مصطفى حيران: مدير موقع أخبركم
سُئِل الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة “إلياس العماري” مؤخرا: كيف دَرَسْتَ؟ فأجاب: قرأتُ دروس الحقوق في دفاتر “الفوطوكوبي”!
لم يقل الرجل ذلك على سبيل الدُّعابة بل كان جادّا كل الجِد، وعلى سبيل إقناع السائل.
ويبدو من كثرة التصريح والتلميح إلى موضوع مؤهلات أمين عام “البام” أنه يشكِّلُ محورا أساسيا في تناول شخصه باعتباره أحد كبار النافذين في البلاد، إذ يتساءل المتسائلون صراحة أو ضمنا: كيف لرجل كلُّ زاده من التعليم الشهادة الإبتدائية التي لا تؤهله حتى لوظيفة “شاوش” في إحدى الإدارات العمومية من الدرجة الثالثة أن يتصدَّر المشهد التدبيري والسياسي.. في البلاد؟
يتبوَّأ هذا الرجل القصير القامة المُنطفىء النظرات، اليوم موقعا مهما في تدبير الدولة بشكل غير رسمي، لدرجة أن الأمين العام لحزب الاستقلال قال عنه يوما: إنه يُسَيِّرُ الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالهاتف! ويصفه رئيس الحكومة بنكيران ب”السَّلكَوط”!..
ويُنسبُ له “تصريف” قرارات خطيرة وعواقبها الوخيمة، من قبيل التدابير الأمنية المتشددة التي أعقبت تفجيرات الدار البيضاء يوم 16 ماي 2003 وكذا واقعة مخيم اكَديم إيزيك بالصحراء في شهر أكتوبر من سنة 2010… إلى غيرها من الملفات العلنية والسرية التي تحمل بصماته التنفيذية.
أمّا المعني أي “إلياس العماري” فيبدو أنه لا يُعير اهتماما لكل الأوصاف القدحية التي تُلصق به ولا لقائليها، لدرجة أنه عندما ثارت ضجة قبل أسابيع حينما وصفه مدير يومية “أخبار اليوم” توفيق بوعشرين في عنوان إحدى افتتاحياته ب”ابن مربية الدجاج”.. علَّق “إلياس العماري” على الأمر مازحا: “ما من مشكلة في ذلك وبوعشرين صديقي”. أما حين يُسأل عن غريمه اللذود عبد الإله بنكيران فيكتفي بالقول وهو يبتسم: “إنه زميلي في السياسة”..
إن في ذلك واحدة من سمات هذا الكائن السياسي المخزني المنحدر من منطقة الريف: التواضع الزائد عن الحد. لكن هذا لا يعني الضعف، إذ الحقيقة عكس ذلك تماما، ألم يقل وزير الدولة في الداخلية القوي الراحل إدريس البصري أن وزارته هي “امرأة أشغال البيت” Femme de ménage؟
لنقل إن واحدة من سمات رجال المخزن النافذين هي إظهار التواضع واستبطان القوة.. القوة المُستمدة من نفوذ لا تحده لا قوانين ولا أي شيء آخر، اللهم سلطة “مول شِّي”!
لنحاول أن نجيب عن هذا السؤال: كيف استطاع رجل لديه شهادة نهاية التعليم الابتدائي أن يصبح نافذا على هذا النحو المُلفت للانتباه على الأقل في المغرب، ويمتلك ثروة مالية هائلة في ظرف غامض وجيز؟
أعتقد أنه يجب النظر في ثنايا وتلافيف بنية السلطة السياسية في المغرب لتقديم الجواب عن هذا السؤال. فلنحاول ذلك.
حسب المتخصصين فإن التجربة الدستورية في المغرب حديثة زمنا وممارسة، إذ أن أول دستور وضعه الملك الراحل الحسن الثاني يعود إلى شهر دجنبر سنة 1962 وكان عبارة عن وثيقة كرست السلطات المطلقة للملكية في الشأن العام المغربي، مع بعض الصلاحيات “النَّصِّية” للأحزاب أما التدبير الفعلي لكل مؤسسات الدولة بكل أوراشها، فكان دائما شأنا ملكيا.
وعلى ذلك النهج سارت الأمور في المغرب حتى آخر دستور “نوعي” عرفته البلاد في نونبر 2011، إذ بالرغم من الصلاحيات المهمة التي نصَّ عليها لرئاسة الحكومة وتقليص هالة “القداسة” عن شخص الملك وربط المسؤولية بالمحاسبة.. إلخ إلاَّ أن تدبير أوراش الشأن العام ظل في أهم مكوناته شأنا ملكيا كما كان دائما، فالمسألة مرتبطة بميل ميزان القوة لفائدة المخزن الملكي أكثر من أي فاعل آخر ولو كانت “مؤسسة” رئاسة حكومة بصلاحيات مهمة، فرئيس الحكومة مثلا مستعد لدخول السجن إذا أمر الملك بذلك وسيظل معه أي، متفقا معه، كما قال بنكيران مؤخرا في لحظة “خشوع”!
النظام الملكي ذو الصلاحيات المطلقة لا يمكنه أن يُصرِّف قراراته في شتى مناحي أوراش الشأن العام إذا لم يكن لديه رجال ونساء يبوئهم مراكز متقدمة في التدبير، وقد درج النظام الملكي على طريقة خاصة لديه في “اختيار” كبار معاونيه، أي رجال الدولة النافذين.
“إلياس العماري” مثلا، تم “اختياره” في ظرفية معينة، لا بأس من إلقاء نظرة عابرة عليها..
شهورا قليلة بعد رحيل الملك الحسن الثاني، كان النقاش دائرا بين وريثه محمد السادس وشلة كبار مُعاونيه منهم أصدقاء الدراسة في المعهد الملكي بقصر الرباط، ويمكن إيجاز ذلك النقاش في السؤال التالي: ما هي أنجع طريقة لتسويق صورة إيجابية عن الملك الجديد.. فكان الجواب: “ليكن العهد الجديد”.
هكذا انبثق برنامج من عناوينه “ملك الفقراء” و”الإنصاف والمصالحة” و”المصالحة مع الريف”… إلخ.
بصدد العنوان الأخير أي “المصالحة مع الريف” طرح كاتب الدولة في الداخلية آنذاك صديق الملك فؤاد علي الهمة” اسم شخص اسمه “إلياس العماري” كان قد التقى به في مناسبة خاصة فنال قَبُوله، ومَن يقبله صديق الملك يقبل به هذا الأخير، وكذلك كان.
في ذلك اللقاء الخاص الذي جمع “الهمة” ب”العماري” تحدث الأول عن فكرة “الإنصاف والمصالحة” فاقترح الثاني أن “يستقطب” مجموعة من اليساريين المعروفين الذين قضوا مُددا طويلة أو متوسطة أو قصيرة في الاعتقال خلال ما بات يُعرف ب”سنوات الرصاص”.. الفكرة أعجبت صديق الملك، وما أعجبه أكثر أن “المُستقطِب” قرن القول بالفعل وأتاه برأس يساري كبير لا يقل عن الراحل “إدريس بنزكري” ثم “إدريس اليزمي” ف”أحمد حرزني” وغيرهم. وانطلق تنفيذ فكرة “الإنصاف والمصالحة” رسميا سنة 2004.
لا يهمنا ما قيل عن الرجل القصير القامة المنطفىء النظرات، بصدد “ماضيه” من قبيل اتهامه من طرف أحد أقاربه انشق عليه لأسباب شخصية باعتبار أنه كان منذ مرحلة تسعينيات القرن الماضي جاسوسا لفائدة “دي إيس تي” مكلفا بنقل معلومات عن الطلبة اليساريين بكل فئاتهم من جامعة فاس، حيث كان يتردد على هذه المؤسسة التعليمية العليا، ليس باعتباره طالبا لأنه ليس حاصلا على شهادة الباكالوريا، بل ليقرأ نُسخ “الفوطوكوبي” من مواد شعبة الحقوق، كما قال.
ما يهمنا هو مسار أداء الرجل باعتباره منفذا لبعض قرارات الدولة في ملفات من الشأن العام من قبيل “المصالحة مع الريف” و”الإنصاف والمصالحة”…
بصدد هذا الملف الأخير تبين كما أسلفنا، أن للرجل “موهبة” حقيقية في جمع المتناقضات ومنها إجلاس طرفين لذودين هما المخزن الملكي واليسار الراديكالي إلى طاولة واحدة، بل وأيضا “تفاهمهما” حول صيغة عمل حقوقي-سياسي مُنح له اسم “الإنصاف والمصالحة” ثم البرنامج الذي انطلق بعد ذلك وأساسه مادي تمثل في تعويض ضحايا “سنوات الرصاص” من المال العام بمئات ملايين الدراهم.
وكان الأهم من كل ذلك أن أقطاب اليسار الراديكالي من قبيل الراحل “إدريس بنزكري” و”أحمد حرزني” وغيرهما التحقوا بخدمة “العهد الجديد” وتولوا مناصب في الدولة منها رئاسة المجلس (الاستشاري) الوطني لحقوق الإنسان..
كان دور “إلياس العماري” أكثر من واضح باعتباره “مستقطِبا” بلغة السياسة و”سمسارا” بلغة التجارة وليختر القارىء منهما الذي يناسب وجهة نظره.
إذن تأكدت “كفاءة” الرجل القصير المنطفىء النظرات باعتباره أحد مُنفذي عنوان “برنامج مرحلي” شديد الأهمية بالنسبة للملك الجديد آنذاك محمد السادس وشلة أصدقائه وكبار معاونيه، هو تسويق صُورة جيدة عن “الملك الشاب” و”العهد الجديد”..
بالنسبة ل”المصالحة مع الريف” باعتبار هذه المنطقة القابعة في أقصى شمال المغرب كانت دائما “لقمة غير سائغة” لنظام المخزن الملكي، فإن “إلياس العماري” ابن نفس المنطقة يتحدث لهجة أهلها وسليل أسرة من يا أيها الناس تعيش في قرية مهمشة يشتغل فيها أبوه إمام مسجد و”فقيه الدوار” ليعيل أسرته الكبيرة العدد (أزيد من عشرة أبناء وبنات) فضلا عن أن “إلياس العماري” استفاد من “احتكاكه” بالعمل الحقوقي في فرع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بمدينة الحسيمة فأسس جمعيته الخاصة حول “الريف والغازات الكيماوية الاسبانية”.. ناهيك عن أنه كان الأداة المناسبة لسبر أغوار سكان المنطقة و”استقطاب” أفراد نخبها..
وكما حدث بالنسبة لنجاحه في مهمة “استقطاب” أفراد النخبة اليسارية، تمكن الرجل القصير المنطفىء النظرات من وضع منطقة الريف ونُخبه في صف “العهد الجديد” واليوم بعد “العمل الدؤوب” الذي قام به إلياس العماري فإن مدينة الحسيمة باعتبارها عاصمة المنطقة اكتسبت لون حزب “الأصالة والمعاصرة” بعدما كانت من قبل معروفة بميول سكانها (بالأخص الفئة المُسيسة منهم) اليسارية المعتدلة أو الراديكالية.
إذن، يتعلق الأمر بنجاح مهام “إلياس العماري” في مجال “الاستقطاب السياسي” أو “السمسرة السياسية” -إن شئتم- أكثر من أي شىء آخر.
نظن أن صورة نموذج “رجل المخزن الملكي النافذ” قد أصبحت واضحة، ومن معالمها: اقتناص فرصة ظرفية تمثلت في الحاجة إلى معاونين لتسويق صور إيجابية عن “العهد الجديد” وإرساء معالمه، سيما أن ظروف انتقال الحكم من الحسن الثاني إلى محمد السادس كانت تشوبها عدة هواجس أبرزها النفوذ المتعاظم لوزير الدولة القوي في الداخلية إدريس البصري، وصوره السلبية، والحاجة إلى تفتيت صرحه ببديل آخر هو “العهد الجديد”.
إن انحدار “إلياس العماري” من وسط اجتماعي بسيط يضمن ولاءه الشديد لأنه لا خيار آخر أمامه. وبالتالي جعله رجل تنفيذ المهام الحرجة، أي تلك التي تتطلب “الاحتكاك” بالواقع والملفات.. فكان بذلك هو “صديق صديق الملك”.. أي الرجل الذي يلي “فؤاد علي الهمة” في تنفيذ المهام التي يتم التخطيط لها في القصر.
كانت الخطة أن يتسلم زمام أمور العمل السياسي من خلال دفة “حركة من أجل كل الديموقراطيين” التي تحولت إلى حزب “الأصالة والمعاصرة” صديق الملك أي “الهمة” وأن يكون “العماري” الرجل الثاني في خطة سياسية لمنافسة، ولِمَ لا دحر إسلاميي حزب العدالة والتنمية في المشهد السياسي سيما الانتخابي، لكن حدث ما لم يكن في الحسبان..
اندلع ما سُمي ب”الربيع العربي” وكان منه ما كان، وذُهل المخزن الملكي من شعارات مظاهرات حركة 20 فبراير التي وصل بعضها حد المطالبة بإسقاط النظام، ورُفعت صور صديق الملك “فؤاد علي الهمة ” وكاتبة الخاص “محمد منير الماجيدي” وصديق صديق الملك “إلياس العماري” وآخرين من كبار النافذين في نظام المخزن الملكي باعتبارهم مسؤولين عن “الفساد والاستبداد”..
لم يقتصر الأمر على الذهول في مربع الحكم بل الخوف أيضا، حيث نُشر عن الرجل القصير القامة المنطفىء النظرات أنه “هرب إلى باريس” في تلك الفترة العصيبة التي مرت على نظام المخزن الملكي، بينما كان الأثر على صديق الملك “فؤاد علي الهمة” بالغا حيث بارح “ظاهريا” بعد ذلك كل صلة له بالعمل السياسي المباشر، وأصبح مستشارا للملك محمد السادس.
وكان دستور نونبر 2011 والانتخابات التي أعقبته وجاءت بحزب العدالة والتنمية إلى رئاسة الحكومة… وباقي التفاصيل المعروفة التي لا فائدة من تكرارها.
المهم إنه بعد انقشاع غيمة “الربيع العربي” والأمطار السُّخَامِيَةِ السوداء التي أسقطتها، تسلم صديق صديق الملك واجهة العمل السياسي مكان “الهمة” وهو يوجد اليوم على رأس حزب السلطة “البام” ويصرِّف مشاريع سياسية وتنفيذية ومالية وإعلامية وأمنية… غير خاضعة لنص الدستور بل لسلطة الملك، وبالتالي فلا محاسبة ولا مراقبة تواكبها أو تليها.
وبذلك يتبين أن المخزن الملكي وقبله السلطاني، ظل وفيا لطريقته الفريدة في استقطاب كبار مُعاونيه، أي من بين المنحدرين من وسط اجتماعي بسيط فيتم اجثثاتهم منه، كما حدث مثلا مع رفاق الدراسة في المعهد الملكي، ثم جعلهم “خداما أوفياء” بالضرورة، أو استجلاب آخرين من نفس الوسط الاجتماعي ممن أظهروا “كفاءتهم” في الاشتغال على تنفيذ مضامين الملفات الأثيرة وذات الأولية بالنسبة للمخزن الملكي.
إن معاونين للمخزن الملكي من هذا العيار سيكونون دائما سجناء للبون الشاسع بين أصلهم الاجتماعي، وافتقارهم للتجربة في العمل السياسي والتدبيري بمعناهما الاحترافي، من جهة، ومراكز السلطة والنفوذ الكبيرين اللذين يتبوأونها، من الجهة المقابلة، وبالتالي يكون معيار “كفاءتهم” لصيقا بمدى خدمة “مول شِّي”.