العماري يكتب عن السنة التي نودعها وعن السنة الجديدة التي نستقبلها

إلياس العماري: الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة

نشر إلياس العماري تدوينة  في الفيسبوك حول السنة التي نودعها والسنة التي نستقبلها هذا نصها..

في خضم التفكير في الكتابة عن السنة التي نودعها اليوم و عن السنة الجديدة التي نستقبلها غدا، تحضرنا عدة صور تنقل ما يعيشه العالم من صراعات و مآسي تتسبب فيها الدول أو الجماعات أو الأفراد، و لعل آخرها المجزرة التي ارتكبت في حق أقباط مصر في كنيسة حلوان، و قبل ذلك التوتر الذي زرعه من جديد دونالد ترامب بقراره حول القدس، و ما يعيشه الانسان سواء في حدودنا الوطنية أو الإقليمية أو في العالم من تطاحنات و تجاذبات؛ في خضم هذه السياقات، و بفضل تدوينة للصديق جمال بوزفور، أعدت قراءة محاضرة كانت قد ألقتها الفيلسوفة سيلا بن حبيب بألمانيا تحت عنوان ” من كانط الى هابرماس: هل يمكن الجمع بين الكوسموبوليتية و الديموقراطية؟” ، و استوقفني الجواب الذي نسب للفيلسوف الإغريقي سقراط، لما سئل عن وطنه، و أجاب أنه ليس أثينا و إنما العالم. و بغض النظر عن صحة ما نسب لسقراط، فإن الثابت أن هذا الفيلسوف لم يكن يفكر لنفسه و لمدينته فقط، و إلا لما امتد اسمه و فكره إلى يومنا و لما انتشرت أفكاره في جميع أرجاء الكون.
لقد أسس سقراط لفكرة المواطن الكوني( الكوسموبوليت)، الذي يستطيع أن يتعالى و يسمو فوق الحدود الضيقة للقانون و اللغة و الثقافة و الدين و الأعراف ليعانق الكون كله، بفضل العقل والعقل وحده.
إن الفلسفة التي وضع أسسها سقراط باعتماده على معرفة الانسان لنفسه بنفسه بواسطة العقل و الحوار، هي التي سمحت لكانط و هابرماس بتقعيد أسس التعايش بين البشرية بفضل المشترك الذي تتقاسمه البشرية بتجرد عن اللون و الجنس و الوطن و الدين. و لعل ما يعزز عمق و استشراف نظريات هؤلاء حول العلاقات بين البشر داخل حدود الاوطان الضيقة و خارجها، هو عودة التساؤلات المستمرة عن العلاقات بين الدول و الشعوب في ظل التطورات الكبرى التي تعرفها المجتمعات اليوم. فموضوع الكوسموبوليتيا كفضاء مفتوح و عابر للحدود الوطنية و القومية، يطرح اليوم و بحدة مع ما يقع على حدود الدول، خاصة تلك التي تعلن تماهيها مع الديموقراطية و حقوق الانسان. و لنا في ألمانيا نفسها التي ينحدر منها كانط و هابرماس المثال الحي و القريب، مع القرار الذي اتخذته المستشارة ميركل في فتحها للحدود أمام اللاجئين السوريين.
فلتكن سنة 2018 سنة نستحضر فيها الكونية التي كان يصبو إليه سقراط، و العقلانية التي أسس لها كانط و التعايش الكوسموبوليتي الذي أصل له هابرماس.

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد