بقلم :الكاتب الإعلامي يونس إمغران
— فرضت جائحة كورونا على العالم بأسره نظاما سياسيا واجتماعيا يكاد يكون واحدا من حيث نمطه وضوابطه وإجراءاته. وفي هذا السياق مُنعت التجمعات العادية والعفوية، وقُيِّدت الحركة سواء حركة الراجلين أو حركة السير، وغاب رجال السياسة والحكومات عن التواجد بالفضاءات العمومية أمام الصحفيين، كما أغلقت المحاكم أبوابها وزادت من معاناة المحكومين وغير المحكومين ممن هم في حالة التحقيق والاعتقال الاحتياطي، وتوقفت البرلمانات عن الانعقاد إلا في حدود ضيقة يحضر فيها أفراد قليلون بجلساتها العامة ولجانها الدائمة مع اختلال واضح لمنطق الأغلبية والمعارضة، مما أوحى للجميع بأن لعبة صناديق الاقتراع لم تكن سوى خدعة سمجة وكاميرا خفية. كما أن فرض الحجر الصحي بالإكراه على الأفراد والجماعات دون تمييز أثبت على أن الديكتاتورية قد فازت بالسباق في حلبة المنافسة ضد باقي الأنطمة والأيديولوجيات والمذاهب السياسية المحافظة والشمولية والديموقراطية والراشدة. خاصة وأن الشوارع امتلأت بالآليات العسكرية وأعداد كبيرة من مختلف أنواع رجال الأمن والشرطة.
ورغم أن كثيرا من الخبراء والمحللين السياسيين حذروا من وقوع ردة عميقة ببنية حقوق الإنسان والحريات العامة نتيجة تغوّل الخطاب التبريري المبني على أن كورونا هي الغَالبة اليوم، والمُتحكِّمة في الوضع، والمُقتَرِحة لِما ينبغي الأخذ به من إجراءات وقرارات، إلا أن الجميع لم يعر لهذا التحذير أهمية تذكر، بل صفَّق، وبارتياح واضح، لكل الإجراءات التي تمخضت من رحم فيروس كورونا الذي مازال نَشِطاً، ويجتهد ملء قدرته وطاقته الغريبة في حصد الأرواح، وفي استنزاف الإمكانات المالية والمادية والطبية والأمنية للشعوب والدول، وفي عرقلة مشاريع الاقتصاد والتنمية.
لكن هذه الشعوب صفَّقت لهذه الإجراءات التي ضَيَّقت الأرض بما رحبت، واعتبرتها بغياً سياسيا مشروعا يمكن التعايش معه إلى حين، بشروط واضحة ولا تقبل أي تأويل أو تعسف في القراءة، وهي أن تسعى هذه الإجراءات إلى حماية النفس البشرية ومنعها من أن تلقي بنفسها إلى التهلكة، وأن تكون مناسبة وملائمة لواقع الحال، وأن لا تستغرق وقتا طويلا، أي أن تكون مؤقتة وتُرفع فوراً وبمجرد انتفاء الأسباب التي استدعتها وفرضتها.
غير أن هذا البغي السياسي المشروع، تحوَّل عند الحكومات المستبدة، ومنها حكومة العثماني، إلى غباء مذموم، حيث حاولت استثماره في قهر المواطن، والإجهاز على مكتسباته في الكرامة والعدالة والحرية، إلى درجة بات معها هذا المواطن مهددا في مصادرة كل الأشواط التي بذلها في بناء مجتمعه المدني ودولته التي كانت تزحف بخطى وئيدة نحو الانتماء إلى الكيانات المؤمنة بالقانون والحق.
ومن غباء حكومة العثماني (التي تشكلها أحزاب العدالة والتنمية والتجمع الوطني للأحرار، والحركة الشعبية والاتحاد الاشتراكي والاتحاد الدستوري) أنها أغلقت المحلات التجارية والمعيشية، وحظرت الحركة بالشوارع والأحياء قبل أن تفكر في صياغة الحلول الاجتماعية الناجعة، ولو في حدها الأدنى، للأسر المغربية الهشة التي تتجاوز خمسة ملايين أسرة. ثم فرضت الكمامة على المواطنين تحت طائلة الزجر والعقاب قبل أن توفرها بالمحلات التجارية القليلة التي ظلت مفتوحة لزمن قصير. بل إن من غباء هذه الحكومة أنها شرعت في اعتقال الناس قبل توفير الكمامة.
ولكن الأقبح في غباء هذه الحكومة، هي محاولتها استغلال الوضعية الوبائية بالبلاد لتمرير مشروع قانون يصادر حريات التعبير والرأي والنشر، وهو ما يعرف بمشروع قانون 22.20 الذي يسلب حرية المواطن / المستهلك بالحبس والسجن والغرامة إذا دعا إلى مقاطعة منتوج تجاري غذائي أو صيدلاني يغتصب جيبه، أو يهدد حياته الصحية والاجتماعية، أو يسمح له بالتطبيع مع المنتوجات الصهيونية الإرهابية. علما أن الأسواق المغربية تشهد منذ وقت طويل تواجد سلع صهيونية، وأدوية فرنسية مسرطنة، فضلا عن منتوجات مغربية رديئة لا تستجيب لمعايير الصحة والسلامة، وأخرى بترولية ونسيجية تباع بأثمنة مسعورة لا تأبه للقدرات الشرائية للمواطن المغربي ولا تلقي لها بالا.
فماذا تريد منَّا هذه الحكومة الباغية الغبية؟ إنها تختار الوقت الغلط لتمرير قرارات سيئة، وتجازي الذين صوتوا عليها بالتضييق وتقليص مساحة الحريات العامة التي هي أصلا مازالت مقيدة وعديمة الفعالية، وتعمل – أي الحكومة – بوعي منها غير وطني، من أجل تمكين اللوبيات الاقتصادية المتوحشة من ضرب جيوب المغاربة وحمل البلاد إلى مستقبل مجهول.
إن الحقيقة الوحيدة، في ظل استمرار سيادة زمن وباء كورونا، هي أننا في حالة حرب. وأن الحكومة المغربية تشكل خطرا فعليا على البلاد بإجراءاتها وقراراتها وتشريعاتها المناهضة لحقوق الإنسان، والمصادرة للحريات العامة، وتهدد بالتالي حالات التضامن والتآزر والاستقرار التي عبَّر عنها المغاربة منذ حلول كورونا بين ظهرانيهم. وإن أخوف ما نخافه هو أن تتمكن الحكومة الغبية من تحويل أزمة كورونا إلى أزمة سياسية حقوقية داخليا وخارجيا، وأن تعيد البلاد إلى ستين سنة مضت بخيباتها وجراحاتها وآلامها وفقرها واستبدادها.
بيد أننا نعلم جيدا أن المغاربة شعب قد يقبل بتقييد حريته بدعوى تحقيق السلامة، وتنزيل أسباب الصحة والعافية على مرافق حياته العمومية، وقد يقبل بالظروف الاستثنائية التي تؤدي إلى احتكار سلطة التدبير خارج منطق العدالة، وتعليق القانون إلى إشعار آخر، لكنه لن يقبل أبدا أن يطول هذا الأمر بعد ذهاب جائحة كورونا، أو أن تصاغ قوانين شاذة ومطبوعة بالشطط والتهور لتدجينه وإكراهه على العبودية، ولا أن يصبح الوضع الاستثنائي قاعدة دائمة تُمنع من خلالها الحركة والتجمع والانتقال والتقارب الاجتماعي.
أيها المغاربة الأحرار: قاطعوا هذه الحكومة، بجميع أحزابها، لأنها تضعنا في حالة حرب، وتريد أن تضع البلاد على طريق مسدود.