جدال الأنوار: كاسرير، هوركهايمر وأدورنو 1/5

جون ماري بول

ترجمة: الأستاذ عبد العزيز عبقري         

ادا كان إرنست كاسيرير قد اصدر كتابه “فلسفة الأنوار” سنة 1932 في توبنغن، فلا ينبغي للنقاش المعاصر الدائر في مجال تاريخ الأفكار، ان ينسينا أيضا أن كل من ماكس هوركهايم وتيودور ادورنو قد اصدرا أيضا في أمستردام سنة 1947 كتابهما “جدلية الانوار”، رغم أنهما قد أتماه سنة 1944 في لوس أنجلوس. فهما الكلاسيكيان “إن صح القول” اللدان لم يفترقا، إلا بسبب النزعة القومية-الاشتراكية وبسبب الحرب العالمية الثانية.

إذا كان هناك تباعد مفاجئ نسبي بين هاذين المؤلفين، فهو ليس دو قيمة في حد داته.

فحين سيتفرغ إرنست كاسيرير لدراسة فكر الأنوار، سنة بعد سيطرة هتلر على الحكم، فمن المؤكد أنه لن يغمض عينيه أمام صعود القوى اللاعقلية وأمام النتائج المترتبة عنها. مقابل ذلك، وبدون أدني شك تنبأ كل من أدورنو وهوركهايمر “أثناء تحريرهما لمؤلفهما” بالنهاية الأكيدة ل”رعب النزعة القومية-الاشتراكية”، فلن يقوما حينها بإعادة إصدار لكتابهما، مع بعض التعديلات الثانوية، إلا سنة 1969 في ألمانيا. من هنا لا يمكننا إلا أن نصدم بالترابط بين الأحداث السياسية أو التاريخية مع البحث في فكر الأنوار. فهذان العلمان، اللذان يعتبر مؤلفهما مؤلفا توتيقيا بشكل جيد، مثلما هو الأمر بالنسبة لأطروحات كاسيرير. إن هذين الكتابين لا يعتبران بالدرجة الأولى مصدران، من بين الركام من الكتب المرجعية المهتمة بالتعريف لفكر الأنوار، والتي تملأ المكتبات. إنهما يتميزان بالطموح الذي جعلهما لا يعتبران فقط من الإصدارات “الاكاديمية” او المتخصصة باسم الالتزام ب “الروح العلمية”.

يدافع كلا المؤلفان على أطروحات وعلى رؤى للعالم، للإنسان وللتاريخ. فلم يقم أدورنو وهوركهايمر بأي معجزة وهما يختاران عبارة “شذرات فلسفية” كعنوان فرعي لمؤلفهما. قد يبدو الصدى المترتب عنها ذو طابع سجالي، نضالي، إن لم نقل متهافت. اما بالنسبة لمؤلف كاسيرير فهو مؤلف جامعي، موضوعي ومتسامح بشكل منهجي، انه يقع فيما دون العواطف الشخصية.

بالنسبة للأستاذ في جامعة هامبورغ والذي سيستقيل من مهامه في اللحظة التي سيسيطر فيها هتلر على الحكم، فهو لا يعبر في مؤلفه عن نظرية في الأنوار، إذا قارنها بنظرية أدورنو وهوركهايمر، بل من خلاله، سيتم استخلاص أحكام قيمة متميزة عن الأشكال التي تم بها استقبال هذا الفكر منذ القرن الثامن عشر، والذي لم يتجدد بشكل من الأشكال، كما انه حافظ على ثوابت أيديولوجية يمكن إن نتابعها حتى يومنا هذا.

ان كاسيرير يقدم مشروعه بشكل جيد.

هذا المؤلف لا يريد أن يكون مجرد مونوغرافيا لفلسفة الأنوار […]. فالأمر يتعلق بمحاولة للقبض على الأنوار، لا في ضخامتها بل في عمقها المتميز، كما لا يتعلق الأمر أيضا بتقديمها في عمومية نتائجها ولا في تجلياتها التاريخية بل في وحدة أصلها المفهومي ووحدة المبدأ الذي يعطيها هويتها.

كلما بلور الكاتب منهجه، كلما أبدى حينها أيضا، وبشكل واضح طموحا غير محايد. فإذا تأملنا في المنهج فإننا نرى أنه يختزله في فرضية موجهة وموضوعة للكشف عن صنف من الاستنتاجات، لن يكون ممنوعا التساؤل عما إذا لم تكن سابقة عن التحديد الأولي للوعود الابستمولوجية. إن القارئ لن يكون مقتنعا، عكس ما يؤكد عليه كاسيرير، بأنه لا يفرض علينا “تاريخا ونظريات لمفكرين محددين” في الوقت الذي يضع فيه مفكرين ونظريات ووقائع “في الظل”، كما أنه يفضل أن يتكلم عن “ركام من التفاصيل”. على عكس من ذلك، نحن نجد أنفسنا أمام تاريخ خالص للأفكار سادت في عصر الأنوار”، هذه الأفكار تم استيعابها مبكرا “من خلال مفعولها المباشر” أكثر مما استوعبت في إطارها” النظري والمجرد”.

أجرى إذن كاسيرير انتقاء منظما اعتمادا على ذلك “التاريخ للأفكار”، ولم يكن هذا الانتقاء محددا بشكل دقيق في معاييره. ما هو مهم فيه هو “عدم تجاهل أي واحدة من القوى الأساسية التي بصمت وجه فلسفة الأنوار”، ثم أيضا التعريف ببعض الأفكار الأساسية الكبرى التي أعطت لفلسفة القرن الثامن عشر علامته الأساسية المميزة.

ما نستنتجه من خلال ذلك أن كاسيرير لا يميز بين القرن الثامن عشر والأنوار، مما يعني أن هاته الأخيرة لا أهمية لها إلا من خلال زمنها، إلى حد نسيان باقي تجليات ذلك القرن. فمنذ إعلانه عن المبادئ الموجهة لمقاربته، يضع الكاتب نفسه كمريد أو وريث للأنوار، دون أن يشكل له ذلك صعوبة أساسية فيما يتعلق بالمنهج. يمتلك كاسيرير وعيا حادا بالتعددية المميزة للقرن الثامن عشر وبتنوعه في كل مجالات المعرفة والفعل. رغم دلك يقوم مشروعه، في نفس الوقت، على إظهار الوحدة أو التوحد أو الكونية، أو الانسجام في التوجه النظري، وفي الأهمية الحاسمة للأنوار في تاريخ الإنسان الحديث، فلا تهمه متاهة “النظريات والعقائد الخاصة”. إن الخط الذي يرسمه للأنوار قد يكون خادعا لكنه خط مستقيم هو الذي يشكل في حد ذاته الحقيقة التي تصب فيها. ولكي يتجاوز التعارض بين الظواهر، يلجأ كاسيرير إلى إبراز نوع من الديناميكية تتمثل في “حركة” أو “طاقة الفكر” إن لم نقل “الحماس” الذي يوظفه في حل المشاكل، الشيء الذي يعطي لفلسفة الأنوار صداها الخالص. على هذا الأساس يقوم كاسيرير بالتأويل والتعليق على كل مذهب من خلال سلطة وعلم المؤرخ والفيلسوف. لكن تفسيره الخاص، أي التفسير الذي يعطيه للفلسفة، ليس تفسيرا فلسفيا بل عملا يقوم على فعل الإيمان.

سنفهم بشكل أحسن طبيعة هذا العمل إذا وضعنا اليد بشكل جيد مرة ثانية على “الأفكار العامة والأساسية” التي تأثرت بها فلسفة الانوار حسب شارحها. والغرض من هذه المحاولة يتجاوز كثيرا الكتاب الوحيد لكاسيرير، كما يتجاوز الصراع بين المتعاطفين مع الانوار وخصومهم، والمتمفصل تقليديا ومنذ القرن الثامن عشر في بعض الموضوعات الكبرى. إن الكاتب، وهو مخلص لمبادئه لا يقوم بدراسة الانوار بشكل مجرد أو نظري، ولا من خلال البحث عن تعريفات لها لا مناص منها، بل من خلال تطبيقها على الطبيعة والمعرفة والتاريخ والدولة والدين وعلى التصور الذي تقيمه حول الاستتيقا.

جرى العمل بافتراض أن القرن الثامن عشر هو قرن العقل، الأمر الذي يضعه كله تحت علامة الأنوار. وفي هذا السياق لابد من الاشارة ان كاسيرير يعتبر من القلائل الذين لهم الشرف في التأكيد على الانبتاق المتزامن للإحساس مع العقل دون ان يعني ذلك التنكر للتقليد العقلاني.

آخذا بعين الاعتبار للجدال المجرد حول المفهوم، لا يمكن لكاسيرير أن يدافع لزمن طويل عن أطروحته المتمثلة في وحدة أو انسجام ذلك القرن. ففي عصر الأنوار كان للعقل أوجه متعددة بتعدد الفلاسفة والكتاب المتشبثين بسلطته. فعقل كانط ليس هو عقل فولتير، كما أنه ليس عقل لاميتري، ولا عقل وولف، إن لم نتكلم عن ساد. بهذا الشكل لا يعالج كاسيرير المفاهيم المتعددة للعقل في خصوصياتها التي تعطي للقرن الثامن عشر إشعاعه، لكنه يتناولها في وظيفتها: إن العقل قريب من إحدى أشكال التملك، أكثر مما هو قريب من شكل معين من الاكتساب[…]. هذا الفعل للعقل هو الذي يشكل الضمان للحقيقة وهو الذي يمثل البدرة التي ينبثق منها الشرط الضروري لكل يقين حقيقي حسب التصور الأنواري. إن القرن الثامن عشر في مجموعه يتصور العقل في هذا الاتجاه. انه لم يتناوله كمضمون متصلب وقار من المعارف أو من المبادئ أو من الحقائق، بل كطاقة أو كقوة لا يمكن إدراكها بشكل عام إلا في تمرينها وفي مفعولاتها. إنها فيما هي عليه وفيما تستطيعه وفيما لا يقاس بنتائجه بل بمهمته فقط.

لا يعتبر مدح العقل إلغاء لنوع معين من النزعة الحيوية، وهنا نعترف بدون عناء، بالتأثير بلسينك أكثر من التأثير بكانط. إنه المنحى، أو الأمل في المعرفة التي ميزت قرن الأنوار، وهي الوثبة التي حملت الروح التي هي الشيء المهم فيه نحو أكثر من نتيجة مؤقتة في مساره. نجد مثلا في الموسوعة أن النزعة الموسوعية لا تعبر فيها إلا على شيء ثانوي في حين أن الطاقة النفسية المفرغة فيها والمبذولة من أجلها هي التي تعطيها كل قيمتها. من هذا المنظور تعتبر الأنوار حركة لا زمنية، قد تتكسر حينا، بشكل قوي في مجهودها كما قد يصبح هذا المجهود نفسه منتصرا وغازيا في لحظة متميزة من التاريخ.

هذه الحركة لها معنى واتجاه محدد بشكل دقيق ولها “مضمون” فلسفي وتاريخي واحد، ليس البتة مضمونا كميا، لكن لا يفترض لأجل ذلك على الأقل، وعكس ما يكرره كاسيرير “مبادئ” و”حقائق” تؤدي إلى اختيارات واستثناءات معلنة بشكل قوي. إن الانوار تكمل ما دشنته النهضة، ثم النزعة الإنسانية، ثم بعد ذلك الإصلاح الديني. فجوردانو برينو هو نموذج المفكر الذي يجسد روح الأنوار. ففي فلسفته للطبيعة، نجده يميل بحماس نحو كل ما هو منفرد وملموس أي انه متحمس لكل ما هو كوني ومطلق، فقانون الخلق الطبيعي، الذي يعود له بامتياز، صار مبجلا وتم رفعه حتى أنه أصبح متطابقا مع ما يندرج ضمن “دائرة الوحي” الذي لم يعد هو نفسه، أي الوحي، على ما كان عليه في الفلسفة الوسيطية، حيث كان يمتل تلك السلطة المتعالية التي تتحكم في مسار الأشياء وتمسك بروح الإنسان.

دون أن يحتج عن المفهوم بشكل صريح يصالح كاسيرير المنفرد مع الكوني في شكل معين من أشكال فلسفة وحدة الوجود، التي توافق بالضرورة الوحدة التي نجد بصمتها القارة والمستمرة في أنساق ديكارت وليبنيتز، مثل ما هو في “نمط الفكر السائد في عصر الأنوار” مما أعطى للفصل الأول من الكتاب عنوانه.

تبقى الإشارة إلى القطائع التي لا يمكن اختزالها في مجرد تعبيرات عن تطور متناغم، أنه الشيء الذي يؤكد عليه كاسيرير كخيار للأفراد والجماعات، ذلك هو الرهان التراجيدي لذلك العصر. ومن النتائج المؤلمة لذلك التعارض الذي قابل بين النزعة الإنسانية مع الإصلاح، فقد نجد ارازم من جهة ولوثر مع كالفان في الجهة الأخرى. لقد قام المذهب الأوغيستيني الذي استعاده كل من لوثر وكالفان بشكل فج، بسحق الإنسان، ونزع كل المكتسبات منه، أي كل إمكانية في تقرير مصيره عبر عمله الإبداعي وعبر مجهوده الشخصي: “بهذا الشكل أصبحت القطيعة مع النزعة الإنسانية شيء لا مفر منه، هذه القطيعة اكتملت بكل دقة ووضوح فائق من خلال مفهوم الإرادة الحرة الذي يعود للوثر. […] كدلك سيتغلب حكم الإيمان من منظور الإصلاح على الإيمان ذو الطابع الإنساني. وبالتالي يمكن ان نقول إن القرن الثامن عشر قد فشل في محاولته لهزم أو تفنيد هذا الحكم”.

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد