جدي لم ينتحر

بقلم مريم بنعلي

مر على هذه القصة عشرون سنة… لكنها مازالت سبب أوجاع جميع أفراد الأسرة…
في يوم جمعة من أواسط التسعينات من القرن الماضي، نهض جدي الخمسيني رحمه الله قبيل آذان الفجر، أخرج ما تبقى من طعام العشاء لقطط الحي، وتوجه بعد أن توضأ لصلاة الفجر كعادته في كل صباح، عاد إلى البيت بعد الصلاة وأعد القهوة وهيأ مائدة الإفطار ثم ايقظ جدتي لتتناول إفطارها معه وتصلي…
كان رحمه الله هو من يعد طعام الإفطار دائما لجدتي وأخوالي… دارت محادثة قصيرة على المائدة وكان جدي كعادته ضاحكا مستبشرا يمازح جدتي ويلاطفها، فمن المعروف عنه انه انسان خفيف الظل دائم الابتسامة يحب الجميع، ويحبه الجميع. خرجت جدتي رحمها الله للعمل في السابعة والنصف، ولحقها هو بعد ساعة او ساعتين من ذلك الحين، فعمله كسمسار لا يبدأ قبل التاسعة صباحا…
قصد جدي عمارة جديدة أخبره مالكها انه ينوي بيع شققها السكنية.. عند وصوله اصطحبه الحارس صعودا على الدرج وشرع يعرض عليه الشقق المعروضة للبيع شقة شقة… حتى وصلوا الى الدور الثالث او الرابع حيث وجدوا بعض عمال الجبس يكنسون بقايا آخر أعمال الجبس والطلاء… زار جدي الشقق التي مازالت تحت الكنس… حيا العمال متمنيا لهم التوفيق.. بعد ذلك ودع الحارس والعمال وقفل مغادرا…
خارج الشقة عند الممر وقعت عينه على باب المصعد.. فتحه وبحركة عفوية خطى الى الداخل – بالضبط مثلما نفعل جميعنا حين نفتح باب المصعد، إذ هو لا يفتح الا اذا كان المصعد متوقفا في نفس الدور -… لكن المفاجأة وقعت… لم يكن المصعد موجودا… الباب مركب ويفتح بشكل عادي.. لكن على الفراغ… المصعد لم يركب بعد..!
هوى جدي الى الأسفل حتى سمع العمال صوت ارتطام جسده بالأرض.. نزلوا بسرعة يتفحصون… إنه السمسار… اتصل الحارس بمالك العمارة يبلغه عن الحادثة… أمره الأخير بعدم فعل أي شيء الى ان يعطيهم أوامره…
وكان أمره أن هرع العمال ورجاله إلى وضع لافتات على أبواب المصاعد تنبه الى خطر الموت… كما الصقوا بمسامير عدة اعمدة خشبية متقاطعة على أبواب المصعد في كل دور… ووضعوا أعمدة مكسرة ومقتلعة امام الباب الذي سقط منه جدي… بالشكل الذي يجعل الملاحظ بالتأكيد يفكر في فرضية إقدام جدي رحمه الله على الانتحار، او على الأقل هو من كسر الأعمدة الخشبية وقام بإزالتها لكي يفتح باب المصعد لاستعماله.. فهوى منه…
جدي الذي له سبع أولاد اثنان منهم متمدرسين لا يختار الا الذهاب الى تلك العمارة المشؤومة ويقتلع أبوابها لينتحر منها… !! علما ان بإمكانه الانتحار، لو فرضنا أنه فكر في ذلك، من سطح العمارة من بدون كسر ولا عناء.. كما يمكنه الانتحار من أي عمارة شاء ولماذا تلك العمارة بالضبط… !!
بقي جدي ينزف الى ان اعطى مالك العمارة “أو العمارات” الاذن بطلب الإسعاف… حصل ذلك بعد فوات الأوان حيث أنه ردد الشهادتين، بصوت سمعه الأطباء، مباشرة بعد الوصول الى المستشفى.. أسلم روحه لخالقها بسبب النزيف..
رفعت جدتي دعوة ضد مالك العمارة بسبب الإهمال الذي تسبب في وفاته… لكن القضاء كانت له كلمته فتم الحكم عليها “أي جدتي” بدفع تعويض خيالي لرد الاعتبار للمالك أو يكون مصيرها السجن… الحجة في ذلك أن المتوفى، كما جاء في المحاضر، كسر الاخشاب الحائلة دون الاقتراب من أبواب المصعد وتحدى اللافتات المحذرة ليرمي نفسه منه فينتحر… !
تدخل “أولاد الحلال” بالخير فتوسلوا مالك العمارة لكي يتنازل لفائدة جدتي حتى لا ترمى في السجن… وبما أنه “راجل مزيان” عفا عنها وأسقط عنها الحكم…
وبعد ذلك توفيت جدتي متأثرة بما لحقها من ظلم و”حكرة” وحسرة مباشرة بعد صدور حكم التنازل.. وهي بالتأكيد كذلك لم تنتحر… وكان لهذا الحادث أثر قتل في نفسي أشياء كثيرة جدا… منها الثقة في عدالة وطني…

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد