افريقيا بالمؤنث : الأدب في شرطه الاجتماعي والثقافي

فاطمة النوك :كاتبة صحفية

كيف يمكن للثقافة ان تمثل النساء الافريقيات؟ ما الحدود الفاصلة بين الكتابة والسيرة الذاتية،  ومدى ثقل الموروث الاجتماعي والقوانين التي تحاول الكاتبات الافريقيات اختراقها وكسرها؟. أسئلة أطرت  لقاء مشتركا بين كاتبات من دول افريقية مختلفة، ضمن ندوة حول “افريقيا بالمؤنث”، تميزت بحضور نسائي نوعي  من افريقيا الوسطى، الكاميرون، الغابون، تشاد..و تناولت عدة قضايا تتعلق بالكتابة النسائية، كفعل تحرري يمكن من اسماع صوت المرأة الافريقية في مجتمع محكوم بالتقاليد والثقافة، طرحت مداخلات الندوة الكثير من المحاور من قبيل الطبع و النشر المشترك، والكتاب الرقمي، والتعدد اللغوي، والحدود الفاصلة بين الكتابة والسيرة الذاتية، بالاضافة الى ثقل الموروث الاجتماعي والقوانين التي تحاول الكاتبات اختراقها وكسرها. زواج القاصرات أو تزويجهن بالاكراه، التعدد، الاتجار بالبشر، العنف الاغتصاب، الهجرة، التمييز..لم يغب الشرط الاجتماعي والثقافي  عن وجهة نظر الكاتبات، وهن يناقشن الكتابة الافريقية النسائية المعاصرة، كتابات واعية بهته الشروط وتكتب من داخلها، محاولة تجاوز كل المعيقات  ذات الصلة .

واعتبرت صباح بنجلون، التي سيرت اللقاء الكاتبات الافريقيات “ان هناك رؤية قاصرة عن الابداعات الافريقية النسائية، يجب أن تعزز وتساءلت عن كيفيات تقريب هذا الأدب،  وتطوير نشر رقمي للاقتراب من قراء أبعد، ومختلفين عن قراء الكتاب الكلاسيكي.

أحوال النساء في أفريقيا تنعكس على الإبداع في مجال  الآداب والكتابة، فتاريخ المرأة في أفريقيا طويل مع المعاناة في مجالات كثيرة، التعليم والصحة والاقتصاد، بالإضافة إلى تعرضها لأشكال العنف، على الرغم من تحملها أعباء الحياة القاسية، خاصة  في مناطق النزاع المسلح ، كما ان معاناة النساء الأفريقيات لها  أشكال أخرى ذات أبعاد اجتماعية وثقافية: الاغتصاب الجنسي، العنف البدني، وإجبار الفتيات الصغيرات على الزواج المبكر بكبار السن، كل هذه العوامل ولدت  اشراقات أدبية ضاجة بالحقائق الاجتماعية. وحاولت الكاتبات والناشرات الافريقيات  الاجابة عن سؤال ” كيف يمكن للثقافة ان تمثل النساء الافريقيات”؟.

الاهتمام بالهوية و بالتراث الشفهي

اعتبرت الكاتبة جان دو شانطال  ان الادب الافريقي عليه أن يعود الى الاغتراف من الثقافة الشفهية، وفي روايتها “من تكلم ” تحتفي بالشفهي، من أجل محاكمة الأوضاع الاجتماعية “استعملت القلم من اجل محاكمة كل ما يوجد في المجتمع،  الصور الادبية يمكنها أن تقربنا من ذلك”

 

واعتبرت دو شانطال التي تعمل بسلك المحاماة أيضا، أن كتابها “أين الجسر”، يطرح مسألة الازمات الاقتصادية والتحولات التي تعرفها الهوية أثر ذلك على العلاقات الاجتماعية،  تحدثت الروية  عن خمسين سنة بعد الاستقلال، و العلاقة بين الأجيال والتحولات.. ليس فقط من أجل المحاكمة بل من أجل طرح بدائل”

كما دعت الى لحفاظ على الثقافة الاصيلة، “علينا العودة للغة الأم،  اسر كثيرة تتحدث الفرنسية ، لكن الكلام والتفكير يتم في لغتك ولغتك تمنحك الامثال التي مع الوقت تفهمها كونها الأقرب من ثقافتك الاصلية . الاحتفال بالشفهي النسائي، وتحويله الى الادب، لأن النساء هن من يسمحن بانتقال التراث الشفهي.لا يمكن للكاتبة أن تكتب بعيدا عن الشروط الموضوعية، ولذلك تحضر تيمات من المعاش الاجتماعي في الكتابة النسائية من قبيل التعدد”.من أجل تقريب الأدب الى الجمهور، اقترحت دو شانطال لاستفادة من  مقاربة يعمل بها صناع السينما، “في الكاميرون ونجيريا هناك مقاربة جديدة هي انتاج أفلام باللغات المحلية كالهاوسا ..نفس الشئ، بالنسبة للكتابة يمكن ترجمة الكتب الى اللغة المحلية، والبحث عن شراكات، فما يشكل جمالية الادب الافريقي، هو اكتشاف الثقافة الأصيلة”.

 

الأدب الافريقي النسائي : سيرة ذاتية أم أدبية

استطاعت الروائية الكاميرونية دجايلي أمادو أمل، أن تعبر من خلال روايتها “والااندي، فن تقاسم الزوج”. عن معاناة وتراجيديا  النساء الافريقيات مع تعدد الزوجات، واعتبرت ان الأدب يمكن ان يحرر النساء.
“وتعني الوالااندي” الليلة التي يقضيها الزوج مع إحدى زوجاته،  أو ما عبرت عنه الكاتبة  بتراجيديا الانتظار وأداء الواجب، ما يعني الانضباط لقانون ذكوري يجعل المرأة بكل طاقاتها النفسية والجسدية تحت رحمة الزوج  ورأت فيه نوعا من الرق والاستعباد المغلف بالزواج.

وسلطت أمل الضوء على واقع المرأة في أفريقيا، وفي الكاميرون تحديدا،  مع مشاكل الزواج والتعدد من خلال قصص مجموعة من النساء، يسقطن في فخ تعدد الزوجات ومعاناتهن باسم مؤسسة الزواج، وسوء  استغلال الحق الشرعي ليكون بديلا عن الاسترقاق.اعتبرت الكاتبة ان هذا الوضع ينطبق على المتعلمات والاميات وان التقاليد الذكورية تصنع معاناة النساء، وتساءلت أين ينتهي الحلال ويبدأ الحرام أو المحظور في قضية تعدد الزوجات؟

واعتبرت امادو أمل، ان روايتها فعل نضالي نسوي، وان ذلك يتطلب تملك القوة، “لا ينفعنا في شيء أن يكون الحق معنا، إن لم نكن نحن الأقوى”. فكل القوانين التي تجرم استغلال المرأة أو العنف المسلط عليها ليست لها أي قيمة ما دامت لا تنفذ في مجتمعات ما زالت تخضع لسلطة التقاليد أكثر من سلطة القوانين”.

التداخل ما بين الأدب النسائي  والسيرة الذاتية، تم طرحه  ضمن مداخلات الندوة، وبقوة المعاش، طرحت الكاتبة درجة الانصهار بين تجربتها الأدبية  والذاتية:

“استعملت الكتابة للتعبير عن كل ما تعيشه النساء في افريقيا : التعدد، الزواج القسري، العنف.. كل ما كتب في الرواية صحيح، وعشته بشكل شخصي، و أكتب  من أجل النساء، ومن أجل ألا تعيش بناتي نفس المعاناة، “كنت أريد أن أصبح صحفية، غير أن زواجي وفق التقاليد الافريقية  حطم من الحلم، ورغم ان والدي متعلمان لكنهما رضخا  أمام وطأة التقاليد والثقافة، الأدب كان خلاصي، بالاضافة الى العمل الجمعوي ” مع ذلك تشير أمل “استعمل القلم للتعبير عن مشاكل النساء الافريقيات في دول الساحل والصحراء ، لكن لا يتعلق الأمر فقط بنقل هته المعاناة بل من أجل الدعوة لبدائل، ومن أجل الدفع بالتغيير “.

سلطت أمل الضوء على اشكالات التعامل مع دور النشر العالمية، التي تتعامل بشروط مجحفة مع الكاتبات الافريقيات، كما دعت الى التعامل مع  دور النشر الافريقية  التي تسمح بوصول الكتاب للجمهور الافريقي، بالاضافة الى ترجمة الكتب الى العربية لأن الترجمة تسمح بوصوله الى الجمهور العربي بافريقيا والشرق الأوسط.

 

تجارب ونماذج

باستعراض نماذج من الأدب النسائي في أفريقيا، يلاحظ أن هناك تبايناً من دولة إلى أخرى، حسب ظروف الدولة واتصالها بالعالم الخارجي، كما أن الفنون والآداب في أفريقيا لا تقتصر على الأشكال المعروفة ، فهناك كثير من الإبداعات  هي نتاج الفطرة والبيئة، وهي من إبداع المرأة، كما هي من إبداع الرجل. التعدد اللغوي الذي يستهدف الجمهور الواسع في افريقيا و تكيف الكتابة مع السياق الصحراوي، ثم تشجيع الكتابة الأدبية لدى الشباب هي ملامح للفعل الادبي النسائي الذي يطمح الى  تأثير الكتابات النسائية على السياسات الثقافية لبلدان افريقيا.

أما الكاتبة والناشرة سيلفي نتسام، فطرحت تجربتها في الكتابة والنشر بحكم  رئاستها لاتحاد الكتاب في الغابون، واشرافها على دار نشر طبعت عشرات الكتب روايات شعر مسرح قصص.. ” الحل ليس دائما بعيدا، لذلك سردت تجربتها في تأسيس دار نشر باعتبارها مقاولة” نجاح دار النشر تم لأنها تشتغل كمقاولة بموظفين،  والهدف  منها تقريب الجمهور –خصوصا الشباب-من  الكتاب الوطنيين “. قدمت سيلفي أيضا تجربتها في دعم أدب الشباب ، لا نتمتع بأي دعم لذلك ننظم مسابقات وأوراش الكتابة .

طرحت الندوة العديد من التوصيات لعل أهمها ، هو تنظيم ندوات مماثلة من أجل التعرف أكثر على الكتابة الافريقية بالمؤنث، كما طرحت مسألة التعاون بين المغرب ودول الجنوب في مجال النشر، بالاضافة الى تشجيع الكتابة عن التراث والانفتاح على النشر الرقمي.

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد