بقلم: الدكتور محمد الطالبي
ترجمة: الأستاذ حسن بيقي
إن الدهرنة لها جذور في ماضينا العربي-الإسلامي. وبالتالي لن يكون هذا المسعى الذي نروم الخوض فيه إلا جديدا كل الجدة. مبدئيا لست ضد أي تأمل يرمي إلى تقعيد شكل مجتمع مؤسس على المساواة التامة لجميع المواطنين الذين لا يتقاسمون معا القناعات الدينية ذاتها. علاوة على ذلك أعتقد أن بلدانا ستعرف مستقبلا تقلصا في أحادية المذاهب الطائفية. تاريخيا نحن نتجه صوب تعددية كونية والتي تدعونا إلى ضرورة تعميق التفكير فيها مع وجوب تعلم كيفية تدبيرها. من الناحية الشخصية لست من أولئك الذين يعادون العلمانية شريطة ألا تكون إيديولوجية مضادة للدين. فلكي تكون العلمانية مقبولة في مجتمعاتنا، لابد من بدل جهد فكري لشرح معناها لدى عامة الناس، وإزالة فتيل التمثل القدحي إزاء هذا المفهوم، تمثل يرى فيه وسيلة ماكرة لاستئصال كل ما هو إسلامي لدى المسلمين. للأسف لدينا أحيانا حالات تاريخية من هذا القبيل: حالة التجربة السوفياتية الستالينية. هكذا يتوجب علينا أن نخوض كلاما عسيرا مع الناس لإقناعها بمدى أهمية إمكان العيش المشترك، كل واحد حسب أخلاقيته مع الأخذ في الاعتبار بوجود أخلاق مشتركة ضمن مفاهيم كالمساواة، الأخوة، الخير والشر، بحيث يجسد كل واحد منا تصوراته وفق طريقته الخاصة.
ضمن هذا المنحى سأسمح لنفسي باستعارة عبارة المفكر محمد إقبال التالية: “إعادة بناء الفكر الإسلامي” والذي أعتبره بالمناسبة فيلسوفا عظيما وشاعرا إنسانيا ورؤيويا. للأسف لم يسعفه النجاح في إرساء حركة يناط لها إعادة بناء فكرنا المعاصر منذ أمد طويل. وعليه ألا يمكن العودة والحالة هذه إلى اللحظة التاريخية حيث خلصت الهليينية إلى زواج سعيد مع الإسلام، والذي أفضت إلى ولادة علم الكلام، علم أيقظ تأملات حول الأخلاق بغية إعادة بناء فكرنا بالسعي إلى إيجاد مرة أخرى حركة فكرية تتوسل أدواتا حديثة، وفي تعالق تام مع الفكر المعاصر في أرقى صوره الحية والأكثر إثارة للعقل؟ إنجاز مثل هذا العمل الفكري لا يكفي جهد شخص واحد مهما علت قدراته. لهذا السبب، كنت أشد إصرارا وإلحاحا على ضرورة خلق مركز دراسات مفتوح وحر. في الآونة الأخيرة طلب مني إلقاء محاضرة في جامعة الزيتونة عنونتها ب”دراسات بين الأديان”. فمن غير المعقول أن نكون مفكرين مسلمين دون دراية بالديانة اليهودية والتي تتواجد في قلب الإسلام. موسى ذكر مئات المرات في النصوص القرآنية، مثلما هو الأمر بالنسبة لعيسى؛ فقد ردد ذكره مرات عدة وكذا الأمر بباقي الرسل والأنبياء. ينبغي على الأقل معرفة سيرتهم. كما يتوجب كذلك توسيع دراساتنا للمذاهب الإحيائية وللديانات الآسيوية، التي تأوي نصف الجنس البشري. فوجود مثل هذا المركز للدراسات يجب أن يتيح لنا إحداث زاوج لزمننا على المستوى الثقافي. لكن ما يقع هو أننا نعيش حياة كائنات بشرية منطوية على أنفسها. نجد مثلا كما هائلا من المخطوطات في مكتبات أوربية، لكن في المقابل لا نعثر على أي شيء من هذا القبيل في بلدان إسلامية. فطالما هناك غياب بالاهتمام بالأخر، فلن يكتب الوجود لأي فكر حر في مجتمعاتنا الإسلامية.
إذا ما استعنا بكتابات محمد الغزالي كأنموذج تطبيقي، فنحن واجدون فيها بعض أفكار إيجابية من قبيل قوله” عوض بناء المساجد، ننشئ المصانع”. لكن تبقى مع ذلك جموع أفكاره محافظة وناسخة طبق الأصل لإسلام قرون الوسطى. يتجلى ذلك في استصدار فتوى إثر اغتيال فرج فودة احتوت على أفكار في منتهى العبث والاستفزاز والكره. ومن غرائب الأمور أن تجد إنسانا يعتبر نفسه عالما يسمح لنفسه بشرعنة الاغتيال. فأن يشرعن المرء لاغتيال لشخص واحد معناه أنه يشرعن على القيام بأي شيء. فاستصداره بهذه الفتوى يعد في نظري أمرا فضيعا مقارنة مع فتوى الخميني التي ورد فيها ضرورة إهدار دم الروائي سلمان رشدي، وإن كان لم يترتب عنها، لحسن الحظ، موت الرجل. لكن ما قام به الغزالي هو سعيه إلى تبرير واقعة الاغتيال. الإسلام حاليا يسمح بالقتل بجريرة في الرأي. وهذا أمر غير مقبول نهائيا. لننظر في مؤلف الغزالي: “حقوق الإنسان في الإسلام”. نجد أنه يشرعن لحكم الردة؛ حكم يرخص قتل كل شخص مرتد عن الإسلام، على اعتبار الردة، بالنسبة له خيانة عظمى. فالخروج عن الأمة، منظورا إليها كدولة هو إذن جريمة خيانة عظمى. لهذا لا يمكن أن نتخيل موقفا أكثر هلاكا للعقل والمجتمع معا من هذا الموقف. للأسف أبان العلماء في هذه المسألة بالذات، إلى حدود الآن، عن نزعة محافظة مدهشة إثر استحسانهم لفكرة المرتد الآتية من متاحف الماضي العتيق. إن فكرة عقاب المرتد ينبغي رفضها نهائيا من داخل المرجعية الإسلامية ذاتها. بل الأنكى من ذلك، عمدت جامعة الأزهر إلى إضفاء المشروعية المؤسساتية على هذه الفتوى. فمن الملاحظ إذن، في هذا النوع من المواقف المحافظة المضادة لصيرورة التاريخ هي المواقف التي سيخوض فيها رجال الفكر التنويري معارك مستقبلا. ليكن هذا المثال حجة توضيحية: أصدر كاتب باكستاني مؤلفا حول المرتد في الإسلام، كتاب يندر العثور عليه بسبب سحبه من جل المكتبات. تسعى أطروحته إلى بيان على أن فكرة الردة لا يوجد لها أي سند في النص القرآني. مثلما سبق لي فعلا أن كتبت في هذا الموضوع، وأثبت عدم وجود كلمة واحدة في القران تجيز قتل المرتد. ما عدا وجود حديث مطعون في صحته. فما ينبغي للمثقفين القيام به الآن هو أن تتعبأ للجهر ب”لا” لعقوبة المرتد. فمادام يقطن هذا القانون ذاكرة الناس الجماعية، وما لم يتجاسر العلماء أنفسهم على معارضته، فستمتلك الأنظمة الكليانية أداة في غاية الفعالية من أجل إقصاء معارضيهم. ففي ضوء قاعدة جريمة المرتد، شرعن الإسلام السياسي جرائمهم في الجزائر. ها نحن إذن أصبحنا أمام ظاهرة كليانية لاهوتية في مجتمعات الإسلام، تلجأ فيه إلى التوظيف الدائم للعقاب بطريقة انتقائية. بهذا المعنى، صنع اللاهوتيون السلاح واستعملته السلطة السياسية لأجل تفرقة الناس بعضهم البعض. وهذا ما جعلني أخص صفحات طوال تعلقت بتأملاتي حول قضايا الإسلام ومسألة التعددية. تلك كانت إذن الأسباب التي دفعتني إلى معارضة الغزالي.
هكذا ينبغي لكل إنسان القبول بفكرة التعددية، أي سيادة التعايش السلمي مع الغير وفق قاعدة الحق في الاختلاف. فإذا استطعنا تحقيق هذا المسعى الفكري سنكون في أوسع تقدير قد خطونا خطوة كبرى إلى الأمام. أنا ما زلت أنتظر فيه يوما أرى مسلما يضع ورقة التصويت في صندوق الاقتراع وفق قناعاته الشخصية، أي أن يختار رئيسا أو نائبا برلمانيا سيمثله من وجهة نظره أحسن تمثيل حيث يقدم ضمانات لمجتمع المسلم وغير المسلم.
—
المرجع: Mohamed Talbi, Réflexion d’un musulman contemporain