الشاعرة المغربية سعيدة الرغيوي
خرج صبيحة يوم ربيعي، كعادته ليتملى بطلائع الربيع البهية، وبشدو العصافير والبلابل، ولينتعش بأريج الحدائق، ويرحل مع النسمات تلفحه بعبقها الربيعي، ويرتشف كؤوس الشاي المعطر بأعشاب فصل الربيع، وفي مقهى الحديقة جلس كعادته وبين يديه كتابه الذي يحمل عنوان “يقظة النائمين” فتحه وبدأ يقلب الصفحات، يقرأ بتمعن وتركيز دون أن يُغفل فقرة لا واحدة، الصفحة تلو الصفحة حتى أشرف على إنهائه، وهو يقرأ والذاكرة تنشط تدريجيا، ومع إنهاء آخر صفحاته صاح وقام واقفا: “تبا لكم سارقو أحلام البسطاء، تبا لكم شياطين الأرض المفسدون”، ليقرر الذهاب من غير رجعة إلى مقهى الحديقة، ونبس ببضع كلمات غير مفهومة وانصرف.
في صبيحة اليوم الموالي سُمِع صراخ في المدينة أيقظ النيام من نومهم، ترى ما الخطب ؟
استفاقوا وطفقوا في تساؤلاتهم الغبية.. ما الأمر الذي جد في مدينتنا النائمة المسالمة، ما هذا الصخب ؟؟؟.
وبعد دقائق معدودة سمع صوت الجرس الذي يتواجد في أعلى أبراج المدينة، إنه الشاب “يقظان” يدق الجرس، بعدها يظهر مُمْسكا ببوق كبير، تجمعت الحشود قرب البرج، واشرأبت الأعناق نحو الأعلى، إنه في انتظار كلام الشاب.. في الآن ذاته توافدت إلى الساحة الرحيبة المُفْضية إلى قصر ملك مدينة “النوم”، كبار الشخصيات المقربة إلى الملك وكذا كبار السحرة والكهنة المعتمدين لدى الملك “نمور”، ليتشاوروا فيما سمعه من كلام بين معارض وبين متقبل له، يقرر ثلة من هؤلاء إخبار الملك بما استجد في مدينته، ليأمر بإحضار الشاب “يقظان” مكبلا بالسلاسل، مغلول اليدين والرجلين، نفذت الأوامر في سرعة البرق، ليمثل الشاب في حضرة ملك وحاكم مدينة “النوم”.
“يقظان” كان منذ البدء يعي أنه بخرقه لدستور مملكة “النوم” سيفتح عليه أبواب جهنم على مصراعيها بل لا طالما كان متيقنا بأن مدينة “النوم” تعيش في جحيم منذ سنوات في ظل حكم الملك وأتباعه الطغاة الذين لا يرأفون لأحوال الرعايا ولا يقيمون أي اعتبار للقوانين، وينتهكون الحقوق دونما رادع.. مرارا وهو يحاول جاهدا البحث عن مخلص, الفكرة لم تكن جديدة، ظهرت مع قراءاته لكتاب “يقظة النائمين”، فلازمته سنوات عدة، غير أن الظروف لم تكن سانحة لإثارتها وبكل هذا الحماس لأنه كان مازال طفلا لم يتجاوز بعد الثالثة عشر من عمره، تلاحقت السنون ونضج فكريا شيئا فشيئا، ولأنه كان دائم التجوال والترحال تعرف إلى ثقافة باقي الأمصار والأقطار، ليعود إلى مدينته “مدينة النوم”، التي لا طالما حز في نفسه ما تعيشه في ظل جبروت ملك منهمك عنها بالمأدبات والولائم، متناسيا لأمور رعاياه بحسناوات القصور والجواري وشتى أنواع الخمور والطرب، فلا تخلو ليالي القصر من الليالي الحمراء.. وكل ما هو سافر. ولأن صاحبنا “يقظان” عارك الحياة وعاركته، وجاب الأقطار والأمصار، ونهل من شتى منابع العلوم والمعارف، غدا شابا مسؤولا يحمل على عاتقه فكرة تخليص شعبه من براثين الملك الطاغية، وكذلك العمل لأجل مدينته الجاثمة منذ أمد طويل في نومها وسباتها وكأنها مدينة الموتى تسبح في أجداثها، تحولت منازلها إلى روضات ودور تفوح منها رائحة الموت.
كتاب “يقظة النائمين” أعاد إلى ذهن “يقظان” فكرة الخلاص مجددا من أصفاد النوم الذي يرزخ تحته جل شباب وشابات مدينته، هو اليوم عاقد العزم على سماع صوته والجهر به، إخراجه من قمقم العفريت الذي احتجزه طويلا، إلى حيث يصعد في العلياء.
في الساحة الكبيرة من المدينة صاح “يقظان” بأعلى صوته في الحضور: “سكان مدينة النوم: متى ترحل عنكم الغيمة السوداء التي تحجب عنكم ضوء الحقيقة، متى تستفيقون من غياهب ظلماتكم ؟؟، سنوات ومدينتنا الجميلة مدفونة في الثرى يحتضر شبابها وشاباتها، يشربون من علقم حياة فرضت عليهم وانساقوا معها دونما تعقيب أو تساؤل في ظل احترام قانون جائر، قانون مدينة النوم وفي ظل دستورها الذي وضعه أتباع ملك يعيش في نوم دائم.
“أبناء مدينتي ما بالكم لا تنتفضون، والآن إليكم الكلمات التي قرأتها في كتاب أهداه لي حكيم المدينة المجاورة “مدينة اليقظة”، كتاب “يقظة النائمين”، استمعوا الآن: “إليكم بخاصة شباب وشابات هذه البقعة الطيبة من أٍرضنا الحبيبة أنتم مستهدفون بفيروس خطير جدا، يثبط من عزيمتكم، ينخر أجسامكم فيرديها عليلة سقيمة، يسكب عليكم من نيرانه فتحرقكم تدريجيا، تفرغكم من إنسانيتكم فتجعلكم عبيدا لملك يهوى أن يكون جل سكان شعبه نياما، غارقين في أمواج الحلم الضائع الزائف،… لذا أيها الشباب، شباب مدينة النوم ملك هذه البلدة يفضلكم نائمين، يفضلكم موتى، وأنتم لازلتم أحياء، فما بالكم ؟؟… ابحثوا إذن عن الحقيقة في ظلال جوانحكم، في جزء من ذواتكم، ستجدون الحقيقة الخفية، إياكم ثم إياكم التقاعس، استفيقوا قبل أن تصيروا موتى، استفيقوا…”.
يدخل حاجب الملك القاعة الفسيحة، يقترب منه، ويفضي إليه بما في جعبته، الملك في ذهول غير معهود، يأمر جواريه بالانصراف وتصدر عنه قهقهات مسترسلة ممزوجة بالتهكم والضحك.. ثم يتوقف لينادي على أحد المقربين إليه والملقب بمطاوع، يحضر إليه في الحال، يلقي التحية المعهودة ويقول بنبرة تنم عن الولاء الشديد: “طوع خدمتك سيدي… الملك: “تفضل يا مطاوع، أخبرني عما يجري في مدينتي، ومن هذا الأرعن الذي سولت له نفسه أن يثور في مدينتي ومملكتي.
مطاوع: “لا تقلق سيدي ومولاي، المسألة ليست بذي أهمية ولا تستحق قلق سيدي، ويستطرد هذا الشاب الأرعن مقدور عليه، وهو الآن في الخارج مكبلا.
الملك: “انصرف الآن، واتركني قليلا اختلي بنفسي، الملك وسط باحة القصر يجر سلهامه المطرز بالحرير والأحجار الكريمة، ويقطع الباحة طولا وعرضا، لقد أحس بالهلع، يقف هنيهة ثم يستمر، يقلب أصابع يديه ضاغطا عليها لكثرة ارتباكه، وفي السبابة يضع خاتما مشعا أهداه إليه أحد الكهنة يتبرك به لعله بذلك يجسر تسخير قوته السحرية، أما عنقه فمُحاط بسلسلة ذهبية وعلى رأسه التاج الملكي المرصع بالأحجار الكريمة والمنمق برموز تجعل الناظر إلى التاج يعتقد الملك أحد أساطير الزمان، ولغة صعبة المنال، وأنه صاحب السطوة والمكان الأرفع في مدينة النوم.
ويهمس لنفسه في شبه مونولوج داخلي، من ذلك الشاب الذي تجرأ ورفع صوته جهورا، من هذا الذي يود أن ينغص على ملك الزمان حلو المقام، ويثير الزوبعة حوله، من ؟؟.
وبصوت مزمجر كالرعد، ينادي على يده اليمنى وخادمه الوفي “مطاوع”، يحضر مسرعا مرددا افتتاحيته المعهودة والأزلية: “لبيك مولاي وسيدي، خادمك رهن إشارتك”.
الملك: احضروا ذاك الشاب في الحال، أريده جاثيا على قدميه، راكعا، متسولا…
مطاوع: نعم مولاي، سيكون لك ذلك. ينصرف مطاوع لتنفيذ أوامر الملك “نمور”، وما هي إلا لحظات حتى يدخل الشاب المصفد بالسلاسل إلى القاعة الملكية مسحوبا بالقوة من طرف جنود الملك، وملك مدينة “النوم” جالسا على كرسيه تتطاير من عينيه شرارة الغضب، يُحملق ذات اليمين واليسار، بضع دقائق ينادي على مستشاره وخادمه الوفي “مطاوع” يهمس له بكلمات مبهمة، لحظات… حتى يفك أحد خادمي الملك وثاق الشاب، تنبأ “يقظان” بما كان سيحدث له منذ البدء، إنه يعرف سبب تكبيله..
الملك: ما اسمك أيها الشاب ؟
الشاب: “يقظان” حضرة الملك.
الملك: ماذا قلت ؟ يرد عليه بوثوق: قلت: يقظان سيدي.
الملك: وتكررها على مسامعي، ألا تخشى العقاب ؟.
الشاب: لماذا أخشاه وأنا أعيش ميتا، لماذا أخشاه وحضرتك جعلت مدينتنا مدينة للأشباح والأموات إننا أشبه ما يكون بأموات يمشون.
الملك: اخرس أيها الحقير سيكلفك كلامك وتطاولك هذا غاليا، إنك تستحق أن يقطع لسانك السليط.
الشاب: افعل، سيكون ذلك رحمة بي، كيف تقول هذا إنك شاب متهور أو لاَ ترْتدِعْ ؟؟.
الشاب: من مثلي سيدي حياته مثل مماته، لا يخشى شيئا، أيها الملك عجل بأوامرك، اجعلهم يقطعون لساني ويريحونني من هذا الثقل.
مطاوع: سيدي اسمح لي بقطع رأس هذا الخائن المتطاول على حضرة ملك الزمان والمكان.
الملك: تمهل، تمهل، قصة الشاب هذا لا شك أنها مثيرة وإلا لما فضل التضحية بنفسه والمُجازفة.
مطاوع: لا أرى مولاي ذلك، فلتسمح لي بقتله، حتى يكون عبرة لأمثاله ممن يجرؤون على التمرد.
الملك: اقترب أيها الشاب من مجلسي، ولا ترتعب، منحتك الأمان فلْتتكلم وتُفْضي بما في جعبتك ؟.
الشاب: اسمي أيها الملك: “يقظان”، ولدت في مدينة النوم، بيد أنني جلت الأقطار والأمصار، ولم أرى شعبا كشعبنا.
الملك: هلا، حدثتني عن سبب ذهولك من شعبي ؟.
الشاب: “شعبك سيدي يعيش، ولا يعيش، يحلم ولا يحلم، يبتسم ابتسامة الأموات.
الملك: أوضح أكثر، وكفاك ألغازا ؟.
الشاب: “لما صرت ُ شابا، وخبرت أمور الدنيا، استرعني ما يعيشه شعب مدينة النوم، هم يعيشون في عالم الأموات، إنهم أموات يمشون، حياتهم جمود في جمود، لا تغير ولا تجديد، وإن سمحت لي سيدي، هم يعيشون فقط، لا يفكرون، لا نتجون، فقط يستهلكون.
الملك: الآن فهمت، ماذا تقصد، الآن اتضحت لي الرؤيا، محق أيها الشاب “يقظان”، سنوات وشعب النوم نائم، كل هذا بسبب الدستور الجامد، والآن أيها الأتباع لتعملوا على إحراق الدستور القديم، الذي لا طالما أرخ لنومنا، ولتجعلوا الشاب على رأس خلية كبيرة لأجل إنتاج دستور جديد، فلا شك عندي بعد اليوم فيما قاله “يقظان”، ولتعملوا على التخلي عن التقاليد البائدة التي كرس لها الدستور القديم اللعين، لتزهو المدينة النائمة، وتنتعش حياتنا، إذن احرصوا جميعا على العمل لأجل مدينة الغد، بدل مدينة النوم.
الشاب: ينصرف مزهوا بما حققه، يهمس لنفسه: “اليوم فقط تستطيع مدينة النوم السباحة دونما خوف، بناء غد مشرق، وستحيا من جديد، لنبني أحلامنا، فتزهو أيامنا، وترحل عنا مساءات الظلام بلا رجعة”. فلترحلي عنا كوابيس وسنوات الموت، ولتشعي يا أنوار، فسوف أنشد أنشودتي، وأمسح أتراح الأمس، وأرسم ويرسمون لوحة الفرح بخيوط العزم وبجأش شباب مدينتي سوف نلون الأرض فتينع وتخضر، وصدق جدي لما أطلق على اسم “يقظان”، فقد تغيا فيَّ الخير والصلاح، وأنشد يقظان أخيرا أغنية النصر.
مدينتي يا جنة خضـــراء
يا زهرة، يا أيقونة الزمـرد
فلتغني معي حلمي وحلمك
ولتنشدي أنشودة النصر، للصبايا والصبيان
للأصدقاء والخلان، للمروج والجداول.. ولكل الحالمين، ولكل الحالمين