اصلاح المناهج التربوية الدينية .. ما المانع ؟

 

المصطفى المعتصم

ما أن طلب ملك المغرب بضرورة تنقيح المناهج التعليمية الدينية، حتى ارتفعت الأصوات من هنا وهناك محتجة ومولولة ومهولة بدعوى أن هذا الأمر يأتي متناغما مع صرخات بعض العلمانيين المتطرفين في كون المدرسة المغربية تنتج التطرف بشكل من الأشكال من خلال نوعية الدروس التي تقدمها للناشئة . تنقيح وتطوير كل المناهج التربوية ومنها الدينية كان مطلبنا نحن في حزب البديل الحضاري منذ مدة . باعتبار أن العالم يتطور ويتبدل من حولنا وإن العلوم تعيش طفرة يومية و مجتمعنا يتطور بسرعة والتحديات التي تواجهه تتعقد وأسئلة الواقع تطرح بإلحاح والأجوبة عليها لا تحتمل التأخير فلا معنى إذن الإبقاء على مناهج تمر عليها عقود من دون أن يطالها تغيير. إن الحكم على المناهج التعليمية الدينية بالجمود يؤدي إلى غربة الدين واهتماماته وتقلص تأثيره على الناس وقد يتحول إلى عامل جذب نحو قاع المحافضة عوض أن يكون عامل الرفع نحو التجديد والبناء الحضاري . قد يشكل المتطرفون العلمانيون ومعهم كل المتحاملين على الدين مصدر تشويش يجب التعامل المناسب معه ولكن علينا أن نخشى أكثر بعض المتدينين الذين يعتقدون أنهم يمتلكون الفهم الحقيقي المطلق للنص الديني ويريدون فرض هذا الفهم . خوفي الكبير من بعض اللذين يدعون فقه الدين وما هم إلا متكلسين مقلدين خارجين عن الزمكان . خوفي في أن تنجح آلة المحافضة المتمثلة في بعض التيارات الإسلامية القريبة من الأوساط السلفية وفي بعض العلماء والدعاة والخطباء المتسلفين في إعادة انتاج مناهج متجاوزة فيصبح اصلاح المناهج الدينية فارغ من كل محتوى بناء هادف . وأسأل كل الذين يصرخون ويولولون ويهددون ويتهمون هذا أو ذاك : هل أنتم راضون عن ما يدرس من معارف دينية وراضون عن طرق تدريسها وطرق التقويم فيها ؟ إن كنتم راضون فنحن لسنا كذلك . لأننا فعلا نرى أن المناهج الحالية بها ما ينفر من الدين وبها ما قد يشكل مدخل من مداخل الفهم المتطرف الشاذ لبعض النصوص الدينية وليس عيبا الاعتراف بهذا الأمر وأشكر كل من وضحه وألقى الضوء عليه بغض النظر عن انتمائه الإيديولوجي، فرحم الله أمرؤ يهدي إلينا عيوبنا . وعوض سب الناس واتهام النوايا وعوض سب الظلمة والظلمات فلنتعلم في هذا البلد اشعال شموع في ليل مناهجنا وبرامجنا وخاصة الدينية منها بل في كل القضايا . نحن في حاجة إلى مناهج تؤسس لنظرة إسلامية حقيقية بعيدة عن بعض التأويلات الفقهية والمذهبية المتطرفة . مناهج تأكد أن الله الرحمان الرحيم هو الخالق والمعبود ولا رب سواه ، بشرا أو حجرا أو مصلحة ، و تأكد على الطبيعة والكون باعتبارهما المجال الذي خلقه الله ليعيش فيه الإنسان فلا يجوز الإفساد فيه وقد أصلحه الله وعلى هذا الإنسان أن ينمي هذا المجال ويعمره فهذا مقتضى الاستخلاف ومقتضى العمارة . ويؤكد على وحدة الإنسان ووحدة هدفه بالرغم من تنوع أصوله ومعتقداته . و المنهاج القرآني نموذج في هذا المجال فهو حينما ركز على وحدة الله ووحدة الكون ركز أيضا على وحدة الإنسان في تنوعه و ركز أيضا على وحدة الرسالة / الهدف منذ آدم ونوح وإبراهيم إلى محمد عليهم صلاة الله وسلامه ، أي : تحقيق التوحيد والعدل ، العدل بمفهومه الشامل وفي كل شيئ بما في ذلك مع الخصوم والأعداء والمخالفين وركز على تزكية وتكميل مكارم الأخلاق وهنا يأتي البعد الإنساني المبني على الرحمة: ” وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ” .

بقيت الإشارة إلى أن القول بأن ظهور التطرف الديني وربطه باحتواء مناهجنا التعليمية الدينية على بعض المفاهيم أو التفسيرات المتعسفة للنص الديني ، قول فيه الكثير من المبالغة المقرونة بالكثير من التبسيط لظاهرة معقدة. فالأكيد أن جزء كبير من المتطرفين لم يكونوا يوما من رواد المدرسة أو الجامعة المغربية . التطرف الأصولي ظاهرة عالمية وليست خاصة بالمسلمين وعلينا أن نفتح حوارا وطنيا حقيقيا حولها للوقوف على كل أبعادها وأسبابها . حوارا لا يقصي أي كان أو يهمشه بما في ذلك المتطرفون الذين يجب أن يكونوا أول من طرح عليهم سؤال : لماذا أنتم مختلفون؟ ولماذا فهمكم للدين فهما متطرفا ؟ . يجب أن نلقي السمع لأبناء من هذا الوطن نحسبهم متطرفين حتى نفهم لماذا هم متطرفون ففهم هذه الظاهرة ابتداءا منطلق مهم في علاج هذه الظاهرة و حل الإشكالات والمشاكل المرتبطة بها

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد