حديث الجمعة .. على الدولة أن لا تكون ظالمة مرتين.

 

بقلم :الإعلامي يونس إمغران

 

** أثارت المادة 9 من مشروع الميزانية العامة للدولة برسم سنة 2020 جدلا قانونيا وسياسيا كبيرا، حيث ارتأت الحكومة أن تمنع المواطنين من الحجز على ممتلكاتها في حالة صدور أحكام قضائية نهائية لفائدتهم ضدها. وقد عللت الحكومة والأغلبية التي ساندتها في هذا المقتضى بأن مبدأ ضمان استمرارية المرفق العام يستدعي منها أخذ مثل هذا القرار القانوني. بل زادت الحكومة في توضيح خطورة الحجز على ممتلكات الدولة بالتأكيد على أنه: “ليست هناك دولة في العالم تجيز الحجز على أموال الدولة لأن فيها رواتب وأجور الموظفين، وسيارات الإسعاف والمستشفيات؛ وبالتالي الدستور فإن الذي يضمن تنفيذ الأحكام القضائية النهائية، هو نفسه من يضمن استمرار المرفق العام”. بينما سارعت الأغلبية إلى أسلوب التخويف من جهتها، وقالت أن هذا الحجز يصل في بعض الأحيان إلى 10 ملايير درهم يتم أخذها من حسابات الدولة لفائدة مواطنين لجؤوا إلى القضاء، مما يهدد استمرارية المرفق العام ويعرضه للإفلاس.

لكن لا أحد من مؤيدي المادة 9 رأى أن حرمان المواطنين من استخلاص حقوقهم المادية والمالية من أموال الدولة من شأنه أن يعرضهم لأخطار شتى قد تطال ذممهم المالية، أو صحتهم البدنية أو النفسية، أو يكون هذا الحرمان سببا مباشرا في حدوث وفاتهم.

صحيح أن الحجز على أموال الدولة إذا فاق نسبة النصف (وهذا أمر لا يمكن تصوره ولا وقوعه) قد يؤدي إلى كارثة بالدولة والمجتمع، وسيجر البلاد، حتما، إلى وضع أشبه باللادولة، وسيحمل المواطنين لا محالة إلى الخروج على القانون والنظام وغير ذلك من الآثار القانونية والسياسية الخطيرة. لكن لماذا تسمح الدولة لنفسها بارتكاب أخطاء يترتب عليها صدور أحكام قضائية ضدها تجردها من أموالها؟ أو لنقل بعبارة أخرى: لماذا ينبغي أن تكون الدولة ظالمة في الحالتين: في الحالة الأولى تعتدي على مواطنيها في أموالهم أو عقاراتهم أو منقولاتهم؟ وفي الحالة الثانية تعتدي عليهم بمنعهم من الحجز على أموالها من جهة وبعدم تنفيذ أحكام القضاء المنصفة لهم من جهة ثانية؟.

إن عدم تنفيذ الأحكام القضائية النهائية في بلادنا معضلة قانونية وواقعية لا تمس قضايا الدولة وملفاتها فحسب، وإنما أيضا تمس حقوق جميع المتقاضين الذين أنصفهم القضاء. ولا يخفى على أحد أن عجز الدولة عن الدفاع عن مهابة القضاء وجلاله هو الذي يشجع القائمين على تطبيق القانون على عدم تنفيذ أحكام القضاء النهائية. وحينما تتراكم آلاف من الأحكام القضائية على رفوف المحاكم المختلفة، دون أن تجد طريقا سلسا وسهلا للتنفيذ، فإن ذلك يعدُّ إعلانا عن إفلاس الدولة، وتحقيرا للقضاء، وتعطيلا للقانون، وعدوانا على حقوق المحكوم لهم، وتشجيعا للمحكوم عليهم على أن يزدادوا احتقارا للقضاء والقانون والدولة.

غير أن التنصيص في مشروع قانون المالية لسنة 2020 صراحة على تمكين الدولة من الاستهتار بأحكام القضاء وعدم إيلائها ولو اهتماما بسيطا، وضرب العدالة ورجالاتها وأعمالهم بعرض الحائط، يعد تحولا كبيرا في مفهوم الدولة للإصلاح بشكل عام والقضائي على وجه خاص. لذلك نقول: إن المادة 9 من هذا المشروع الذي أحيل على مجلس المستشارين مؤخرا من أجل إقرارها، إذا ما تمت المصادقة عليها واعتمادها بشكل نهائي، ستفتح الباب أمام المواطنين – الذين يوجدون في مواجهة الدولة قضائيا – للتفكير جيدا في ابتكار طرق “جهنمية” و”ماكرة” و”لاقانونية”  لحماية حقوقهم من ظلم الدولة واعتداءاتها الواقعة حقيقة والمحتملة الوقوع. وقد يبدو للبعض أنهم محقون في نهجهم هذا، وأنهم مضطرون غير معتدين.

وعليه، فإن الحكومة مطالبة بالتراجع عن هذه المادة التي ستُشرِّع للظلم، وتدفع بالبلاد إلى ردة تشريعية غير مسبوقة، والتفكير بالتالي في أن تعمل على رفع يد الدولة عن القيام بما يمكنه أن يضر بحقوق الناس ويعتدي على أموالهم. وأن تجتهد في إصلاح أنظمتها المالية والقانونية والقضائية بما يحقق العدل والمساواة بين مواطنيها. كما أنها مطالبة بسن قوانين حازمة ورادعة وفاعلة وناجعة لإجبار المحكوم عليهم بالامتثال للقانون وأحكام القضاء.

وإني لأعجب من هذه الحكومة التي يرأسها حزب إسلامي، كيف أنها تتجاهل تراث المسلمين في القضاء، ولا تستلهم منه الدروس والعبر، وتقتدي بنتائجه العادلة المبهرة. ولها في أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمثلة دالة ومشجعة، وهو المعروف بالحزم والانتصار للحق، وعدم حياده عنه، بل إن عدله رضي الله عنه لم يكن يميز فيه أحدا من الناس وخاصة حينما يتعلق بعائلته أو أمرائه وولاته، فلم يكن يفرِّق بين أحدٍ منهم، وكانوا جميعاً سواسيةً في الحقوق والواجبات مع رعيته. والشواهد كثيرةٌ جداً، منها على سبيل المثال أنَّه كان إذا نهى النَّاس عن شيءٍ جمع أهل بيته فقال لهم: “إنِّي نهيت النَّاس كذا وكذا، أَوَ إنَّ الناس لينظرون إليكم نظر الطير إلى اللحم، وأيمُ الله، لا أجد أحداً منكم فعله إلا أضعفت له العقوبة ضعفين”.

كما عُرف بن الخطاب رضي الله عنه بشدة محاسبته ومساءلته لأمرائه وعمَّاله وولاته على الأمصار والمدن، والويل كل الويل لمن ثبت خطؤه أو جرمه مهما علا شأنه، لذلك كان يسأل النَّاس ويستطلع إن كان أحدهم قد ظُلم من أحد الأمراء أو الولاة، وقد رُوي عنه أنَّه قال: “أيُّما عاملٍ لي ظلم أحداً، فبلغتني مظلمته فلم أغيِّرها فأنا ظلمته”.

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد