الأستاذ محمد الهلالي
المجتمع المدني بالنسبة للمثقف النفعي:
إن أسوا ما قام به المثقف النفعي (الذي اكتشف النفعية في خضم الفشل والتهميش) هو انقضاضه على مفهوم المجتمع المدني ليقدم ولاءه للأسياد وليتصالح مع الليبرالية (التي لا زالت متوحشة وفتاكة في المجتمعات العربية) ومع الطبقات التي ناصبها العداء في مراحل المد الثوري (إيديولوجيا على وجه الخصوص).
لقد وجد المثقف النفعي الفرصة ليشهر بماضيه ويلعن ملهميه الأوائل، من اشتراكيين وماركسيين، وليمكن الأمن والسلام والتعايش والاختلاف والتضامن (في حياته الخاصة طبعا والأنانية جدا) وكأنه اكتشف أخيرا هذه القيم الحميدة.
إن ضحالة المثقف النفعي ترجع أساسا لكونه يفتقد فعليا لأول شرط يجعل منه مثقفا وهو التحرر من كل سيد وتدعيم مجال الحريات للجميع بدون استثناء وبدون الخضوع لأية ظرفية.
المجتمع المدني بالنسبة للمثقف التقني:
المثقف التقني الجديد هو صاحب الخبرات “القيمة” من منظوره الشخصي، وليس من الصدفة أن يتم هذا في مرحلة كسدت فيها أسواق المدح والمداهنة، كما كسدت أسواق الشعارات المهيجة للحشود التي تملأ الآذان وتترك البطون فارغة. جاء إذن زمن المثقف التقني، ومن الخبرة الثقافية النفعية: ظهر المثقف التقني التي يحتاجه الجميع وينبهر بخبراته الجميع ولكن بدون مودة حقيقية.
يتناول المثقف التقني المجتمع المدني تقنيا، أي من زاوية الخبرات التقنية المرتبطة بسوق العمل الرأسمالي (التبعي). وهو ما يجعله يعتقد أن المجتمع المدني كان وليد الرأسمالية وإيديولوجيتها اللبرالية (المتوحشة). لذلك يجب حسب هذا المثقف عمل كل شيء بما في ذلك القضاء على كل أشكال الحكم والتسيير التقليدية، لتدعيم الاستهلاك، وجني المزيد من الأرباح. إن ما نحتاجه هو الأمن والسلام والضمانات الحقيقية لسلامة الأموال المستثمرة في بلدان الشعوب المتخلفة مثل البلدان العربية. إن المجتمع المدني هو “هؤلاء العقلاء من الناس” الذين يتحملون مسؤولية الأمن، ويكونون وسطاء بين الدولة العاجزة في غالب الأحيان وبين الطبقات السفلى لاستشعار الخطر ولصده: إن المجتمع المدني هو مجتمع حضاري مصغر يعمل على نشر الحضارة في الأوساط غير المتحضرة…
وهنا يأتي المجتمع المدني، كجيش مدني مصغر، لمنع الأعداء من الزحف وصدهم إن اقتضى الصراع ذلك…
يستنتج المثقف التقني ضرورة وجود المجتمع المدني ما دام النظام الاقتصادي أصبح كونيا وأصبح يحدد مجمل العلاقات الإنتاجية في جل أنحاء العالم.
يمكن القول بصدد هذا المنظور أنه تبرير تقني (أي سطحي وأداتي) لواقع مرغوب فيه ومشكوك في وجوده.
المجتمع المدني بالنسبة للاشتراكي:
انقض الاشتراكيون بدورهم على مفهوم المجتمع المدني لشحنه بالمعطيات الإيديولوجية، معطيات تخصهم هم بالذات. فالاشتراكيون لم يتزحزحوا عن هوسهم التاريخي العتيد والذي هو: “استلام السلطة السياسة اليوم أو غدا وبأية طريقة كانت”. إن الأمر لم يتعلق أبدا عندهم بمشروع مجتمعي يقتضي العمل الدؤوب عبر السنين والأجيال لتغيير العقليات والأفكار وأساليب التسيير. إن الرهان على السلطة لم يكن اشتراكيا بل كان “تسلطيا مشخصنا” أي مجسدا في أشخاص هو زعماء لا يقبلون الموت قبل تبوأ سدة الحكم والموت فيها، ولا يتم ذلك بالضرورة عن سوء نية، بالرغم من أن أساس هذا التصور فاشستي.
لذلك لما أصبحت فرضية المجتمع المدني فرضية حية تجابه الفرضيات الأخرى تم حسم الأمر بمماثلة مضمون المجتمع المدني بملحقات الحزب (النقابة، اتحادات ورابطات الكتاب، تنظيمات الشبيبة والنساء…).
إن ذهنيات وأساليب عمل هذه الملحقات الحزبية ليست مدنية و‘نما هي حزبية موالية أساها التمثيلية والزعامة، تحركها قيم التنافسية الإقصائية. لذلك فالمجتمع المدني هو هنا عبارة عن صيغ وأشكال فارغة من المحتوى المدني.
المجتمع المدني بالنسبة لليساري:
توهم أغلب اليساريين أنهم وجدوا الحل السحري الذي سيعبر على الأقل عما كانوا يودون إيصاله إلى المجتمع المضطهد منذ سنين دون أن يتمكنوا من ذلك، فكلمتهم كانت إما مقموعة أو مشوهة.
لقد تعلق أغلب هؤلاء بفكرة المجتمع المدني باعتبارها فكرة تدل على كل الشعب الذي لا مصلحة له في الأوضاع الحالية، أخذا بعين الاعتبار أن هذا الشعب له طلائع متنورة بل وملتزمة بقضايا الشعب المصيرية، وتنتظم في جمعيات وإطارات. لكن المرجعية الماركسية تعرض هذا التبسيط للإحراج: فما الفرق بين المجتمع المدني وبين المنتجين والكادحين والمثقفين الثوريين؟ ما محل البرجوازية المستغلة والمثقفين البرجوازيين في المجتمع المدني ؟
يميل اليساريون عمليا إلى تصور غرامشي، فالأمر يتعلق بمرحلة انتقالية وبممارسة إيديولوجية من أجل الهيمنة، وبالإعداد الإيديولوجي للفئات النشطة لتحويل المجتمع.
إن تصور اليساريين عن المجتمع المدني تصور امض، خاصة وأنهم لا يقبلون أن تصبح ملحقات الأحزاب الاشتراكية (تنظيماتهم الموازية) تنظيمات مدنية إلا شريطة انفصالها عن خدمة أحزابها (بالمعنى الضيق للكلمة)، أي انخراطها الجذري في قضايا الشعب (من منظورهم): لكن مفهوم الشعب الغامض هو الذي لازال يتحكم في تصور المجتمع المدني لدى اليساريين.