراقبة هو أن تدار هذه المؤسسات التعاونية وفق ما يقضي به القانون لأن في ذلك ضماناً لحسن سيرها ومؤشراً على نجاحها في بلوغ أهدافها المسطرة مسبقاً في نظامها الأساسي. من جهة، ونجاح الأسلوب التعاوني التضامني من جهة اخرى

ومن صور هذه المراقبة : 1- التأكد من انعقاد الجموع العامة بصفة منتظمة وقانونية ومحترمة للشكليات التنظبمية في الاستدعاءات والآجال والوثائق والنصاب القانوني ونقط جدول الأعمال، 2- مسك السجلات والوثائق الإدارية ومحاضر الاجتماعات، 3- مسك الحسابات المالية بطريقة قانونية ومهنية.

وهنا لا بد من الإشارة إلى مسألة أساسية و مهمة في هذا الصدد، وهي أن المشرع المغربي، لا في ظل القانون المنظم للجمعيات ولا في ظل القانون المنظم  للتعاونيات، لم يكن واضحا بخصوص المراقبة المالية التي تمارسها الدولة

وفي هذا الشأن ونظرا للتشابه – إلى حد ما – ما بين طريقة اشتغال الشركات وطريقة اشتغال التعاونيات، والاختلاف الكبير بالنسبة للجمعيات والوداديات، فإن التتبع المالي لهذه الأخيرة يطرح العديد من العراقيل والتعقيدات، والأمر يكون مأساويا في حالة الجمعيات والوداديات السكتية التي أصبحت الآن  تدبر أرقاما مالية تعد بالملايير. وقد  جاء قانون موازنة 2018  بمقاربة في هذا الشأن حددت من خلالها بعض الشروط التنظيمية للقطاع من سبيل تنظيم مساحة السكن للفرد، وحصر الاستفادة في مرة واحدة ،وجعل فرض الضريبة مرتبطا بالقانون المنظم الذي يضع الوداديات والجمعيات السكنية في خانة الجمعيات التي لا تهدف للربح حتى يثبت العكس عبر آلية النظام المحاسباتي المعمول به

 إذا كان القانون يتحدث عن التعاونيات ويخصص لها قانونا خاصا بها، وهو القانون 112.12، حيث يتحدث عن تشكيلها وتسييرها وشروط الانخراط فيها وكيفية عقد جموعها وحصص الاكتتاب في رأسمالها وكيف أنها في عداد الشركات، خاصة مع وجوب ضبط ملفها المحاسباتي وكذلك الشأن بالنسبة لقانون الشركات، فإن الأشخاص الذين لا تتوفر فيهم شروط تأسيس الشركات او التعاونيات من ناحية الكفاءة والقدرة وحتى النزاهة في بعض الأحيان باتوا يتوجهون صوب تاسيس جمعيات تعتمد في تسييرها على قوانين أساسية وداخلية تعلو فيها المنفعة الشخصية على حساب مصالح المنخرطين بدون مراعاة ركائز العمل الجمعوي.

وقد كانت جمعية إيكوسكان السكنية بالهرهورة التي أسست سنة 2013 نموذجا لهذا الواقع الملتبس. فرئيس هذه الجمعية الذي أدين من طرف المحكمة الابتدائية بتمارة بجريمة النصب وخيانة الأمانة، كان قد أسس شركة عقارية سنة 2010  بالاسم نفسه EcoSakan – sarl  رقم السجل التجاري 81145 RC. لكنه عندما  تببن له ان الشركة لن تكون الإطار الذي سيحقق له أهدافه الإجرامية، قرر القفز إلى المجال الجمعوي سنة 2013، ولم يقم آنذاك بتأسيس تعاونية بل اختار جمعية لأنه رأى في قانون الجمعيات – وليس الشركات ولا التعاونيات – مجالا خصبا  لتنفيذ مخططاته الإجرامية في حق المواطنين الأبرياء. ولأن المراقبة منعدمة، سواء من طرف الإدارة العمومية او من طرف المنخرطين الذين تم اختيارهم بعناية، بشكل يضمن له هامشا كبيرا من الحرية في عملية النصب، من جهة تباعد هؤلاء جغرافيا وعدم تواصلهم فيما بينهم وكذا انشغالهم  مع انضباطهم في الأداءات المالية وعدم اطلاعهم على القانون ومساطره . دون ان ننسى شعار الإيكولوجيا الجذاب على مبدأ (زوق تبيع)، فصاحبنا كان قد لبس ثوب المدافعين عن البيئة.   وقد استفاد  ايضا  من الضبابية والخلط الموجود عند عموم الناس بين ماهية كل من الشركة والتعاونية والجمعية في مجال العقار. فأدخل الجمعية في مشاريع وهمية، و بدون علم المنخرطبن، كان الهدف منها اساسا التلاعب والمضاربة بأموال المنخرطين ولم تكن له أي نية في إنجاز اي مشروع منها. واستعمل الحسابات البنكية المتعددة للجمعية( اكثر من 8 حسابات) والحسابات البنكية لشركاته التسعة التي يشترك في البعض منها مع امينة المال المدانة معه وعضو آخر من المكتب المسير، وكذلك حساباته الشخصية، في عملية معقدة لإخفاء مدخرات المنخرطين التي وصلت إلى 5 مليار سنتيم. وفي ظل هذه الشبكة من التعقيدات التي استعملها والتي أفضت إلى اختفاء أموال المنخرطين، وعدم وجود أية عملية تتبع ومراقبة لما يجري، منذ تأسيس الجمعية، من طرف أجهزة الدولة، وكذلك في ظل محدودية العقوبة المنصوص عليها في القانون في مثل هذه القضايا التي يتم تكييفها عموما في إطار جنحة النصب وخيانة الأمانة،  نكون أمام فضيحة اخرى تنضاف إلى مسلسل الفضائح المماثلة نتجت عنها كوارث اجتماعية على مستوى أسر الضحايا المقدرين ب 130 ضحية

 ولعل هذا الوضع الملتبس يتحمل حصة الأسد فيه المسؤولون الذين أوكل لهم المشرع مهام تسلم ملفات تأسيس تلك المؤسسات، وتسليمها وصل التصريح المؤقت والنهائي، إذ كان لزاما على هؤلاء ، وعند تسلمهم ملفات تلك الكيانات، أن يدرسوا قوانينها الأساسية، ثم يوجهوا ملاحظاتهم لرؤسائها، حول ما إذا كان هناك انحراف عن القانون الذي تنتمي إليه الجمعية أو التعاونية أو الودادية، ومسؤولية المراقبة الترابية للمنطقة، ثم مسؤولية المصالح المكلفة بتسليم رخص الإشهار للتصاميم والمشاريع.

 وخلاصة القول 

 إن هذا الصنف من الجرائم المرتبطة بالمشاريع السكنية التعاونية يستهدف المصالح الوطنية وخاصة الاقتصادية منها، و تنجم عنه كوارث أجتماعية جمة،  ويسيء إلى حد كبير  إلى سمعة البلاد. ولهذا سيكون من الضروري الحزم في التعامل معه عن طريق مأسسة آليات مراقبة الجمعيات السكنية ومراجعة القوانين التي تؤطرها، وتشديد العقوبات عند الميل بها عن أهدافها ومقاصدها.

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد