حسن السوسي : محلل سياسي مغربي
هناك مؤشرات كثيرة على وجود اتجاه إرادي لتحريف النقاش السياسي من سؤال الانتخابات التشريعية الجوهري حول اي حزب يرشحه الناخب المغربي لتشكيل الحكومة المقبلة، الى سؤال من يحكم او لا يحكم في البلاد؟.
ذلك ان هذا السؤال محسوم بنص الدستور المغربي الذي حدد صلاحيات مختلف صلاحيات مؤسسات الدولة، وبالتالي، فإن اعادة طرح السؤال حول هذه المسألة، متى خرج عن الأسئلة الاستراتيجية والدعائية للأحزاب السياسية، يطرح بدوره الأسئلة الكثيرة حول طرحه. وهي أسئلة ليست بريئة تماما كما قد يبدو او يزعم البعض ذلك.
فهل الغرض من طرح السؤال هو محاولة التنصل من المسؤولية عن طريق البحث عن تحويل المحاسبة من محاسبة الحكومة المنتهية ولايتها الى محاسبة الملكية ذاتها مع انها خارج السباق الانتخابي بين الاحزاب السياسية والتيارات المختلفة التي تتبارى لكسب صوت الناخب بهذه المناسبة السياسية الهامة دون ان يعني ذلك كونها لا مبالية بما يجري وما يمكن ان بسفر عنه من نتائج على المدى القريب والبعيد؟ اذا كانت هذه هي الغاية فأقل ما يقال في هكذا موقف انه لا مسؤول على مختلف المستويات لكونه عاجزا عن مواجهة حقائق الحياة الدستورية والسياسية المغربية بما يتطلبه ذلك من الجرأة المسؤولة والوضوح القادر على وضع لبنات ممارسة سياسية شفافة، وفي مقدمتها إعطاء جردة الحساب المطلوبة في سياق الدخول في هذا الاستحقاق الانتخابي حتى يتمكن المواطن من اتخاذ قراره النهائي لصالح هذه القوائم الانتخابية او تلك. وليس هناك ادنى شك ان التهرب من هذه المسؤولية ينطوي على دفع آخر وقوي للمواطن نحو مزيد من العزوف والقناعة بعدم جدوى السياسة والاهتمام بالشأن العام. وهو ليس هدف اي سياسي راجح العقل حامل لهموم الوطن بهذا القدر او ذاك.
ام الغرض من طرح هذا السؤال هو محاولة احياء تصورات ايديولوجية وسياسية تحصر المسألة السياسية في مراحلها ومستوياتها كافة في نوع من التنازع “المفترض” في الشرعية بين الشعب الذي هو مصدر كل السلطات، ومن يمارسون الحكم باسم الشعب تمثيلا او يرمزون الى سيادة الدولة والحفاظ على حسن سير مختلف مؤسساتها كما يحدد ذلك الدستور. وهو امر يعني أساسا استمرارا في رفض الدستور وأحكامه او التعامل معه بانتقائية بعقلية “نأخذ منه ما يتلاءم مع مصالحنا الحزبية او الفئوية”، ونرفض ما ليس كذلك، حتى ولو كان يتجاوب مع مصالح أغلبية الشعب التي قالت كلمتها في الاستفتاء على الدستور إياه.
وبطبيعة الحال، فإن تعميم هذه العقلية في التعاطي مع كل صغيرة وكبيرة ليس بإمكانه العمل على توفير الشروط الضرورية لتقدم الممارسة السياسية في البلاد، ومنها التعاطي مع كل مرحلة سياسية على قاعدة الأسئلة التي تطرحها، معبرا عنها في استحقاقاتها المختلفة انتخابية كانت او نضالية.
فهل هذا يعني الدعوة الى حرمان مختلف القوى السياسية من حقها في محاولة توضيح الأفق العام لممارستها السياسية خاصة في مثل استحقاق السابع من أكتوبر الانتخابي الهام؟
الامر ليس كذلك، وليس هناك مبرر له على الإطلاق. وانما الهدف هو ضرورة توفر الشجاعة الكاملة لدى الحكومة للقيام بعملية تقييم موضوعي لتجربتها وتوضيح اين حالفها النجاح وأين أخفقت، لا ان يكون همها البحث عن آباء لاخفاقاتها خارج دوائرها المسؤولة اولا وأخيرا عن التجربة من جهة، وضرورة التقيد في نهاية المطاف بمفردات وشعارات الاستحقاق بدل محاولات تهريب النقاش السياسي الى مجالات ليست هي مجالاته راهنا على اقل تقدير.
ويبدو ان الحرص على مواجهة الأسئلة المطروحة بكامل الوضوح والمسؤولية أجدى، بالنسبة للممارسة السياسية، من محاولة طرح أسئلة جديدة هدفها الموضوعي، ان لم يكن إراديا، اما التهرب من المحاسبة الشعبية للتجربة، او محاولة إيجاد الذرائع لتبرير الفشل المحتمل لهذا التصور الايديولوجي والسياسي او ذاك في المعركة الانتخابية الحالية