بقلم:الطيب أديب كاتب مصري
(وقعت مجاعة في العصر الفاطمي في عهد الخليفة المستنصر خامس خلفاء الدولة الفاطمية.
*سبب المجاعة:
وسببها كما روى المؤرخ “تقي الدين المقريزي” في كتابه “إغاثة الأمة بكشف الغمة” فقال: “الغلاء الذي فحش أمره وضعف السلطنة، واختلال أحوال المملكة، واستيلاء الأمراء على الدَّولة، واتِّصال الفتن بين العربان، وقصور النِّيل”يقصد قلة مياه النيل”، وعدم من يزرع ما شمله الري”.!
*وصف المجاعة:
ووصفها المقريزي قائلا:”وقع في أيام المستنصر الغلاء الذي فحش أمره، وشنع ذكره، وكان أمده سبع سنين. وكان ابتداء ذلك في سنة سبع وخمسين وأربعمائة، حيث أكلت الكلاب والقطط ، فبيع الكلب ليؤكل بخمسة دنانير، وتزايد الحال حتى أكل الناس بعضهم بعضا. وتحرز الناس، فكانت طوائف تجلس بأعلى بيوتها ومعهم سلب وحبال فيها كلاليب(شناكل )، فإذا مر بهم أحد ألقوها عليه، ونشلوه في أسرع وقت وشرحوا لحمه وأكلوه”.
*بغلة وزير البلاد:
ومما رواه المؤرخ ابن إياس في كتابه “بدائع الزهور فى وقائع الأمور”:”أن وزير البلاد لم يكن يمتلك سوى بغل واحد يركبه، فعهد بالبغل إلى غلام ليحرسه، إلا أن الغلام من شدة جوعه كان ضعيفًا فلم يستطع أن يواجه اللصوص الذين سرقوا البغل، وعندما علم الوزير بسرقة بغله غضب غضبا شديدا، وتمكن من القبض على اللصوص، وقام بشنقهم على شجرة، وعندما استيقظ الصباح وجد عظام اللصوص فقط؛ لأن الناس من شدة جوعهم أكلوا لحومهم”.
*ادعو لمولانا المستنصر:
ومن عجائب هذه الشدة روى المقريزي هذه الحادثة فقال: ” إنَّ امرأة من أرباب البيوتات أخذت عقدًا لها قيمته ألف دينار، وعرضته على جماعة في أنْ يُعطوها به دقيقًا، وكلٌّ يعتذر إليها، ويدفعها عن نفسه، إلى أنْ رحمها بعضُ الناس وباعها به، وليس دقيق بمصر، وكانت تسكُن بالقاهرة، فلما أخذته أعطت بعضَه لمن يَحميه من النَّهَّابة في الطريق، فلما وصلت إلى باب زويله، تسلمته من الحماة له ومشت قليلاً به، فتكاثر الناس عليها وانتهبوه نهبًا، فأخذت هي أيضًا من الناس من الدقيق مِلْءَ يديها، لم يَنُبها غيره، ثم عجنته، وشوته، لما صار قرصة، أخذتها معها، وتوصلت إلى أحد أبواب القصر، ووقفت على مكان مُرتفع ورفعت القُرصة على يدها بحيث يراها الناس، ونادت بأعلى صوتها: “يا أهل القاهرة، ادعوا لمولانا المستنصر الذي أسْعَدَ اللهُ الناسَ بأيامه، وأعاد عليهم بركاتِ حُسْنِ نظره، حتَّى تقومت على هذه القرصة بألفي دينار”، فلما اتَّصل به ذلك، امتعض له وقدح فيه وحرك منه).