الأستاذ محمد الهلالي
1
لا ينفصل الإصلاح الديني وتدبير الحقل الديني عن الصراعات الإيديولوجية من أجل اكتساب الشرعية الدينية ونزعها عن الخصم عبر ممارسة مضادة وتأويل مضاد للنص المؤسس.
إن الحديث عن الحقل الديني باعتماد فكرة “الحقل المتميز المنفصل والخاص والمنسجم”، حقل يمكن التفكير فيه وتدبيره وإصلاحه كمجال خاص يتم التدخل فيه من داخله، لا يستند إلا على رغبة أو تضليل.
ليس الدين المراد تدبيره وإصلاحه إلا آلة حرب طبقية احتدت نارها بفعل عوامل ظرفية جديدة، وبفعل أزمة إيديولوجيات المعارضة “العلمانية” أو انحسارها المؤقت. إن الإشكال الأساسي في الدين هو معرفة الأسباب التي جعلت فئات اجتماعية تحيّن الاستعمال الحربي للدين وتشحذ سيوفها على مِسَنّ القرآن والسنة.
يتخذ الصراع الديني صيغا وطرقا مختلفة حسب المطالب والخصوم. لكن ليس هناك صراع ديني خالص. ليس هناك صراع ديني من أجل الدين. هناك صراع بالدين وبواسطة الدين من أجل تحقيق غايات تتجاوز الدين نفسه.
إن الدولة التي احتمت بالدين واحتكرته، واستغلته واستعملته كأداة لمحاربة خصومها، وغضت الطرف عن تشكل “إجرام باسم الدين”، وشاهدت بأم عينيها قتل معارضين باسم الدين ومن طرف محسوبين على الدين… هي نفس الدولة التي تقوم اليوم بتدبير الشأن الديني للحد من خطورته عليها، وعلى المجتمع.
كانت الإيديولوجية الاشتراكية خطرا على الدولة المغربية وعلى مصالحها. وبما أنها دولة مفلسة إيديولوجيا، لأنها دولة تتبنى الليبرالية الاقتصادية بدون فكر ليبرالي، بدون ليبراليين، بدون قيم ليبرالية، فقد اضطرت في صراعها ضد الخصم الطبقي الإيديولوجي إلى الاحتماء بالدين وترسانته العتيقة التي تم إخراجها من غمدها للاستعمال المُبيّت والمخطط له. فهل يتعلق الأمر بتدبير تقني مرحلي ظرفي مصلحي للدين؟ أم بإصلاح ديني؟ وهل يتعلق الأمر بالإصلاح الديني أم بإصلاح “السنة”؟ (بالمعنى الذي نجده في كتاب السنة والإصلاح لعبد الله العروي) وكيف يمكن إصلاح “السنة” في الوقت الذي نقوم بإحيائها حين نود إصلاحها؟ لأن تجديد “السنة يعني بالضبط استحضارها بعد نسيان، استئنافها بعد تعثر، استجلاءها بعد خفاء”. كما أن الحديث عن الدين الذي تحول إلى “سنة”، يتطلب الحديث عن البدعة التي هي ذريعة تتخذها السنة لمقاومة كل تجديد، ومجاوزة الإصلاح، خاصة إذا كان السلطان “يرتدي منذ البدء لباس القداسة”، وذلك للعلاقة الوثيقة بين “تصور الحاكم المطلق” و”تصور الإله الواحد”، هناك تناظر بين السماء والأرض، بين المطلق في السياسة والمطلق في الدين. لا يمكن طرح مسألة الإصلاح الديني دون طرح مسألة التوحيد في الأرض والسماء، فالتوحيد “يؤدي ضرورة بالناس إلى تفويض إدارة شؤونهم إلى فرد مطلق التصرف شريطة أن يوازن إطلاق السلطة العدل والإنصاف”، فلا يمكن للبشر أن يتصوروا الله “إلا جالسا على عرشه يفصل في قضايا الكون، يحيط به أعوان وموال حسب ترتيب محكم ومراسيم دقيقة”. ألا يمكن القول أن هبّة الدولة لتدبير الشأن الديني وإصلاحه هي نفسها حركة “السنة” الحذرة المتأهبة التي “تخشى باستمرار إما هجمة الخارج وإما مروق الداخل فتتصرف كالسلحفاة، كلما استشعرت الخطر تقوقعت لتستمسك وتصمد ؟”.
2
إن الأساس الديني والتاريخي والسياسي لإمارة المؤمنين هو مسألة الخلافة وشرعية الخليفة الدينية والدنيوية، بناء على الفكرة الشائعة التي تقول أن “أساس كل حكم في الإسلام هو الخلافة”، والخلافة هي “خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا به” وخطورة وضع الخليفة هو أن له حق التصرف “في رقاب الناس وأموالهم وأبضاعهم”. ويمكن حصر مآل هذا الإشكال في الفكرتين التاليتين:
– يتضمن الدين الأساس الشرعي للخلافة، ويكون الخليفة بذلك ظلا لله وخليفة لرسوله.
– لا أساس شرعي للخلافة في الدين، ويستمد الخليفة شرعيته من الأمة (جماعة المسلمين) عن طريق الاختيار.
وإذا كان تنزيه الإسلام النبوي عن الممارسة السياسية، بمعناها البشري وبما تحتمله من صواب وخطأ، يهدف إلى رفع النبي إلى أعلى مرتبة تتطلبها النبوة حتى لا يختلط وضعه كنبي بوضع الحاكم أو الملك، وحتى لا تترتب عن هذا الوضع دولة نبوية تاريخية تمس الطابع الإلهي للوحي (الحق المطلق مقابل الرأي البشري للنبي وصحابته الذين شكلوا القيادة العليا للغزوات والحروب الداخلية) فإن تاريخية الحكم الإسلامي في العهد النبوي واقع عنيد (ولو عبر التأويلات والتأويلات المضادة) يطرح مسألة المكون السياسي في الإسلام منذ تشكله الأول وتحوله إلى مؤسسة (ولو بمظاهر التقشف والبساطة التي ميزت حياة القائد الأول).
فلجوء دولة النبي للجهاد واستعمال القوة والقهر والغلبة لم يكن ضرورة من ضرورات الدعوة إلى الدين الجديد، وإنما كانت ضرورة سياسية لحل مشاكل الجماعة وتناقضاتها.
تَرِثُ إمارة المؤمنين هذا الإشكال المتعلق بالشرعية الدينية. هذه الشرعية التي تتخذ الدين الإسلامي التاريخي كإرث جماعي مشترك كإيديولوجية تبريرية وتوحيدية. إلا أن قوة هذه الإيديولوجية تختلف حسب التصور المُتبنى: فهل شرعية أمير المؤمنين شرعية منصوص عليها إلهيا؟ أم أنها شرعية التاريخ والاختيار الجماعي، مع ضرورة القيام بحفظ الدين إلى جانب حفظ الدنيا؟ ذلك أنه “لا توجد بعد النبي زعامة دينية (…) وإذا كانت الزعامة لا دينية فهي ليست شيئا أقل ولا أكثر من الزعامة المدنية أو السياسية، زعامة الحكومة والسلطان لا زعامة الدين”. وهذا الاختلاف الجذري بن زعامة النبي وزعامة من يخلفه يؤسس لتصور سياسي يقيم شرعية الخلفاء على الاختيار وليس على النص الديني. إن “زعامة النبي عليه السلام كانت زعامة دينية، جاءت عن طريق الرسالة لا غير، وقد انتهت الرسالة بموته صلى الله عليه وسلم، فانتهت الزعامة أيضا، وما كان لأحد أن يخلفه في زعامته، كما أنه لم يكن لأحد أن يخلفه في رسالته”.
3
“إن الحلول التي أتى بها النبي كانت مؤيدة بالسلطة الإلهية بكل تأكيد”، وهي حلول جاء بها في العشر سنوات الأخيرة من حياته (وهي فترة قصيرة إذا قورنت بعقدين كاملين استغرقهما تأسيس الدعوة عقائديا)، ولا شيء “يدل على أنها كانت تحظى في ذهن النبي وصحابته بالقيمة المطلقة التي حظيت بها فيما بعد”.
لا أحد يدعي “امتلاك سلطة تشبه سلطة النبي”، فهل عالج المسلمون الأوائل هذا المأزق عبر الجهاد الذي يمكن اعتباره شأنا سياسيا وليس دينيا مادامت الدعوة للدين لا يمكن أن تتم مبدئيا بالقوة والغزو؟
لم يهتم القرآن “بمفهوم المجتمع السياسي ولا بمفهوم الدولة أو السلطة، كما أنه لم يعِد المسلمين بدولة أو ملكية، وإنما وعدهم بالجنة”. وإذا استحضرنا قول ابن تيمية: “إن الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا ينصر الدولة الظالمة وإن كانت مؤمنة”، يتبين لنا التخبط في مسألة الحكم السياسي في الإسلام.
فكيف يمكن لتدبير الشأن الديني أو إصلاحه أن ينسجم مع النظام الديمقراطي الذي يتم باسمه هذا التدبير والإصلاح؟ هل الأمر رهين فقط بالديمقراطيين؟ وما شأن الإسلاميين الفاعلين في الحقل السياسي الذين يتراوح موقفهم بين تكفير الديمقراطية وبين التقية السياسية النفعية التي تستعمل الديمقراطية كوسيلة لتصفية الديمقراطية؟ فمنذ “جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، المصلحان الأساسيان للفكر الإسلامي في نهاية القرن التاسع عشر، والمؤسسان للإسلام السياسي الحديث، وموقف الإسلام السياسي تجاه الثقافة والقيم الديمقراطية الغربية موقف جد غامض”.
4
هل يمكن حقا السكون لفكرة “الإسلام المغربي”، أي هذا الإسلام الذي يحده مجال ترابي؟ ألا تدل هذه النظرة على مغامرة أساسها إما خصوصية مرغوب فيها وإما استسهال غير مفكر فيه؟ فلا حدود للفكر الديني الإسلامي مبدئيا وتاريخيا. كما أنه من الصعب الارتكاز على الفقه المالكي الرسمي للقول بإسلام مغربي، لأن هذا يعني تجاهل كل أشكال الإسلام الأخرى التي تبناها وعمل بها المغاربة.
يُفترض أن سيادة الفقه المالكي رسميا سبب كاف لتوجيه التعامل مع النص القرآني والسنة النبوية، وتوجيه التأويل، ويفترض أيضا أن فئة الفقهاء “الرسميين” هي مقياس الإسلام المغربي السائد. يقال من الناحية الرسمية أن الإسلام المغربي يستند على العقيدة الأشعرية التي تؤمن بأزلية صفات الله وبكونها زائدة على ذاته، وبقدم القرآن باعتباره كلام الله، وبخلق جميع الأفعال البشرية، وبحقيقة رؤية الله بالأبصار يوم القيامة وبأن الكبيرة لا تُخرج من الإيمان وبأن الشفاعة والميزان والحوض والبرزخ حقائق دينية. ويستند أيضا على المذهب المالكي الذي يقوم على أصول عدة هي القرآن والسنة والإجماع وإجماع أهل المدينة والقياس وقول الصحابة والمصلحة المرسلة وسد الذرائع والاستصحاب والاستحسان. ويوصف المذهب المالكي بالوسطية والاعتدال، كما تضاف إليه التجربة التاريخية للأمازيغ الذين اعتنقوا الإسلام وأغنوه، لأنه مذهب الحفظ والاجتهاد. علما بأن “الفقهاء المالكيين فقهاء محافظون ويحبطون كل محاولات الإصلاح ويعادون كل ميل نحو التقدم”. كما يستند إضافة إلى ما سبق للتصوف على مذهب الجنيد البغدادي (أبو القاسم الجنيد بن محمد الخزاز القواريري الذي توفي سنة 911م/297هـ).
وإذا أخذنا كل ما سلف بعين الاعتبار فما طبيعة إمارة المؤمنين المغربية ؟
تَمّت البيعة بالمغرب، حين الانتقال من دولة لدولة أخرى، بكيفيتين على وجه العموم: البيعة عن طريق الغلبة والقهر والإرغام كما حدث مع المرابطين والموحدين والمرينيين. والبيعة عن طريق الاختيار كما حدث مع الأدارسة والسعديين والعلويين. أما داخل الدولة الواحدة فإن الخيار السائد كان هو ولاية العهد.
ومن الواضح أن التمييز منهجي فقط، وذلك بسبب التداخل بين الخيارين (القهر والاختيار)، خاصة وأن القهر لا يتم دائما من خلال الحرب والإرغام على الخضوع والتنكيل بالمخالفين والرافضين. وإذا كان منطلق البيعة هو “حفظ الدين والأرواح والأموال والأعراض”، فإن أساسها هو ممارسة السلطة من منظور الغالب.