وجدة ـ الأستاذة سعيدة الرغيوي
حضور العرض المسرحي “احتفال الْجسد” في الْحفل الختامي للمسرح الدولي بوجدة وتأكيد جمعية كوميدراما للمسرح والثقافة على نجاحها في اختيار عروض النسخة 12.
اختتم مساء يوم الأربعاء 16 أكتوبر، المهرجان الدولي للمسرح في نسخته 12 بوجدة بمعلمة مسرح محمد السادس الذي نظمته جمعية “كوميدراما للمسرح والثقافة” بمسرحية “احتفال الجسد” من تأليف الدكتور محمد الوادي وإخراج سعيد الخالفي وأداء فرقة الخيال المسرحي من سلا.
المسرحية التي تعبر عن الْواقع الْعربي الذي يعيش الضّياع والتّيه من خلال استثمار التراث الشعري وحضور شخصية الشاعر “قيس بن الملوح” وشخصية محبوبته “ليلى الْعامرية”.
إذ كان الْحوار الثنائي حاضرا بين “قيس” و”ليلى” والأصوات الأخرى التي تمثل العوامل المضادة الْمعارضة التي أسهمت في التّحول وانتقال “ليلى” من الفتاة الشريفة التي تحترم عادات القبيلة إلى فتاة تبيع جسدها وتعيش الْحياة الْماجنة ..
وما التّحول إلاّ انعكاس لحالة الْعُهر التي يعيشها المجتمع الْعربي الذي ضيّع قضاياه.. إذ حضر صوت فلسطين وبغداد ولبنان وغيرها من الْبلدان التي استبيحت أراضيها وثقافتها..
وقد شكل الْجسد الأنثوي تيمة وموضوعة احتفالية للتعبير عن هذا التّصدع والْواقع الْمرير واشتغل عليه الممثل ليكشف عن أبعاد عدة: (التيه، الْعهر، التفكك، فراغ الْجسم الْعربي من قِيمه وتقاليده…الخ).
هو الْجسد الْعربي يستسلم للذئاب/للاستلاب ليتحَوّل إلى جسد فارغ من كل مُحتوى أخْلاقي وقِيمي..
إنّ الْمخرج سعيد الخالفي اشتغل على التّراث الشعري والْحوار والْحُضور الْجسدي فوق الْخشبة، ناهيك عن الْمؤثرات الصّوتية ليَعْبُر إلى الْمُتلقي وينقل له صورة الْعربي الذي يعيش الضّياع والاغتراب.. هي احتفالية الْجسد الْمنهزم/الجسد الْعربي الذي يعيش التشَردم والتفرقة والْانقسام، فهو يمثل الصوت الْمهزوم.. صوت الأنا.
فالْجسد الْأنثوي حاول التّحرر من أعراف الْقبيلة لكنه وقع بين براثين ذئاب بشرية حولته لمجرد دمية للإشباع الْجِنسي في عالم يَحبل بالْمكبوتين والْمرضى ويتوق لتحقيق الانتشاء واللذة وطمس خصوصيات الذات الأخرى الْمُستلبة.
فشخصية “ليلى” كشخصية رئيسية ومحورية في النص الْمسرحي قبل مغادرة الْقبيلة كانت تمثل رمز الْعِفة والشّرف والطّهارة والْحُب وكانت تؤمن بالْغزل الْعذري وبعد مغادرتها ستصير جسدا مستباحا للْجميع.. ومن ثمة سوف يتخلى الشاعر /قيس عنها لأنها أُفْرِغتْ من روحها الْبريئة.. من عفتها.. فالْجسد الأنثوي هنا يحضر كمقابلٍ رمزي لجسد الأمة الْعربية التي التهمت طعم الْحضارة الْمريضة الزائفة لتصبح عاهرة يعبث بأراضيها الذئاب ..
هو دونما شك تناول جمالي وفني للجسد الأنثوي الإيروتيكي لإيصال رسائل عديدة للمتلقي.. وكأن بالمخرج يرغب بنقيض الاحتفال ها هنا ..هذا الْجُسد الْمثقل والْمُثْخن بالمآسي والْوجع والألم ..
وقد جاء استثمار التراث الشِّعري للتعبير أيضا على حاجة الذات الإنسانية لقيم الْحُب.. فصوت الشّاعر يرفض ما آل إليه جَسدُ الْحبيبة بعد التّخلي عن الأعراف والتقاليد.. وكأن به يصرخ في جسد الأمة العربية الذي صار عاريا تعبث به ريح الْغرباء ويتحَسر على هزيمته.
هي غربة الذات إذن تبدّت من خلال الْحوار الثنائي بين شخصية قيس وليلى.. ومن خلال الْعوامل الْمُعارضة التي تختزل الذات الأنثوية في جسد عاري مفرغ من كل قيم الانتماء والْهوية.