في سياق مناقشة مشروع قانون الإطار المتعلق بالرؤية الاستراتيجية لمنظومة التربية والتكوين

بقلم / سمير ابو القاسم

في ضوء تشخيص مكامن الخلل، واستخلاص الدروس، يتعين اليوم الانتقال إلى الفعل، وفي هذا الصدد، يتعين اليوم تحديد مهمة المدرسة المغربية، على نحو يجعلها تشكل أفقا مشتركا لمختلف المعنيين بالشأن التربوي، وذلك بتزويد مواطني الغد بالمعارف والكفايات والقدرات الاجتماعية الأساسية، التي من شأنها أن تتيح لهم النجاح في مشروع حياتهم، تبعا لاختياراتهم الشخصية.

ثلاثة جبهات ذات أولوية للعمل:

أ‌. جبهة تكافؤ الفرص، بالتفعيل الحقيقي لإلزامية تعليم جميع الأطفال المغاربة إلى غاية بلوغهم 15 سنة من العمر. ويتمثل الرهان الحالي في رفع تحدي دمقرطة التعليم بالحفاظ على التلاميذ في المدرسة، لأكبر مدة ممكنة. وهذا يتطلب تحقيق إنجاز مشاريع تخص الأسلاك الثلاثة للتعليم الإلزامي؛ مستوى التعليم الأولي ومستوى التعليم الابتدائي ومستوى التعليم الإعدادي.

ب‌. جبهة استقلالية الجامعة والامتياز في التعليم ما بعد الإلزامي وفي التكوين المهني، لأن الثانويات التأهيلية، التي من المنتظر أن تستقبل أعدادا متزايدة من الشباب المغاربة، في حاجة إلى إعدادها لرفع حصتها من التحدي التربوي. وذلك، بإعطائها استقلالية أوسع، ومدها بوسائل عمل تخول لها الانخراط في برامج تربوية أكثر تنوعا. ومن شأن جودة وتنوع هذه المشاريع أن يعزز تطور الثانويات التأهيلية المغربية، في اتجاه البحث المستمر عن الابتكار والامتياز.

وتطوير الجامعة يستدعي تعميق استقلاليتها من خلال ثلاثة مناح:

أولها استثمار كل الإمكانات، والارتقاء بآليات الحكامة الجيدة، واستكشاف فضاءات جديدة للاستقلالية، في اتجاه جامعة أكثر إنتاجية، تكون في مستوى رهانات التنافسية الدولية، وذلك، بناء على مشاريع يتم تقويمها، في إطار علاقة تعاقدية مع الدولة.

وفي هذا الصدد، تنتظر الجامعة المغربية تحديات كبرى ترتبط بتطوير البحث العلمي والابتكار، بوصفهما قاطرة للنمو الاقتصادي والتنمية. وهو خيار ضروري، وليس مجرد ترف فكري، وإن تعلق الأمر بمجتمع يعاني من نسبة عالية من الأمية، ومن ضعف جودة التعليم الأساسي. لذا، تظل تنمية البحث العلمي هدفا في متناول بلد كالمغرب؛ وذلك بالعمل على ثلاث واجهات أساسية:

  • توسيع القاعدة العلمية للبلاد، من خلال تعبئة المزيد من الباحثين المغاربة، داخل الوطن وخارجه، بل وتعبئة الباحثين الأجانب أيضا، عبر محفزات علمية ومادية، حول مشاريع وطنية للبحث العلمي.
  • مد القنوات والجسور مع المراكز العالمية للابتكار العلمي، ومواكبة حركية الكفاءات العلمية والتقنية عبر مختلف أرجاء العالم، بإبرام شراكات ذات قيمة مضافة عالية مع مراكز البحث الدولية، على أساس مبدأ الفائدة المتبادلة.
  • توطيد أو إطلاق مبادرات موجهة للبحث والابتكار، تستهدف مجالات محددة وذات قيمة مضافة، بتعاون مع النسيج المقاولاتي، من قبيل البيوتكنولوجيا والنانوتكنولوجيا، والاقتصاد الرقمي، والطاقات المتجددة والصحة والبيئة…، وتسهيلها عن طريق آليات تشجيعية ملائمة.

ج‌. جبهة القضايا الأفقية: ويتعلق الأمر بالقضايا التي ما فتئت معالجتها تتأجل إلى اليوم. وهي قضايا من شأن إيجاد حلول ملائمة لها، أن يكون له أثر حاسم على جودة المنظومة، وتهم، أساسا:

  • انخراط المدرسين وتثمين مهنتهم: وذلك بحفز المدرسين، وترسيخ مسؤوليتهم وتدقيق مهامهم في اتجاه مهننتها، باعتبارهم الفاعل الأساسي في إنجاح العملية التربوية. وتتمثل الإجراءات اللازم اتخاذها في هذا الشأن في بلورة تعاقد للثقة بين المدرس والمدرسة، بتقديم أجوبة جديدة لمشاكل الغياب غير المبرر والدروس الخصوصية المؤدى عنها، واستعمال القطاع الخاص لمدرسي القطاع العمومي.
  • الحكامة القائمة على ترسيخ المسؤولية: إن اللاتمركز، وتوضيح المسؤوليات وتدقيقها، وتعميم ثقافة وآليات التقويم، تعد مقومات ضرورية لإرساء نظام لقيادة المنظومة، يقوم على ترسيخ المسؤوليات لدى الفاعلين فيها. ويتمثل الهدف في إعادة تنظيم المنظومة التربوية في إطار مؤسسات متوسطة الحجم، تسمح بالمعالجة الناجعة للمشاكل.

وتتمثل الخطوة الأولى في الاتجاه نحو لاتمركز ترابي ووظيفي، يتيح تخويل الاستقلالية الإدارية والبيداغوجية للمؤسسات التعليمية، مع احتفاظ للإدارة المركزية بتدبير الجوانب الاستراتيجية المرتبطة بتوزيع الموارد، وتحديد التصورات المتعلقة بالمناهج والبرامج، والتنشيط، والتقويم، في حين تمنح للمؤسسات المزيد من الموارد، بإدارة تربوية ومجالس للمؤسسات أكثر نجاعة وفعالية.

أما الخطوة الثانية، فتتمثل في نهج لامركزية تهدف إلى إشراك أقوى وأوسع للجماعات المحلية في حياة المدرسة، من خلال شراكات مستدامة مبنية على مبدأ القرب؛ تضطلع بموجبها الجماعات المحلية بمسؤوليات جديدة على مستوى البنايات والتجهيزات والصيانة وأمن المؤسسات التعليمية. مما من شأنه أن يسمح للمدرسة بتركيز الاهتمام على مهامها التربوية والثقافية، وغيرها من الأنشطة المندمجة.

  • التحكم في اللغات: يتعين على المنظومة نهج مقاربة جديدة للرفع من كفايات إتقان المتعلمين للغتين الرسميتين وللغتين أجنبيتين، على الأقل. في هذا الصدد، تقتضي تقوية اللغتين العربية والأمازيغية، وبذل مجهود خاص يتجه نحو تحديث طرق تدريسهما وتطوير آليات معيارية لتقويم مستوى التحكم فيهما بانتظام؛ وكذا تركيز الجهود على إعداد مخطط موجِّه للتحكم في اللغات الأجنبية، يُعنَى بتجديد تقنيات تدريسها وإتقان الكفايات التواصلية؛ الكتابية والتعبيرية، واعتماد برامج لتعميق تكوين المدرسين في اللغات، وتقوية الدعم التربوي في هذا الشأن. كما يتعين بلورة إطار عمل وطني واضح يحدد وضع اللغة والثقافة الأمازيغيتين في المنظومة التربوية.
  • التوجيه التربوي وإعادة التوازن بين المسالك: من أجل ملاءمة أفضل للمدرسة وحاجات المحيط الاقتصادي، يتعين مراجعة وظيفة التوجيه داخل المنظومة، وإعادة التوازن بين المسالك وتحديد الكفايات الواجب اكتسابها من قبل المتعلمين، في السلكين الثانوي والعالي.

فعلى مستوى المسالك، يتعلق الأمر بعكس مجرى تدفقات نظام التوجيه، في اتجاه الرفع من نسب التوجيه نحو المسالك العلمية والتقنية. وبالنسبة للكفايات، فيتعين التركيز على إكساب المتعلمين مهارات النقد والمبادرة والحركية الثقافية والاقتصادية، ولا سيما عبر تشجيع التدريب بالوسط المهني والجمعوي.

ومن أجل ذلك، يمكن أن ينطلق العمل بمجهود استكشافي، على المستوى الجهوي، لمهن وحرف المستقبل، وبمباشرة عملية التوجيه ابتداء من السنة الثانية من الإعدادي، فضلا عن تقوية هذا النظام برفع عدد مستشاري التوجيه، وبتفعيل الشبكات المحلية للتربية والتكوين

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد