دور الأجانب الإيجابي (الخفيّ) في الحياة الاجتماعية الدنماركية

كتبه محمد هرار

يُعرف فصل الشتاء في بلدان الشمال بطول لياليه وقصر أيّامه، في حين ينقلب ذلك صيفا فيطول النّهار ويقصر الليل، ما يجعل النّاس شتاء في قلق مسترسل لا يقطعه إلّا فترة العمل التي تستغرق كامل اليوم، إذ الليل يبدأ زهاء الرّابعة بعد العصر. كما أنّ لحالة الطقس اسهاماتها الواضحة بضبابها وسحبها وأمطارها وثلوجها (المتراجعة هذه السنوات الأخيرة) وظلمتها وبردها الشديد في إبئاس الحالة النّفسية المحتاجة دائما لحضانة تجدها بالتأكيد في إعمار الشارع وإحيائه بوجود المارّة فيه ونشاط الحركة التجارية والتبادليّة المنميّة بطريقة أو بأخرى للتواصل بين النّاس والتعامل فيما بينهم!… ففي الشتاء ينكمش كلّ شيء ويسدل على الجميع ستار الكآبة!… وفيه تكثر المشاكل الاجتماعيّة ويرتفع منسوب الخصومات بين الأزواج المؤدّية في أغلب الأحيان إلى الطلاق أوالانفصال!… وتتزامن هذه الفترة الصعبة والقاسية مع الاستعدادات للاحتفال بأعياد النصارى (الفصح) ورأس السنة الميلادية الجديدة!… هكذا كانت الحالة عندما جئت إلى الدنمارك في أواسط الثمانينات من القرن الماضي… إغلاق محكم لكلّ شيء لأيام متتالية… وضع صعب بئيس يساعد على قتل وسائل مقاومة الوقت، فتكون عند الكثير من الدنماركيين العزلة القاتلة الدّافعة إلى استعجال النّهاية التي كثيرا ما تكون حزينة محزنة بائسة مبئسة مفزعة للجميع… وتوقّف إن شئت عند بعض سائقي القطارات أو الشّاحنات، يصفون لك مشاهداتهم المعيشة وكيف تحصد الثواني القليلة أرواح النّاس على السكّة الحديدية أو عبر الطرق السريعة، ما جعلهم هم أنفسهم ضحايا مشاهداتهم حتّى بات الكثير منهم يلجأ للأطبّاء النّفسيين ويسعون إلى تغيير أعمالهم، في حين يلجأ ضعافهم هم أيضا إلى الانتحار دفعا لمشاهد المنتحرين التي سكنتهم فأفسدت عليهم ليلهم ونهارهم!…
وقد تحدثت الأرقام في ألمانيا مثلا عن انتحار عشرة آلاف ألماني وألمانية تحت عجلات القطارات سنويا.. أما هنا في الدنمارك فالأرقام غير معلنة حسب علمي، إلا أن بعض الجهات المختصة بالاحصاءات غير تابعة لجهات حكومية، كموقع خط الحياة مثلا، يذكر بعض الارقام التي تتراوح بين 600 و700 سنويا. أما عن محاولات الانتحار التي لا تتم أو يعيش صاحبها؛ فهي بين 16000، و12000 محاولة. يذكر أن حالات الإنتحار ووسائله وأسبابه كثيرة ومتنوعة، كما أن الفئات العمرية هي كذلك مختلفة، كما أن المقدمون على الإنتحار من الجنسينن، لكن حالات الذّكور هي أعلى من حالات الالإناث.

ثمّ جاءت هجرة الأجانب ومنهم العرب والمسلمون، فانطلقوا في المجتمع يوسعونه حركة منها الصالحة ومنها دون ذلك… فكان من أنشطتهم افتتاح المحلّات التجاريّة بمختلف منتوجاتها التي غلب على طابعها المأكولات والملبوسات.. وبالإضافة إلى تمديد فترة العمل الليلية التزمت بألّا تغلق أبوابها خلال نهاية الأسبوع وأيّام الأعياد الرسمية الدّانماركية، ما جعل الشارع يشهد بعض الحركة والدّبيب… بالأجانب أوّلا ثمّ ما لبث أن قلّدهم الدنماركيون الأصليون… وهو عندي السبب المباشر المؤثّر على تراجع منسوب الكآبة وأعداد المنتحرين والمحاولين… وهو العامل الإيجابي كذلك في تطوير وسائل الاتّصال وتمتين العلاقات بين أطراف المجتمع… فبهذه المحلّات خرج المكتئبون من العزلة وتجنّبوا الوحدة القاتلة، الدّافعة إلى التفكير السلبيّ الجنونيّ القاتل… بهذه المحلّات التجاريّة وباستعداد الأجنبي وتضحيته وخاصّة منهم المسلمين للعمل أيّام العطل الرسمية الخاصّة بالاحتفالات وتوفير إمكانيات التنقّل بوجود السائق الأجنبي مستعدا للعمل تعويضا!… تغيّر المشهد إذن وفقد الكثير من القتامة ونما فيه الأمل بدل اليأس ورغب النّاس في الحياة بدل رغبتهم السابقة في محاولات الانتحار!… وهو لعمري التأثير الإيجابي الخفيّ المحسوب للأجانب( المسلمين)، والذي قد لا يتوقّف عنده إلّا أهل الفكر المهتمّين برصد حركة المجتمع!… وهو عندي عمل اجتماعي جبّار، لو أدرك الساسة قيمته ومردوده ما سعى منهم ساعٍ بعنصريّة ضيّقة إلى محاصرة الوجود الأجنبي والتضييق عليه بالقوانين المجحفة الجائرة الجالبة للاكتئاب القادرة ربّما على استدعاء الانتحار في أوساط الأجانب قليلي الإيمان لا سمح الله!… كانت مشاركة الأجانب هذه بمثابة طوق النجاة إذ منح السكّان الأصليين دفء العيش وخلّصهم من أسر العزلة وبردها الدّاعيين إلى الانتحار، ولست هنا بصدد استصدار الأحكام ولكنّي أؤكّد ما اعترف به بعض المحلّلين الدنماركيين أنفسهم منذ سنسن!… وها نحن اليوم نرى محلات تجارية ضخمة في الدنمارك تعمل على مدار الأربعة وعشرين ساعة دون إغلاق، بدأت مع السوبر ماركت الكبير “بيلكا”(Bilka) ثمّ ثنّت بمحلات المنتوجات الغدائية تسير على خطى “بيلكا”. ما يجعلنا مستقبلا مطمئنّين على وجود جميع مستلزماتنا في كلّ وقت من أوقات الليل والنّهار… ما يعني كذلك خروج الكثير من الدنماركيين من حالة العزلة والوحدة المدمرة في بيوتهم للعيش في عالم أرحب وأوسع يوفّر لهم اللقاء والتواصل مع بني جلدتهم ومع جيرانهم الأجانب لتعدم محاولات الانتحار وتسير القطارات والشاحنات دون أن تدوس عجلاتها أجساد الآدميين!… وإنّ ذلك كلّه لم يكن ليتحقّق لولا التعاون وتلاقح الثقافات المنميّة للحضارة!… وإنّ الحضارة تراكميّة أو لا تكون… وإنّ أحسن الحضارات هي تلك المنميّة لفكرة الحياة بدل فكرة الانتحار والموت… وإنّ ذلك ما شجّعه عليه الأجانب بدورهم الخفيّ الإيجابي!…

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد