مرصد دولي يطالب بتحديث قانون الصحة العقلية ويحذر من اختلالات التكفل بالمرضى

الرباط :زينب الدليمي

حذر المكتب الجهوي للمرصد الدولي للإعلام وحقوق الإنسان من تفاقم أزمة الأشخاص المصابين باضطرابات عقلية حادة، خاصة الحالات التي تتسم بالسلوك العنيف، وما يرافقها من مخاوف مرتبطة بسلامة المواطنين والأمن العام، مجددا دعوته للحكومة إلى التعجيل بإعداد مشروع قانون جديد ينظم مجال الصحة العقلية والنفسية بالمغرب، بما يستجيب للتحولات التي يعرفها هذا القطاع والتحديات المطروحة على مستوى تدبيره.
وأكد المرصد، ضرورة إشراك المهنيين والحقوقيين بشكل فعلي في إعداد مشروع القانون المرتقب، مشددا على أهمية صياغة نص قانوني واقعي يستند إلى المقاربة العلاجية ويحترم كرامة الأشخاص المصابين باضطرابات عقلية، مع توفير الاعتمادات المالية الضرورية لضمان تنزيل مقتضياته على أرض الواقع ، مشيرا إلى مسألة استمرار تدبير قضايا الصحة النفسية والعقلية استنادا إلى ظهير يعود إلى سنة 1959، ومتسائلا عن مدى ملاءمة هذا الإطار القانوني القديم مع طبيعة الحالات المرضية المسجلة حاليا، وما أصبحت تعرفه من تعقيدات وتحديات، مقارنة بالوضع الذي كان سائدا قبل أكثر من ستة عقود.

و رصدت الهيئة المدنية ، مجموعة من الصعوبات التي تعترض المتدخلين المباشرين في التعامل مع هذه الحالات، مشيرة إلى أن السلطات المحلية تجد نفسها مضطرة إلى اتخاذ قرارات الإيداع التلقائي للأشخاص المصابين باضطرابات عقلية في مصالح الأمراض العقلية ، وأحيانا في مؤسسات صحية خارجها دون أن تتوفر بالضرورة على الوسائل البشرية والتقنية الكافية لمواكبة هذه العمليات.
ونبه نفس المصدر ، إلى الخصاص في الأطر المدربة على التعامل مع المرضى الذين يوجدون في حالات هيجان، الأمر الذي يزيد من صعوبة التدخل ويطرح تحديات إضافية تتعلق بسلامة جميع الأطراف المعنية، سواء المرضى أنفسهم أو الأشخاص المكلفين بنقلهم ومرافقتهم ، مضيفا أن الاختلالات المسجلة لا ينبغي إرجاعها إلى الأطر الطبية والتمريضية، التي تواصل أداء مهامها في ظروف صعبة وبجهود استثنائية ، وإنما ترتبط أساسا بالخصاص المزمن في الموارد البشرية المتخصصة ، إلى جانب محدودية عدد الأسرة المتاحة مقارنة بأعداد المرضى الذين يحتاجون إلى الرعاية والعلاج .
واعتبر المرصد أن هذه الوضعية تؤدي في حالات عديدة، إلى عودة المرضى إلى الشارع بعد تعذر التكفل بهم داخل المؤسسات الصحية ، أو عدم توفر الإمكانات اللازمة لاستمرار علاجهم ومواكبتهم، وهو ما يعيد طرح إشكالية غياب منظومة متكاملة للتعامل مع الاضطرابات العقلية ، تجمع بين العلاج والاستشفاء والمتابعة الاجتماعية ، مطالبا الحكومة ومختلف المؤسسات المعنية من أجل اتخاذ مجموعة من التدابير الكفيلة بمعالجة الاختلالات المسجلة في مجال الصحة العقلية والنفسية و بالتعجيل بإعداد مشروع قانون جديد ينظم هذا المجال، مع ضمان مشاركة فعلية للمهنيين والحقوقيين في صياغته، واعتماد مقاربة علاجية تضع كرامة المرضى وحقوقهم في صلب الاهتمام ، بما يضمن التوفيق بين حقهم في العلاج والرعاية الصحية وضرورة حماية أمن المواطنين وسلامتهم .
كما دعا نفس المصدر الحكومة، ووزارة الصحة على وجه الخصوص، إلى تحمل مسؤولياتها الدستورية في مواجهة التحديات التي يعرفها هذا القطاع، مؤكدا ضرورة تخصيص ميزانيات استثنائية وعاجلة لبناء مصحات جهوية متكاملة للأمراض العقلية، إلى جانب توظيف عدد كاف من الأطر الطبية المتخصصة، بما يسمح بتحسين ظروف التكفل بالمرضى وتخفيف الضغط على المؤسسات الصحية القائمة و باتخاذ التدابير اللازمة لتوفير الحماية الكافية لرجال وأعوان السلطة المحلية خلال عمليات مرافقة المرضى الذين تظهر عليهم سلوكات عنيفة ونقلهم إلى المؤسسات الصحية المختصة.
وشدد المرصد على أن ضمان سلامة هذه التدخلات ، يستدعي إشراك عنصر مدرب تابع لوزارة الصحة، بما يتيح التعامل مع الحالات الصعبة وفق شروط أكثر أمانا ونجاعة مع ضرورة عدم ترك الطبيب أو الممرض النفسي أو رجل السلطة يتعامل بمفرده مع الحالات العنيفة، داعيا إلى وضع بروتوكول واضح للتدخل يحدد مسؤوليات مختلف الأطراف المعنية، وينظم آليات التنسيق بينها، ويضمن توفير الحماية اللازمة للمرضى والمتدخلين والمواطنين ، ومضيفا أن تعزيز العرض الصحي المتخصص يشكل مدخل أساسي لتحسين التكفل بالأشخاص الذين يعانون اضطرابات عقلية، وتوفير فضاءات ملائمة لاستقبال الحالات التي تستدعي العلاج والمراقبة الطبية.
كما طالب المصدر ذاته بالرفع العاجل من عدد الأطباء النفسيين والممرضين المتخصصين، مع إقرار تحفيزات لفائدة الأطر التي تشتغل في الأقاليم التي تعاني خصاصا في الموارد البشرية، بما يشجع على استقطاب الكفاءات الطبية والتمريضية وضمان توزيع أكثر توازنا للموارد البشرية المتخصصة بين مختلف المناطق ، وإحداث وحدات خاصة داخل المستشفيات للتعامل مع الحالات الخطرة، تكون مهمتها استقبال الأشخاص الذين تظهر عليهم سلوكات عنيفة بشكل مؤقت، إلى حين استقرار حالتهم الصحية أو توفير سرير داخل مؤسسة متخصصة، بما يضمن التدخل العلاجي في الوقت المناسب ويحد من الصعوبات التي تواجهها الجهات المكلفة بالتعامل مع هذه الحالات.
و شددت الهيئة على أهمية إشراك المجتمع المدني في معالجة هذا الملف ، من خلال تأسيس جمعيات تضطلع بمهمة مساندة أسر الأشخاص المصابين باضطرابات عقلية ، وتقديم الدعم اللازم لها والعمل على تسهيل إدماج المرضى في محيطهم الاجتماعي، بما يعزز مواكبتهم خارج المؤسسات الصحية ويسهم في الحد من مظاهر الإقصاء والتهميش ، مؤكداعلى استعداده لمواصلة مختلف أشكال الترافع من أجل الدفع نحو معالجة الاختلالات ، التي يعرفها مجال الصحة العقلية والنفسية، والدفاع عن حق المواطنين في الأمن والسلامة والعيش الكريم، وعلى ضرورة اعتماد مقاربة شاملة تجمع بين حماية الحقوق وضمان العلاج الملائم وتوفير الإمكانات البشرية والمادية اللازمة

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد