بْرِسِيللا فورنييه
ترجمة: الأستاذة حنان قصبي
الإسلام، التعددية والعدالة:
يجب أن يُفهم “لاهوت التحرير الإسلامي” الذي طوره فريد إزاك (1997) في سياق النضال ضد الأبارتايد، باعتباره التزاما تجاه “الآخر” الديني. يذكر القرآن مرارا مفهوم “الكفار”. وتقدم القراءة التقليدية للقرآن “غير المسلم” على أنه “كافر” (بالمفرد)، والذي يشير إلى “الآخر” الديني (الكفار، المنكرون) الذي يجب أن يعارضه المسلم. يعتقد فريد إزاك أن مشاركةَ الكفارِ مُحاربةَ الظلم لا يمكن أن يُعتبر شرا، لأن الفعل الخيِّر الذي يقوم به “غير المسلم” يظل فعلا خيِّرا. وبصفة عامة، يجب على الذي يعمل من أجل تحقيق العدالة الاجتماعية أن يعيد قراءة القرآن ويُؤوله انطلاقا من وضعية الاضطهاد المعاشة. يشكل القرآن حسب فريد إزاك (وحسب سيد قطب أيضا) منبع سلطة. ويفقد الإسلام في نظره طابعه الشمولي، وعلى المسلم أن يفهم الإسلام حسب وظيفة السياق التاريخي. أما بالنسبة لسيد قطب، فلا وجود للتاريخ ولا للسياسة ولا للعدالة ولا لسلطة خارج الإسلام. ويرى فريد إزاك أنه لا يجب إزاحة الدين بالضرورة من العمل السياسي، وما يمكن تغييره هو قراءة القرآن لكي تُمَكّن من النضال ضد أي شكل من أشكال الظلم والقمع لتحقيق المساواة لصالح النساء على وجه الخصوص، ولتحقيق العدالة الاقتصادية وضمان التعددية.
وِليَم كونوللي: إعادة التفكير في العلمانية
يحلل وِليَم كونوللي، في كتابه “لماذا لست علمانيا ؟” (1999)، مفهوم العلمانية في سياق يتميز بالتنوع الثقافي والديني، وتسود فيه العديد من التساؤلات الأخلاقية، في قلب نقاشات اجتماعية وسياسية حيوية، سواء تعلق الأمر بالإجهاض أو بزواج المثليين والمثليات أو الموت الرحيم. إنه يرفض علمانية تفرض نفسها كحقيقة ثابتة، متحجرة في الزمن، وينطلق موقفه من استحالة التأكد من أن كل ما نعتقد أنه أساسي هو بالفعل كذلك. ويجب أن نكون مستعدين دوما في نظره لكي يجد أحدهم “نقيصة” فيما نعتقد أنه أساسي.
يرفض كونوللي العلمانية باعتبارها فصلا للمؤسسات السياسية عن المؤسسات الدينية، ولكنه يريد إعادة التفكير فيها بناء على تعددية لا يمكن أن تنتصر عليها أية إيديولوجية باعتبارها حقيقة فوق جميع الحقائق. وينتقد بالخصوص تصور كانط وجون راولز للعلمانية: فتصور كانط يعلي من شأن أخلاق يضعها فوق كل مساءلة، أما تصور راولز فإنه يضع الانتماءات الجماعية (الخاصة بالجماعات التي لها هوية تميزها) والدينية في مرتبة ثانوية. إن راولز، في نظر كونوللي، لا يدافع إلا على الهويات البارزة، وبالخصوص الهويات الاقتصادية. إن إعادة الاعتبار للعلمانية، يعني فهمها باعتبارها اتفاقا سياسيا عوض فهما كمبدأ لا يناقش.
وهكذا، يجب أن يُفكّر مفهوم العلمانية لكي يتضمن “روح الالتزام الجماعي”، في الإطار الذي يسمح للعديد من المعتقدات والإيديولوجيات أن تغني الحياة العامة. (كونوللي، 1999). يقتضي “روح الالتزام الجماعي” مقاربة أكثر خصوبة، تأخذ بعين الاعتبار جميع المكونات في تداخلاتها، تكون مرنة، وقادرة على التغير. إن تنمية “الروح الجماعية” تعني تطوير الروح الجماعية بحيث يكون من الممكن تغيير النظام انطلاقا منها. يعتقد كونوللي أنه من الضروري التفاوض حول العلاقات بين المواطنين حتى لا تتمكن أية مجموعة من فرض تصورها باعتباره مصدرا للسلطة وللعقل السياسي. ويراهن الكاتب أيضا على مفهوم “رد الفعل النقدي” الذي يكمن في مقاربة منفتحة على قيم ومتطلبات بعض المجموعات، والاعتراف بالخاصية المميزة (المتنازع حولها) لمعتقدها الخاص. تقترن العلمانية المفكر فيها من جديد بما يسميه كونوللي “سياسة الصيرورة”، أي عملية تُسائلُ الهويات عبرها القيم الأخلاقية التي يعتقد أنها ثابتة. وتساهم بذلك في تشكل هويات جديدة: “تغير سياسة الصيرورة شكل ومحيط الهويات المحصنة سلفا في حدود النجاح في موضعة هوية جديدة في المجال الثقافي” (كونوللي، 1999: 57). وما يسمح بالتعددية بصفة عامة، حسب كونوللي، هو قدرة كل فرد على مساءلة قيمه وأخلاقه باستمرار، وليس التشكيك فيها. أي قدرته على الوعي بأنها قابلة للنقد وقادرة على نقد مواقع القيم الأخرى.
طلال سعد: أنثروبولوجيا العلمانية
يلتقي منظور الأنثروبولوجي، حول مسألة العلمانية، مع موقف وليم كونوللي. لكن طلال سعد يتأمل بشكل مباشر علاقة الإسلام بالعلمانية. لقد اكتسبت العلمانية في الغالب شرعيتها من الاعتقاد بأنها قادرة على وضع حد للصراعات الدينية. لكن العلمانية ليست بالنسبة لطلال سعد جوابا عن ضرورة تحقيق السلم والتماسك الاجتماعي. إنها تفرض نفسها كمرتكز يَستَنِدُ عليه “تَمَثلُ المواطنةِ” ليُقدِمَ تعريفا جديدا للخصوصيات وليتَجاوزَها، تلك الخصوصيات التي تُعبّرُ عن نفسها عبر الطبقات الاجتماعية، وعبر الذكورة والأنوثة والدين.
لا تضمن الدولةُ العلمانيةُ، في نظره، تحقيق التسامحَ. إن ما تحققه هو ضبط التوترات فقط. وبالرغم من أن التعددية والعلمانية مرتبطين أوثق الارتباط بالحداثة والليبرالية، فإن طلال سعد يرى أنه من الصعب جدا تحويلهما إلى واقع معاش، حتى في أوروبا وأمريكا الشمالية. فوضع الأقلية المسلمة في أوروبا مرتبط بالكيفية التي يتصور من خلالها الأوروبيون أوروبا. إن الإسلام مُستبعد، في نظره، من التمثلات التي تُدرِك أوروبا نفسَها من خلالها. ولهذا السبب، يُنظرُ للمسلمين كأقلية. ويفسر هذا المثال طبيعة العوائق التي تعيق التعددية في المجتمعات الغربية.
وفيما يتعلق باحترام التعددية داخل الديمقراطيات الليبرالية الغربية، يحيل الكاتب على تصور وليم كونوللي، ويؤكد على ضرورة إعادة التفكير في تصور التعددية داخل الديمقراطية الليبرالية. وعوض فهم التعددية كأغلبية تحكم أقلية داخل دولة ديمقراطية، يجب أن تُفهم بالأحرى كدولة ديمقراطية تشارك عدة أقليات في تدبيرها.
يجب أن يمكن هذا التصور للتعددية المفكِك للمركزية –في سياق يطبعه التسامح و”رد الفعل الإيجابي”- من القيام بتفكيك أو إعادة نظر منتظمة في الهويات والحكايات التاريخية. إنه من الضروري، بالنسبة لطلال سعد، مساءلة الحكايات التاريخية للبلدان الغربية، كما أنه من المهم جدا احترام الحكايات التاريخية التي تنتجها الأقليات لكي يتم احترام التعددية. وبهذه الكيفية، يتضح أن الفضاء العمومي ليس فضاء فارغا. إنه فضاء بنته الذاكرة والحساسيات التاريخية وآمال الناس المكونة له. لا تُلحّ العلمانية فقط، في نظر طلال سعد، على أن الممارسة الدينية والإيمان يظلان سجينان في أماكن لا يمكنهما فيها تهديد الاستقرار السياسي، وحريات المواطنين “الأحرار والمفكرين”، إنها تبني ذاتها بالارتكاز على تصور خاص عن العالم، وبالارتكاز على مشاكل نتجت عن هذا العالم.
الخاتمة:
يتضح مما سبق وجود منظورات مختلفة لكتاب مسلمين حول مدى ملاءمة العلمانية للإسلام. فرضت العلمانية نفسها باعتبارها عنصرا مركزيا للحداثة السياسية، وباعتبارها الكيفية التي تمكّن الناس من “العيش المشترك” في إطار التنوع، حتى يتممكن أفراد لهم مصالح مختلفة من التوحّد بناء على قيم مشتركة عديدة. لكن كيف يمكن تصور العلمانية في مجتمع يتم التعبير فيه عن مطالب جديدة تخص الهويات، وبالخصوص تلك التي تتعلق بالانتماء الديني ؟ إن النقاشات العديدة التي تولدت عن بعض المطالب التي يطالب بها المسلمون الغربيون دفعت البعض إلى القول بأن ممارسة الإسلام لا تتلاءم مع العلمانية. ومع ذلك، فلقد اهتم الفكر الإسلامي بمسألة “العيش المشترك” في إطار التنوع. ويمكن لمساهمات بعض الكتاب أن تسمح باستثمار طرق جديدة للتفكير فيما يخص كيفية فهم تصور العلمانية في مواجهة المطالب التي تتعلق بالهويات التي تهددها.
إذا كانت مقاربة سيد قطب لا تترك مكانا للعلمانية، فإن كتابا آخرين يسمحون بالتفكير في ملاءمة العلمانية للإسلام، وذلك بالتساؤل عن إمكانيات تأويل الحكايات التاريخية للمجتمعات الإسلامية. إذا كانت العلمانية التي تُفهم هنا كفصل للسلطات السياسية والقانونية عن السلطة الدينية، قادرة على توفير هامش معين للتأويل وإعادة التأويل لضمان التعددية، فإنه ليس من المفروض أن يكون المواطنون علمانيين. إن التعايش ما بين مختلف الحساسيات هو الذي يجعل مسألة العلمانية والتعددية مسألة صعبة. وعلى ضوء تصور وِليَم كونوللي، يمكن للعلمانية أن تحترم التعددية في حدود كوننا نستطيع التفكير فيها من جديد، وفي حدود كونها لا تفرض نفسها كمبدأ مطلق وثابت في الزمان.