بقلم الأستاذ محمد الهلالي
من الشعارات المترسخة في ذاكرة المحتجين على الدولة المغربية من طلبة ونقابيين ونشطاء من مختلف الاتجاهات الشعار القائل: “لا ثقة في الحكومة لا ثقة في البرلمان”. وهي عبارة عن خلاصة لتجربة طويلة مع الدولة المغربية التي لا تمثل الحكومات المتتالية إلا يدها المنفذة وقبضتها الضاربة في كل مكان وفق “المصالح العليا للأعيان والخلان”.
ليست الدولة أداة محايدة ولا كيانا أخلاقيا، وإنما هي في جميع الحالات ترسانة من المؤسسات والقوانين والإجراءات التي تخطط وتنفذ وتسهر على مصالح الفئة أو الفئات التي انبثقت منها، وتستمد منها الدعم والمشروعية. وهذا أمر لا يطرح أي إشكال مادام تاريخ نشأة الدولة الحديثة منذ القرن السادس عشر رسخ وقعد هذا الوضع.
إن ما يجعل هذا الواقع بديهيا هو أن نفس الدولة الداعمة لمصالح الفئات المنتمية لها تقوم بمجموعة من الإجراءات والمهام والخدمات تجعلها مقبولة في نظر الفئات الأخرى التي تنتقدها وتحتج عليها، وتناصبها العداء وتعمل نخبها على البحث عن كيفية للقضاء عليها واستبدالها.
لكن حينما يتعلق الأمر بدولة تخدم مصالح “الأعيان والخلان” وتتعامل مع الفئات الأخرى “كالخدم وأحيانا كالحيوان”، فإن أساس الدولة وسبب وجودها ومشروعيتها تصبح أمورا لا معنى لها.
إن ما تقوم به الدولة في مجتمع متخلف هو استعمال أسوأ إيديولوجية وأسوأ وسائل الإكراه، وكأن همها الوحيد ليس هو تحقيق مشروع مجتمعي وإيجاد حلول للمشاكل والرقي بالشعب، وإنما دوام مصلحة الأشخاص والفئات المستفيدة من وجودها على المدى القصير. أي أن الحكام والمنظرين لهم لا ينظرون للدولة باعتبارها قاطرة تجر المجتمع إلى الأمام بالاهتمام بالأوليات وتفكيك القنابل الموقوتة التي قد تفجر الوضع بأكمله على المدى المتوسط والبعيد.
فبالإضافة إلى مسألة حرية التعبير والاعتقاد التي تتعامل معها الدولة باستخفاف وتمارس إزاءها المنع والحجز والتضييق كما هو الأمر مع الصحافيين والمدونين والحقوقيين، هناك إضافة إلى ذلك المحاكمات السياسية لشخصيات سياسية يعرف الجميع تاريخها السياسي النضالي وانتقالها النقدي إلى النضال السلمي المدني اعتمادا على رؤية تنويرية تقدمية للإسلام مع الانفتاح على القوى التقدمية (مثل المرواني والمعتصم والركالة…) والانتقام من ماضيهم واستعمال وزارة الداخلية لكل ثقلها منذ اعتقالهم لتوجيه المحاكمة والتحكم في النتائج، وكأن سجنهم وتدمير معنوياتهم سيقدم شيئا جديدا للدولة وأمنها علما بأن العكس هو الذي سيحصل، وستؤدي الدولة ثمنا باهظا عن أخطاء موظفيها الذين ليست لهم رؤية استراتيجة لمستقبل الصراعات الإيديولوجية في المغرب.
إن الذين توهموا يوما أنه بالإمكان إصلاح الدولة سلميا ومن داخلها وجعلها تعتمد القوانين بكل نزاهة، ورأوا في التشدد حلا “غير تاريخي” من الإسلاميين المتنورين واليساريين الثوريين… سيدركون بسبب هذا النوع من التصرفات وبسبب الملف الاجتماعي أنهم أخطأوا التحليل والهدف، وسيجدون في أخطاء الدولة وحساباتها الأمنية غير المبررة ذرائع وحججا لإعادة النظر في منظوراتهم السلمية المدنية…
لا ينبع الاحتجاج على الدولة من رغبة شخصية وذاتية في البطولة أو في التضحية أو الشهادة، وإنما ينتج أساسا عن تردي الوضع الاجتماعي والأمني وهو ما يترجم في تشكل نخب طلائعية تقدم حلولا متطرفة نتجت عن تطرف الدولة.
إذا كانت الدولة طبقية في المجتمع الطبقي فهذا لا يمنعها من أن تحترم التزاماتها وتعاقداتها، وأن تأخذ بعين الاعتبار أن مشروعيتها لا يمكن أن تتحقق على جثث شعب يعاني من سوء التدبير في مجال الإدارة والسكن والمواصلات والتعليم والتطبيب…
وإذا كان على الناس أن يحلوا مشاكلهم اليومية بأنفسهم واعتمادا على قدراتهم الخاصة وعلى عائلاتهم ومعارفهم، فما الحاجة إلى دولة تجني الضرائب لتشيد بها ما للضرر لا ينفع ولوجودها لا يشفع ؟
وكلما أرشت الدولة الصحافيين واشترت الصحف وأججت الخطابات الموالية والمادحة كلما ازدادت ضعفا وفقدت مشروعيتها وأفرغت في نفس الوقت الصحافة والصحافيين ن كل مصداقية.
هناك إصرار قاتل على أن تستغبي الدولة الشعب وأن تستغله عبر أسوأ إيديولوجية مهمتها هي تشويه الحقائق التي توجد بصددها معلومات وافرة من عدة مصادر أخرى موثوقة، كإنكار التعذيب، والاعتقال، والتضييق على الحريات، وإنكار تفاقم الفقر والجهل…
إن إصلاح الدولة المقصود هنا ليس هو الإصلاح الدستوري ولا إصلاح تدبير الميزانية العامة ولا البحث عن التوازنات الماكرو والميكرو اقتصادية… إن إصلاح الدولة يعني نزع الطابع الشخصي عنها، وخلق آليات لمحاسبة مسؤوليها، واعتماد قيم النزاهة والشفافية في عمليات الإنفاق والاستثمار وكل ما يتعلق بتسيير شؤون البلاد.
إن الدولة ليست عصابة وليست إقطاعة ولا ملجأ للصوص، فقد كانت الدولة الحديثة دوما قاطرة تحفز على التقدم والتحديث ومحاربة الفساد. فكيف سيعرف البلد طريقه نحو التقدم إذا كانت الدولة نفسها متهمة بكونها مصدرا للفساد ؟