الأستاذ محمد الهلالي
لقد طرح هذا السؤال (هل توجد نساء فيلسوفات ؟) باستمرار بفعل الدهشة الملازمة لفعل التفلسف ذاته… لكننه ووجه دوما بالغموض والتجاهل. أول جواب عن هذا السؤال يتم بالإيجاب وبالأسماء حنا أرنت، سيمون وايل، سيمون دو بوفوار.
لماذا وقع الاختيار عليهن وحدهن؟ لأن الفلسفة لها أيضا مؤسساتها وبعدها الرسمي… إلى الحد الذي جعل البعض يقول أنها تقوم بوظيفة إيديولوجية وهي حراسة التفوق الذكوري… أي قد يكون هذا الجواب الذي هو حصر وجود الفيلسوفات في القرن العشرين جوابا غير محايد.
فعلاقة الفلاسفة بالنساء ليست سوية، كما توضح ذلك فيلسوفات معاصرات في كتابهن الجماعي المعنون بـ“النساء من أفلاطون إلى دريدا” (دار النشر، بلوم، 2000)، إضافة إلى أن ريجين بييترا أوضحت في كتابها المعنون بـ”النساء الفيلسوفات في الحقبة الرومانية اليونانية القديمة” (دار النشر، لارماتان، 1997) وجود فيلسوفات منذ ذلك العهد مثل:
– ليون صديقة أبيقور
– هيباشيا إحدى أتباع الفلسفة الكلبية
– هيباتيا الأفلاطونية
– دامو ابنة فيثاغورس.
ما هي الأسباب الكامنة وراء هذا التغييب المثير للنساء الفيلسوفات والذي تكرسه الكتب الرسمية في الغرب والشرق ؟
هناك مجموعتان من الأسباب:
أ) أسباب تتمحور حول الثنائية ذكر/أنثى (وهي ثنائية جنسية تختلف عن ثنائية النوع: مذكر/مؤنث).
فالثنائية ذكر/أنثى كاختلاف جنسي هي أساس التصور حول العالم، فوراء جميع الاختلافات يوجد الفارق بين الجنسين بما في ذلك المقولات الفكرية.
تقول فراسواز هيرتيي:
“الاختلاف بين الجنسين هو أساس كل فكر سواء كان تقليديا أم علميا” (ف. هيرتيي، ذكر/أنثى، فكر الاختلاف، 1990)
فأصل الأنظمة الذهنية المؤسسة على التعارضات والثنائيات هو أصل بيولوجي: لأن “الكل يبدأ من الجسد”.
لكن يجب الانتباه إلى أن المشكل لا يكمن في الفارق بين الجنسين كفارق مميز وإنما يكمن في:
– إضفاء التفوق على الذكر
– وإضفاء النقص على الأنثى.
تقول جونفييف فريس:
“بما أن الرجل هو ذات الخطاب الفلسفي، فإن موضوع ذلك الخطاب –أي الآخر- سيكون بالضرورة هو المرأة. وهكذا فكل الفكر الثنائي يجد جذوره في فكر الاختلاف الجنسي. وتمثل المرأة – أو المؤنث – القطب الآخر، المختلف، والذي هو القطب السلبي”.
وهكذا يمكن القول أن الفلسفة ذاتها لم تخرج من دائرة الثنائيات: الروح/الجسم، الذهن/المادة، التعالي/المحايثة، الذات/الموضوع، الفكر/الشيء، الفاعل/المنفعل، المطلق/النسبي…
ويقول هيجل في هذا الصدد:
“إن الطبيعة هي التي تخص جنسا معينا بقانون خاص به، وتخص الجنس الآخر بقانون آخر”.
ب) المجموعة الثانية من الأسباب تتعلق بالموقف الفلسفي الذكوري من النساء والذي يتلخص فيما يلي:
– التعبير الصريح عن عجز النساء عن التفلسف كجنس لعدم قدرتهن على إدراك وتمثل الكوني (هيجل)
– دعوتهن لعدم التفلسف لأن التفلسف سيصيبهن بالعقم والقبح والمواصفات الذكورية، إضافة إلى أن النساء هن الجنس الضعيف الذي يفضل البقاء في حالة القصور وعدم التخلص من الأوصياء، وعدم الرغبة في الاستعمال الشخصي للعقل (كانط)
– جعل حرية النساء رهينة بتحرير الطبقة العاملة التي وحدها بإمكانها حسب المادية التاريخية تغيير علاقات الإنتاج تغييرا ثوريا (ماركس)
وواجهت فيلسوفات معاصرات هذا الإشكال:
فـ”لوس إريغاراي” فككت الطابع الجنسي للخطاب الفلسفي ابتداء من النصوص الفلسفية الكلاسيكية الكبرى مثل نص جمهورية أفلاطون.
وسارة كوفمان تناولت الطابع الإيديولوجي للنصوص الفلسفية والتحليل-نفسية وفضحت خلفيات ما يسمى باحترام النساء،
وميشال لودوف ركزت على الوضعية الخاصة للنساء في التاريخ الرسمي للفلسفة وخاصة تبعية المرأة المفكرة للفيلسوف:
مثل:
– علاقة هيبارشيا بـ كراتيس الفيلسوف الكلبي
– وعلاقة هيلويز بأبيلار
– وعلاقة إليزابيت بديكارت.
خصوصية موقف إيمانويل ليفناس:
تميز موقف إيمانويل ليفناس في هذه المسألة باعترافه بالطابع الجنسي للخطاب الفلسفي، وأقر بأنه ينطلق من وجهة نظر ذكورية.
ويمكن توضيح هذا الموقف أكثر من خلال مفهوم الغيرية: فالآخر يوجد خارج أفقي بشكل مطلق، فهو آخر بالمطلق، أي لا شبيه له، فبيني وبين الآخر توجد مسافة لا يمكن عبورها، وهوة لا يمكن ردمها. ويكفي أن نضع بدل كلمة الآخر كلمة المرأة/الأنثى ليتضح الموقف أكثر.
دريدا والاختلافات الجنسية:
تناول جاك دريدا مسألة المرأة والمؤنث من خلال مفهومه نزعة التمركز حول اللوغوس والقضيب (أي العقل ورمز العضو الجنسي ألذكوري)
يقول دريدا: “أتناول بالخصوص (…) الاختلافات الجنسية، وليس مجرد اختلاف جنسي واحد (…) إن ما أسميه بنزعة التمركز حول العقل والفالوس هو خاصية بنيوية تميز الخطاب الفلسفي (…) يجب الاعتراف بقوة التمركز حول العقل والفالوس الراسخة والتي تحدد تراثنا تقريبا. أما فيما يخص التراث الفلسفي وعلاقته بهذا الإرث المتمركز حول العقل والفالوس فإنه ممثل (…) بأفلاطون وفرويد ولاكان وكانط وهيجل وهايدجر وليفناس…”
ولاحظ دريدا ارتباط الفلسفة باستمرار بوجه ذكوري. فالفيلسوف هو رجل ويمكنه أن يكون أبا أيضا، لكن من النادر أن يكون امرأة أو أما حتى بالمعنى الرمزي..