نجاة المغراوي رئيسة الهيئة الدولية للتحكيم والعلوم القانونية
تقديم:
نعيش الآن بما يسمى عصر المعلوميات، هذه الأخيرة التي أصبحت تشكل ظاهرة عالمية نتيجة التبادل الالكتروني للمعطيات مع سائل الدول1، وقد تولدت عن ثورة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات العديد من التطبيقات التي أثرت تأثيرا كبيرا في مجال النشاط الاجتماعي، الاقتصادي، والقانوني، الذي رافق ظهور التجارة الرقمية، والتعليم الالكتروني، والعدالة الرقمية، اي تسخير هذه الثورة الرقمية لخدمة هذه المرافق بشتى مجالاتها.
فإذا كان واقع شبكة الانترنت في بداية إطلاقها يعكس ميلاد مواقع النشر الالكتروني، التي تتضمن معلومات عامة وإعلامية، فإنه بفضل الخدمات الفعالة والمتنوعة التي أصبحت تقدمها اليوم، كالبريد الإلكتروني، والتجارة الالكترونية، إضافة إلى فض المنازعات عن بعد أدى إلى توسيع الرقعة التي تغطيها هذه الشبكة العنكبوتية.2
لقد صاحب الانتشار المتزايد في حجم التجارة الإلكترونية زيادة في معدل الخلافات الناتجة عنها، الأمر الذي استدعى البحث عن وسائل لتسوية منازعاتها بطريقة الكترونية تتماشى وطبيعة تلك المعاملات، من حيث السرعة، وكأنها تتم عبر شبكة الإنترنت، أي شبكة المعلومات العالمية.
واللجوء إلى القضاء ليس طريقا يسيرا لفض منازعات التجارة الإلكترونية، وليس التحكيم العادي طريقا سريعا بدرجة كافية، لذلك ظهر التحكيم الالكتروني، أو التحكيم على الخط “Arbitration on line/Cyber Arbitration” “التحكيم الشبكي”.
كما أن التحكيم امر استثنائي، فلا يجوز لطرفي العقد الإلكتروني التمسك به إلا باتفاق صريح بينهم على اللجوء الى أسلوب التحكيم التقليدي أو الإلكتروني بدلا من اللجوء إلى المحاكم العادية.
وحيث قد يكون بند التحكيم في صورة شرط في العقد الإلكتروني “شرط تحكيم”، كوسيلة لحل الخلافات المحتملة بين أطراف التعاقد، كما قد يكون بند التحكيم في صورة اتفاق لاحق “عقد/مشارطة تحكيم”.
وأيا كان شكل اتفاق التحكيم الإلكتروني، يجب أن تسبقه مفاوضات بين أطراف النزاع يتم فيها التفاوض على نقاط الخلاف الرئيسية، التي ستقوم المحكمة لمناقشتها، كما يتم الاتفاق كذلك على تشكيل الهيئة التحكيمية المختصة بالنظر في النزاع، وعدد المحكمين، دون إغفال القانون الواجب التطبيق، والزمن المحدد لإجراء التحكيم، ووسيلة الاتصال عبر الشبكات الالكترونية وتبادل المستندات عن طريق البريد الإلكتروني، أو الفاكس وغيرها.
كل هذه المبادئ تخضع لإرادة الأطراف، التي هي ضابط الإسناد في “قاعدة التنازع” المتعلقة بالعقود الدولية الإلكترونية، ووفق “هذا المبدأ” يتم إخضاع العقد الإلكتروني الدولي للقانون الذي اختاره الأطراف، سواء كان اختيار الاطراف للقانون الواجب التطبيق صريحا أو ضمنيا، أما في حالة غياب الإرادة الصريحة للأطراف، وتعذر الإفصاح عن نيتهم الضمنية، فإن القاضي/المحكم يطبق قانونه الوطن3
وعليه، نستعرض في هذه الورقة البحثية؛ ماهية التحكيم الالكتروني، والمراكز المتخصصة، وإجراءاته، ومشروعيته.
المطلب الأول: ظهور التحكيم الإلكتروني والمراكز المتخصصة فيه
الفقرة الأولى: ظهور التحكيم الإلكتروني
كما سبق، على أن “التحكيم الالكتروني” هو ذلك الاتفاق الذي يتعهد بمقتضاه الأطراف بأن يتم الفصل في النزاع الناشئ بينهم، أو المحتمل نشائه من خلال التحكيم، حيث يكون “هذا الاتفاق” دوليا، إذا كانت المنازعات تتعلق بمصالح التجارة الدولية، أي وجود معاملات اقتصادية تتطلب حركة او تبادل الأموال، أو الخدمات، أو الدفع عبر الحدود4
ويتم “اتفاق التحكيم الالكتروني” عبر وسائط الكترونية، وشبكة اتصالات، مثل: الانترنت لتسوية المنازعات، والخلافات، عبر هذه الشبكات، دون الحاجة إلى التواجد المادي، أو الشخصي لأطراف عملية التحكيم في مكان واحد.
لا يوجد في “نظام التحكيم الإلكتروني” مكان تحكيم حقيقي، بل يحدد هذا المكان بطريقة مجازية، او افتراضية لا يلتقي فيه الأطراف أو المحكمين، بل يتم ذلك على الخط عبر شبكات الاتصال الإلكتروني5 وهو ما يثير مشكلة المكان، والزمان اللذين يعتبر حكم التحكيم قد صدر فيهما، لذلك يلجأ أطراف التحكيم في مرحلة التفاوض إلى الاتفاق مسبقا على تحديد مكان وزمان صدور الحكم.
ويتم تقديم طلبات التحكيم، والوثائق، والمستندات، من خلال مذكرات ترسل عبر البريد الإلكتروني، وإذا رغب الأطراف في مناقشة بعض النقط، فإنه يتم اللقاء بينهم من خلال ما يسمى ب “غرف المخاطبة” والحوار عبر شبكة الانترنت “Chat-Room”، ويعقد في هذه الحالة اجتماع عن بعد “Vidéo conférence”، يبين جميع الأطراف المختصة يتناولون فيه الجوانب المتعلقة بموضوع النزاع6.
ومن الأمور التي تعيق تقدم التحكيم الالكتروني هو اختراق سرية عملية التحكيم من قبل القراصنة “Hackers” أو المخربين “Crackers، وهو ما يهدد ضمان سرية العملية التحكيمية .
وإزاء أهمية التحكيم الإلكتروني، اهتمت الدول والمنظمات بإصدار قوانين تتيح للأطراف اللجوء إليه عبر شبكة الإنترنت، فنجد مثلا: الاتحاد الأوربي نص في المادة 17 من التوجيه رقم 2000/31، والمسمى بتوجيه “التجارة الإلكترونية” على السماح للدول الأعضاء في حالة وجود نزاع بين مقدمي خدمة المعلومات والمتعاملين معهم بتسوية هذه الخلافات خارج المحاكم، وباستخدام الوسائل الإلكترونية .
الفقرة الثانية: ظهور المراكز المتخصصة في التحكيم الالكتروني
من بين المراكز التي اهتمت ب “التحكيم الالكتروني” هناك جمعية المحكمين الأمريكيين التي طورت نظام القاضي الافتراضي، ومحكمة التحكيم الإلكترونية التابعة للمنظمة العالمية لحماية حقوق الملكية الفكرية “WIPO”، حيث وضعت نظاما لتسوية منازعات اسماء الحقول، والمجالات، كما ابتكرت مراكز أخرى، مثل: “Square trade”، نظاما يعرف بالمفاوضات المباشرة، وهذا النظام يستخدم أسلوب الوساطة عبر الإنترنت، الذي يساعد على حل العديد من النزاعات، التي يتعذر توصل طرفي النزاع فيها لحل دون طرف ثالث يقوم بعملية الوساطة والتوفيق بينهما7
وفي فرنسا تم إنشاء هيئة تحكيم خاصة 1997 تعمل على تسوية المنازعات في المعاملات الالكترونية صغيرة او متوسطة القيمة.
واستجابة لحاجات التعامل عبر شبكة الإنترنت، قام مركز أبحاث القانون العام في كلية الحقوق بجامعة “مونتريال بكندا” بتطوير مشروع تجريبي، أعلن عنه رسميا 1998 بالبث في قضايا النزاع بواسطة الوساطة، والتحكيم، عبر وسائط الكترونية في تسوية المنازعات الناشئة عن المعاملات الالكترونية، أطلق عليها اصطلاحا محكمة التحكيم الإلكترونية، او المحكمة الفضائية، ومن المؤسسات غير الحكومية أيضا “مجمع لندن المعتمد للمحكمين” الذي تبنى بروتوكول استخدام تكنولوجيا المعلومات في إدارة عملية التحكيم الالكتروني.
ونظرا لطبيعة منازعات العقود الإلكترونية، وما تتطلبه من سرعة فقد دعت الحاجة إلى ضرورة البحث عن آلية أسرع يتم من خلالها اللجوء الى التحكيم8 وهو ما أدى إلى قيام بعض المراكز باللجوء إلى ه اسلوب الالكتروني المعجل الذي ظهر العمل به 1998، ووفق هذا النظام يقوم المحكم بالنقر على مفتاح: Create a case أثناء النموذج المعد سلفا من قبل المركز، وإرساله له بالبريد الإلكتروني، حيث يقوم المركز بإخطار المحتكم ضده، وإعداد صفحة للنزاع على موقع شبكة الإنترنت، ويزود كل طرف بكلمة مرور Password ليتمكن من دخول الموقع وعرض النزاع، وفي هذا النظام تتكون هيئة التحكيم من محكم فرد وتنتهي القضية خلال شهر واحد من بدء الإجراءات9.
المطلب الثاني: إجراءات التحكيم الإلكتروني ومدى مشروعيتها
الفقرة الأولى: إجراءات التحكيم الإلكتروني
عند نشوء النزاع بين أطراف اتفاق التحكيم الالكتروني، فإنه قبل اللجوء إلى مركز التحكيم، يتعين اتخاذ إجراءات معينة لعرض النزاع على المركز المعين، ويمكن إنجاز هذه الإجراءات في الخطوات التالية:
أولا: يتم تقديم طلب التحكيم إلى المركز المعين بواسطة ملء النموذج المبين على موقع الإنترنت، والمعدة سلفا لهذه الغاية، إذ يجب أن تتضمن وثيقة التحكيم تعيين موضوع النزاع حتى تتحدد ولاية المحكمين.
وغالبا ما تشترط مراكز التحكيم تضمين طلب التحكيم البيانات التالية:
- أسماء الأطراف وطبيعة أعمالهم، وعناوينهم الإلكترونية
- وصف لطبيعة النزاع وظروفه
- الغرض من الطلب، وطبيعة التسوية المطلوبة
- قائمة أدلة الاثبات
- نص بند التحكيم، أو عقد التحكيم، وأي معلومات أخرى تفيد ذلك10
ثانيا: يقوم كل طرف بتحديد أسماء ممثليه في نظر النزاع، وتحديد وسيلة الاتصال بهم، وكذا تحديد عدد المحكمين، واختيار طريقة الإجراءات التي يرغب في اتباعها خلال نظر النزاع، وكذلك تحديد مدة التحكيم.
ثالثا: يتم تقديم الوثائق، والمستندات والأدلة، التي تدعم حق كل طرف، كما يرفق نسخة من اتفاق التحكيم، ويقوم المركز بالاتصال بالأطراف بواسطة البريد الإلكتروني، لمتابعة الإجراءات، وذلك وفق فترات زمنية معينة، يتم خلالها أداء الرسوم الادارية المحددة التي تختلف من مركز لآخر.
رابعا: يبدأ تاريخ نظر النزاع باستلام المركز لطلب التحكيم، ويقوم المركز بإخطار المحتكم ضده بالادعاء، لكي يتمكن من إبداء دفاعه بشأن موضوع النزاع، وتقديم الأدلة والبيانات المؤيدة لدفاعه.
خامسا: يحدد المركز موعد الحكم كي يقدم كل فريق الأدلة، والبيانات ثم تبدأ عملية التحكيم، وتستمر الى ان تنتهي بإصدار الحكم، وقيده على الموقع الخاص بالقضية على الإنترنت11
الفقرة الثانية: مشروعية اتفاق التحكيم الإلكتروني
إذا كان شرط الكتابة يتوافر بالكتابة الخطية التقليدية، فإن التساؤل يثور حول مدى توافر هذا الشرط في اتفاق التحكيم الإلكتروني، أو من جهة أخرى، ماهي حكم الكتابة الالكترونية المستخدمة في تحرير اتفاق التحكيم الإلكتروني. وبالتالي مشروعيتها.
إن الكتابة بمعناها التقليدي، تكون محررة على دعائم ورقية، ومع التطور التكنولوجي في وسائل الاتصال بالفاكس، والتلكس، والشرائط الممغنطة، ومخرجات الكمبيوتر، أدى إلى ضرورة التوسع في هذا المفهوم التقليدي للكتابة ليستوعب التطور في عصر ثورة المعلومات والاتصالات، ذلك أن الهدف من الكتابة لا يستلزم ان تكون محررة على دعائم ورقية بالذات.
ومن ثم لا يوجد ما يمنع ان تكون الكتابة محررة على دعائم إلكترونية طالما تحقق ذات الهدف، فالمهم هو ان يتم حفظ البيانات المتداولة الكترونيا، بحيث يمكن الاحتفاظ بها، والرجوع إليها عند الخلاف، دون أن يطرأ عليها أي تعديل أو تحريف.
ولذلك نص قانون اليونسترال النموذجي للتحكيم التجاري الدولي 198512على أن: شرط الكتابة يتحقق في أي وثيقة موقعة من الطرفين، أو في تبادل رسائل، أو برقيات، أو غيرها من وسائل الاتصال السلكية، واللاسلكية، مادامت توفر تدوينة، أو تسجيلا للاتفاق، “مثلا: الاسطوانات المدمجة، والشرائط الممغنطة”، بالتالي النص بهذه الصيغة، أتاح امكانية تحقق شرط الكتابة في تبادل البيانات الكترونيا، أو من خلال البريد الإلكترونى، كما أقر ذلك القانون الدولي الخاص السويسري 1987 بأن نص في المادة 178 منه على أن: “اتفاق التحكيم يعتبر مستوفيا بشرط الكتابة، إذا ما ورد في رسائل البرق، والتلكس، والفاكس، او أي وسيلة اتصال أخرى، متى كان يمكن إثباتها بالكتابة.
المطلب الثالث: القانون الواجب التطبيق على اتفاق التحكيم الالكتروني
الفقرة الأولى: القانون الواجب التطبيق ومدى الاعتراف بالحكم التحكيمي
يعتبر مبدأ استقلالية اتفاق التحكيم الإلكتروني عن العقد الاصلي من الميادين المستقرة، سواء في مجال التشريعات الوضعية، أو الاتفاقيات الدولية، أو لوائح التحكيم. ويترتب على هذه الاستقلالية ان الاتفاق على التحكيم الإلكتروني ليس مجرد شرط وارد في العقد الالكتروني الأصلي، وإنما هو عقد آخر مستقل عنه.
يسلم الفقه في مجموعه بإخضاع إجراءات التحكيم لقانون الإرادة، وبالتالي فإن القانون الذي يحكم اتفاق التحكيم يتعين تحديده، في ظل مبدأ قانون الإرادة، والأطراف أحرار في اختيار القانون الذي يحكم اتفاق التحكيم، ولكي تقوم إرادة أطراف التحكيم بوظيفته في تحديد القواعد الإجرائية، يجب ان تكون هذه الإرادة صريحة وواضحة، وإذا لم توجد إرادة صريحة لهم، فإنه يتعذر القول بإمكانية اللجوء الى الإرادة الضمنية لأطراف التحكيم13.
وهناك عدة إمكانيات متاحة امام الخصوم عند اختيار إجراءات التحكيم على النحو التالي:
أولا: قد يتولى الخصوم بأنفسهم وضع اجراءات التحكيم، ويسمى التحكيم في هذه الحالة بالتحكيم العائم ويقصد به التحكيم، الذي يتحرر فيه الاطراف من كل القواعد الوطنية، حيث تقوم إرادة الاطراف بصياغة، أو تقنين القواعد الإجرائية التي تحكم سير المنازعة بشكل منفصل.
ثانيا: قد يتفق الأطراف بأنفسهم على ترك هذه المهمة لهيئة التحكيم بالنيابة عنهم.
ثالثا: الاتفاق على اتباع الإجراءات المنصوص عليها في قانون وطني معين.
رابعا: قد يتفق أطراف التحكيم على اتباع الإجراءات المنصوص عليها في لائحة مركز دائم للتحكيم.
وتثور الصعوبة في حالة عدم اختيار الاطراف صراحة للقانون الواجب التطبيق على اتفاق التحكيم، حيث اختلف الفقه والقانون المقارن، ولوائح مراكز التحكيم في هذا الشأن، بصدد التحكيم التقليدي، حيث يوجد اتجاه يرجح خضوع الأمر لقانون مقر التحكيم، أي إخضاع اتفاق التحكيم لقانون البلد الذي اتفق عليه إجراء التحكيم فيه.
ونجد اتفاقية نيويورك 1958 بشأن الاعتراف وتنفيذ أحكام المحكمين الأجنبية، قد اتبعت هذا الاتجاه، حيث نصت في الفقرة 2 من المادة الخامسة على: “رفض الاعتراف او تنفيذ حكم التحكيم إذا لم يكن اتفاق التحكيم صحيحا، وفقا للقانون المختار من قبل الأطراف، وفي حالة عدم وجود اختيار من قبلهم، وفقا لقانون الدولة التي صدر فيها حكم التحكيم. ويصعب إعمال ذلك بالنسبة للتحكيم الالكتروني، حيث يتم في عالم افتراضي غير مرتبط بمكان محدد، ومن ثم يتعين اتفاق الاطراف مسبقا على تحديد القانون الواجب التطبيق، وإلا أصبحنا أمام فراغ قانوني يتعذر مواجهته.
الفقرة الثانية: مشاكل الاعتراف بالتحكيم الالكتروني
لا شك أن الاعتراف بأحكام التحكيم الالكتروني، وتنفيذها لن يكون بالأمر اليسير إذ يواجه العديد من الصعوبات، أساسها التزام محاكم الدول المختلفة بإعمال قوانينها الوطنية14، أو تطبيق الاتفاقيات الدولية الملزمة لها، والتي لا تتضمن ما يلزمها بمثل هذا الاعتراف.
فان الأطراف وانتهاج بعض الهيئات لهذا السبيل الجديد لتسوية المنازعات التجارية لا يمثل أي التزام للمحاكم الرسمية الوطنية، طالما أن قوانينها الوطنية، أو الاتفاقيات الدولية التي تطبقها لا تتضمن ما يلزمها بالأحكام التحكيمية، التي تصدر بناء على هذه الاتفاقيات الخاصة، أو وفقا لهذا التبني من جانب الهيئات والجمعيات الإقليمية أو الدولية.
فالعقبة الأساسية أمام التسوية الإلكترونية المنازعات، وما يصدر عنها من قرارات، هي اعتماد النظم القانونية القائمة على الوسائل التقليدية عند حسن ما يثار بين الأطراف من خلافات كاستخدام المستندات الورقية، أو الحضور الشخصي المتنازعين، أو زملائهم، وشهودهم امام هيئة التحكيم على نحو يسمح باتخاذ إجراءات التسوية في المواجهة المادية، أو بالحضور الشخصي15.
ولعل مبعث هذه الصعوبة يكمن في ان غالبية القواعد القانونية في مجال الاعتراف وتنفيذ أحكام التحكيم الدولية مستقلة من الاتفاقية الدولية الموقعة في نيويورك 1958، والتي تقف المادتين الثانية، والرابعة منها حجر عثرة أمام هذا الاعتراف.
فالمادة الثانية تقضي بأنه: “تعترف كل دولة متعلقة بالاتفاق المكتوب الذي يلتزم الأطراف بمقتضاه أن يضعوا للتحكيم كل أو بعض المنازعات الناشئة، أو التي تنشأ بينهم بشأن علاقة قانونية محددة، سواء كانت تعاقدية أو غير تعاقدية تتعلق بموضوع قابل للتسوية عن طريق التحكيم”.
ويستفاد من هذا النص ان تنفيذ حكم التنفيذ يقتضي كتابة الاتفاق أو أفراده في وثيقة موقع عليها من قبل الأطراف وتصميمه، أي مستند مكتوب بين الأطراف (خطاب أو برقية) يفيد قبولهم له، فهذه المادة تستلزم إذن كتابة اتفاق التحكيم والأمان باطلا.
لقد بدت ملامح تغيير أعطت بارقا من الأمل، بعد تلك الدعوة، التي وجهتها لجنة الامم المتحدة للقانون التجاري الدولي إلى كل الدول للعمل على تغيير التشريعات الوطنية والاتفاقيات الدولية لتتلاءم مع استخدام التقنيات الجديدة في تسوية المنازعات.
في حين استجاب الاتحاد الأوربي لهذه الدعوة بطلبه من الدول الأعضاء ضرورة العمل على تطوير تشريعاتها، نحو اعتماد آليات تسوية المنازعات الكترونيا خارج المحاكم، وكفالة حسن أدائها لمهامها، سواء على الصعيد القانوني او على المستوى العالمي.
نفس النهج سلكه مجمع لندن المعتمد المحكمين، إذ أقر بروتوكول استخدام هذه التقنية في إدارة عملية التحكيم، على نحو يهدف إلى ضبط مناهجها في تبادل المستندات، وغيرها من المعلومات فيما بين أطراف النزاع، والمحكمين، وفيما بين أطراف النزاع أنفسهم، وذلك بموجب قواعد يمكن إدخال تعديلات عليها، باتفاق المحكمين وأطراف النزاع بما يلائم احتياجات العملية التحكيمية.
الخاتمة:
لقد تولد عن التطورات التي لحقت بوسائل نقل المعلومات والاتصال عن بعد، ظهور التحكيم الالكتروني موازاتا لظهور الحاجة له في فض المنازعات الإلكترونية، التي نشأت في ظل حرية التعاقد الإلكتروني كواقع، وذلك من خلال خلال المساهمة في توفير الأمن القانوني للمعاملات التي تتم عن طريق الانترنت وذلك بإنشاء جهات متخصصة ترعى سير العملية، لحماية هذه المعاملات وتشجيع الاستثمار الوطني والأجنبي.
إلا أن هذا النظام عرف مجموعة من الإشكاليات، المتعلقة أساسا بعدم الاعتراف بالحكم التحكيمي الالكتروني، فضلا عن انهيار ضمانات التنفيذ، الشيء الذي أصبح يفرض ضرورة العمل المشترك بين رجال القانون والمعلومياتيين بغية الوصول لصياغة قانونية محكمة توفر ضمانات حقيقية لمحتكمين ولمراكز التحكيم على حد السواء، ثم الخروج من إطار العمل المحلي والوطني إلى العمل في إطار دولي وذلك بتحري ودراسة كافة القوانين المتعلقة بالتجارة الالكترونية خصوصا، والمعلوميات عموما، للتعرف على الطريقة المثلى لسن التشريع المناسب سواء بتعديل الأحكام القانونية المعمول بها أو بإصدار قانون خاص وجديد ينظم المعاملات التي يقام بها في إطار شبكة المعلوميات، وكذا إيجاد لإطار قانوني موحد للتحكيم الالكتروني.
الإحالات:
1– مقال لعبد الكريم غالي، المعلوميات ودورها في التأهيل القضائي، مجلة الملحق القضائي، عدد 33، يناير 1998، الصفحة 158.
2 – محمد إبراهيم أبو الهيجاء، التحكيم بواسطة الانترنت، الطبعة الأولى، الدار العالمية الدولية للنشر، الأردن، 2002، صفحة 19.
3– اسم صاحب المقال غير مذكور، التحكيم عن طريق شبكة الانترنت للفصل في نزاعات التجارة الالكترونية – دورة في التحكيم الالكتروني – القاهرة 18-22 فبراير 2007 عن موقع www.cyberlaw net، القاهرة. (بالتصرف)
4– عادل حماد أبو عزة – التحكيم الالكتروني في منازعات المعاملات الالكترونية، عن موقع www. Al jazirah.com sa
5– عادل حماد أبو عزة، التحكيم الالكتروني في منازعات المعاملات الالكترونية، عن موقعwww. Al. Jazirah. Com.sa
6 – فؤاد القاضي، المؤتمر الرابع للتحكيم الدولي ، …. مستجدات جديدة في التحكيم الالكتروني ، مقال منشور في صحيحة الكترونية، 26 سبتمبر العدد 1030 بتاريخ 25 شتنبر 2002 ، ص 11 عن موقع www.26 sep.Net
7– محمد إبراهيم أبو الهيجاء – التحكيم بواسطة الانترنت- الدار العلمية الدولية للنشر والتوزيع ودار الثقافة للنشر والتوزيع ” عمان – الطبعة الأولى -2002- ص 35.
8– بشرى العلوي- دور التحكيم الالكتروني في الاستثمار الدار البيضاء، أبريل 2007، ص 8. (بالتصرف)
9– محمد إبراهيم أو الهيجاء- التحكيم بواسطة الانترنت، المرجع السابق ، ص36.
10– التحكيم عن طريق شبكة الانترنت للفصل في نزاعات التجارة الالكترونية، دورة في التحكيم الالكتروني – القاهرة18-22 فبراير 2007، مقال منشور بموقع على الانترنت www. Cyberlawnet. Net
11– مثير محمد الجنبيهي، ممدوح الجنيهي: التحكيم الالكتروني ، المرجع السابق، ص212.
12– دورة في التحكيم الالكتروني القاهرة بتاريخ من 18 إلى 22 فبراير 2007 تحت عنوان للتسجيل عبر الاستمارة الالكترونية، مقال كتبه مدير الموقع بتاريخ 2007/01/04 على الساعة: 34.12 : 0 عن موقع www Cyberlawnet. Net
13– عبد القادر الدرسي، تأسيس الاتحاد العربي للتحكيم الالكتروني، مقال منشور بصحيفة الكترونية بموقعwww aleqtisadia .com كتبها :هالة المصراني في 02.01 صباحا، العدد رقم 5202، بتاريخ 10/12/2007.
14– إيمان امساعد – هشام بوزعشان، الإجرام المعلوماتي في المغرب، بحث لنيل شهادة الإجازة في الحقوق، قانون الخاص، إشراف الدكتور عبد الكريم غالي، جامعة محمد الخامس، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، السويسي، الرباط، السنة الدارسة 2005-2006، صفحة 3. (بالتصرف)
15 – محمد منير الجنبيهي – ممدوح محمد الجنبيهي ، التحكيم الالكتروني، بدون طبعة ، دار الفكر الجامعي الإسكندرية، 2006، صفحات 107-108- (بتصرف