بقلم: الأستاذ عبد الله الفردوس
كان المغــرب، يوم الجمعـة الماضي، على موعـد مع الحــدث … حـدث اقتــراع يوم 7 أكتـوبر لانتخــاب ممثلــي الأمة في مجلس النواب فــي ثاني انتخــاب للمــؤسسة التشريعيــة بعــد إقرار دستــور 2011.
وبالنظـر إلى أهميتــها الكبــرى، فقـد كان مـن الطبيعـي أن تتــركـز أنظار المراقبين، في الداخل والخارج، على الظروف والأجواء التي ستمــر فيها هذه اللحــظة السياسيـة القــوية وما ستسفــر عنــها مـن نتـائج.
وبالفعــل، فقـد كان الاستحقاق الانتخــابي لتشريعيات 2016، وفي كـل أطواره، محطـ تتــبع وترقــب واهتمام مـن لدن العــديد من المراقبيــن ومن وســائل الإعــلام ووفــود المنظمات المهتمـة بإنجاز تقــارير عن سيــر العمليات الانتخابيــة.
وبالإضافة إلى ظروفـه وأجــوائه العامـة، فإن إنجــاز الاستحقــاق التشريعي، فــي موعــده الدستوري، شكــل محطـة هامــة من المحــطات التي تتيــح للمواطنين إمكانيــة التعبيــر عن إرادتهـم واختيارهم، والتي كــان رهانــها الأساســي والرئيسي هــو تعــزيز وتقــوية البنــاء الديمقراطي، وتجــاوز الاختـلالات وتقــــويم المسار.
ومن حيـث التنظيــم والتأطيــر، فلاشك أن الأحــزاب السياسية الجـــادة قــد توافقت على مختلف المستويات المتعلقــة بالنقــاش السياسي في التجمعات واللقــاءات العمومية، وعبر وسائل التواصـل والإعلام م الجـماهيري، كما على مستــوى تأطيــر الحملة الانتخابيـــة، في المدن والبوادي، ولاسيما منها الحملات النظيفة والمسؤولــة والتواصل الجــدي، كتلك التي تميــز بهــا حزب الاتحـاد الدستوري في عــرض ميثاقــه الانتخابــي والتواصل مع المواطنيــن ومحاورتهـــم.
ولمثــل هذا التمـرين الديمقراطــي العديد من الأبعاد الإيجابيــة التي مــن شــأنها تقـــوية بنــاء الحيـاة السياسيـة والرفــع، أكثر فـأكثر، من مستــوى الوعــي والنضــج السياسييــن، وتوسيـــع امتــداد وترعـرع الثقافــة الديمقراطيـة وقيـــم المواطنــة، والاهتــمام بالشأن العــام، وهــي كلــها عناصر تشكــل الحصانة الضامنــة لوقــاية المجتمع وتحصينـــه من النــزوع الهيمنــي، وكــل أشكــال التطــرف والإيديولوجيـــات الفاشية.
من هــنا، يمكن القــول إن مبــادرات الفعاليات السياسيــة والمجتمعيــة، والمساهمة الواعية لعمــوم المواطنيـن والمواطنات، قــد مكـنت من النجــاح في إنجــاز هــذا الاستحقــاق، وإن التعليمــات الملكيـــة كانت حاسمــة فـي جعــل البلاد تمضــي على طريق تحسيــن تجـربتها الانتخابيــة والارتقــاء بـها والتقــدم خطــوات أخــرى نحـــو استكــمال أهـــداف الخيــار الديمقراطي، كما عبــرت عن ذلــك ردود الفعــل الدوليــة نفســها، ومنـها البيانات الصــادرة عــن مجموعــة الاتحـاد الأوروبــي والولايات المتحــدة الأمريكيــة، وغيرهما.
وبطبيعـة الحـال، فإن تعــزيز مكــانة ووزن النموذج الديمقراطي المغربـي لا يقــلل من أهميــة العمل والجهــد الذي ما يزال يتعيــن القيام بــه، وخاصــة في مجــال تخليق الحقــل السياسي والممارســة السـوية للديمقــراطية، وعلـى مستــوى توسيــع نسبــة المشــاركــة، حيث لــم يعــد يكفي الاعتــماد على الأساليب والوســائل (التقليــدية) في ضمــان تعبئـــة ومشاركـــة المـــواطنيــن لأن المشــاركـــة الواسعــة والوازنـة هي التي تعـــطي للعمليـــة الانتخابيــة وللمـؤسسات المنتخــبة كامل مصـداقيتها المدعـــومة بحضــور ومشاركــة المواطن.
هــكذا، وبعـد أن مرت عمليــة الاقتــراع في ظــروف اعتبــرت بأنها مقبــولة من لـدن مختلـف الأطـراف والمـؤسسات الوطنيـة، ومنهـا المجلس الوطني لحقـــوق الإنسان، الذي قــال في تقــريره الأولــي: “سجلنــا بعض التجاوزات والخــروقات، إلا أن حجــمها وأثـــرها لا يسمــح بالتشكيك فـي نــزاهة وشفافيــة العمليــة الانتخابيـــة…”. بعـد هـذه المحــطة هــاهي البــلاد الآن تنتقـــل إلـى الحــلقة المواليـــة بشقيـــها:
أولا، تعيين رئيس الحكـــومة الجديـــد الذي سيبدأ مشاوراته مع الأحزاب لتشكيل حكومة جديدة وفق التقاطبات والقناعات.
ثانيا، تنصيــب مجلــس النواب وتكــوين هيــاكله من رئاسة ومكتب ولجـــان دائمــة …
وبعد أن تفضل جــلالة الملك، أول أمس الاثنين، بتعييــن رئيس الحكــومة وفــق مقتضيات الدستــور. فالتاريــخ المحســوم الآن، هو موعد افتتاح البرلمان في دورتــه المقبلة، المحــددة دستوريا في يوم الجمعــة الثانية من كل شهـر أكتوبر وبرئاســة جــلالة الملك الذي سيلقى خطابا ساميا بالمناسبة.
والحـدثان معا يضعان البلاد، ومؤسساتها وفعالياتــها السياسية، في قلب ورش سياســي كبير لا يمكن معــه إلا تركيز كل الانشغــال والتفكير فــي مدى توفر شروط وإمكانيـة النجــاح في بلـوغ المحطــة النهائيـة من الاستحقــاق الانتخــابي البالغـة الدقــة بكــل ما تتطلبــه من تبصــر وبعد النظــر، ســواء تعلق الأمــر باشتغــال البرلمان الجديد وما يمكــن أن يأتي بــه مــن قيمـة مضافـــة لأداء وتجـــويد عمــل المؤسسـة التشريعيــة، أو ما تعلــق بتكــوين الحكــومة الجــديدة وما ينتظــر منـها فـي كـل المجـــالات السياسية والاقتصاديــة والاجتماعية والتدبيـرية.
ولئن كانت بعض المنابــر قد تحــدثت عن (انطــلاق) المشاورات، مباشرة بعـد يوم الاقتــراع، فلاشـك أن الرأي العــام سيتتبــع موضوع تشكيل الحكــومة القادمــة من كـل جوانبـه، ومن المفروض أن كــل الأطراف السياسية لديها رأي أو تصور في الموضـوع.
ومن هــذا المنبــر، سبق أن تطرقنا إلى “مسؤوليات الحكــومة المقبلــة وتحــديات التصحيـح”، منبهيــن إلى ضخــامة العمــل والمجهود الذي ينتظــرها خــلال السنوات الخمس القادمــة.
وبالنظــر إلى ضخــامة الجهــد المطلوب وحجــم التحديات القائمـة، فإن التحضير لتكــوين الحكــومة الجـديدة ينبغــي أن يحــاط بأكثر ما يمكــن من العناصر الممــكن أن تساعــد على نجــاح الخطوات القـادمـة، ويمكن الإشــارة إلى بعضـــها كالتالي:
ــ من جانب البرنامج والتوجــه العام التركيز على تجاوز البـطء وتسريع وتيرة العمل وإنــجاز الإصلاحات والأوراش الإستراتيجية.
ــ في المجال الاجتماعي، وضع الانتظارات الاجتماعية ضمـن الأولويات المستعجلــة، وإعــادة الروح للحـوار الاجتماعـي وتفعيــل نتائجـــه.
ــ إشراك كل القــوى السياسية في المشاورات، والسعي إلى ضمان استفــادة البلاد مــن جمـيع الطاقات والكفــاءات الوطنية.
ــ مراعاة عنصــر الفعاليـــة والانسجــام السياســي حتى لا تتكــرر أخطاء الولايــة المنتهــية، وحتى لا تكـــون الحكومــة القادمة رهينــة منــطق (القبليــة السياسية).
إن العبـرة اليوم تكمــن في القــدرة على جعــل البلاد وحياتها السياسيــة تستفيد مــن الأجــواء والعناصر الإيجابيـة التي أبرزتها الانتخـابات التشريعيــة، وذلك بجعــل الحكومة جـديدة فعـلا.. جديدة باهتمامها بإشراك الفعاليات المجتمعية ومشاركـة المواطنين ،، جديدة في التعاطي مــع مكونات المشهـد السياسي واحترام قواعد التعــددية وحق الاختــلاف ،، جديدة في التقيــد باحترام مؤسسات البلاد واستقلاليتها وأدوارهــا الدستورية ،، جــديدة في احتـرام الحريات الفرديـة والجماعيــة وفي نبذ أي شكــل من أشكــال الاستبــداد والتجــاوز …
في هــذا الاتجــاه، ومهـما كانت الاعتبارات عديدة ومتعــددة، فإن الاعتبــار الأول والأخير ينبغــي أن يكون هو توفير شــروط نجــاح البلاد في تجــاوز التعثرات وفي التصـــدي للرهانات والتحديــات الموضوعة أمامها، وفي تقــوية وتمتيـــن صرحــها الديمقراطــي.