وصل المقال فيما بين الحكومة ووزير حقوق الإنسان ومنظمة العفو الدولية من اتصال

بقلم : الدكتور سمير أبو القاسم

هل يمكن لوزير حقوق الإنسان المغربي أن يمثل المغاربة في جنيف مستقبلا، لاستعراض الوضعية الحقوقية على المستوى الوطني ؟ وهل سيسمح له بذلك من طرف الأعضاء داخل هذا المحفل الدولي ؟

إن تركيز الحكومة على التوازنات الماكرواقتصادية، وانحصار تفكيرها في التوازنات المالية الكبرى، وإهمالها للبعدين الاجتماعي والإنساني في سياساتها العمومية، يعمل على المزيد من تفويت الفرص وإضاعتها من أجل توفير شروط العيش الكريم، وترك المواطنات والمواطنين عرضة لجميع عوامل التعرية أمام الهشاشة والفقر وغياب الحماية الاجتماعية، والتقصير في أداء واجبها من حيث خلق الثروة وإحداث مناصب الشغل، وإضعاف قدرات الدولة على مستوى توفير الحماية الصحية والتعليم الجيد وتكافؤ الفرص بين الجهات والمناطق.. وهو ما يزيد من تعميق الأزمة، ويؤجج الأوضاع الاجتماعية، ويؤدي إلى بروز مظاهر الاحتقان الاجتماعي هنا وهناك.

بل وما يزيد الطينة بلة هو عدم اكتراث الحكومة للمقاربة التشاركية وتوسيع نطاق مشاوراتها مع الفاعلين السياسيين والاقتصاديين والاجتماعيين، وسد باب الحوار الاجتماعي على مختلف التعبيرات والتمثيليات الاجتماعية المتواجدة، فيصل الأمر بالتالي إلى التضييق على الحريات، سواء تعلق الأمر بالتظاهر والاحتجاج، أو التعبير عن الرأي أو الموقف، أو متابعة الأشخاص بفعل المشاركة في الاحتجاج والتظاهر. وهو يجعل الحكومة في موقع انتهاك الحقوق والحريات بسبب عدم قدرتها على تدبير وتسيير الشأن العام بما يضمن المصالح المتكافئة لعموم المواطنات والمواطنين.

ألم يكن حريا بالحكومة اليوم الخروج للرأي العام ببيان توضيحي بخصوص خرق القانون من طرف وزيرين ضمن تشكيلتها، وعدم احترامهما لحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها دوليا، وكما وقعت الدولة المغربية على مواثيقها والتزمت بضمان احترامها وتفعيلها ؟

ألم يكن الأسلم، بدل التهجم على منظمة العفو الدولية كفاعل حقوقي وشريك للعديد من القطاعات الحكومية في مجال النهوض بثقافة حقوق الإنسان، إقالة الوزير المكلف بمهمة السهر على ضمان وإعمال حقوق الإنسان، ومتابعته قضائيا على ما اقترفه من مخالفة لما هو مطوق به من أمانة في عنقه وما هو داخل في اختصاص وصلاحية مسؤوليته السياسية والحقوقية داخل الحكومة ؟

ألا يمكن اعتبار هذا الإخلال الممنهج بالواجب من موقع المسؤولية الحكومية للوزيرين “إساءة لمكاسب الوطن الحقوقية والتنموية”، بخلفية التحامل على الدولة والمجتمع، وبتحريض مقصود لجهات أجنبية على كل ما له صلة بالحداثة والديمقراطية وحقوق الإنسان ؟

ألا يعتبر لجوء الحزب الأغلبي في الحكومة إلى تبرئة ذمة الوزيرين عبر لجنة حزبية سعيا لإقامة دولة داخل دولة، بتحريك من حركات أجنبية حاقدة على المؤسسات الوطنية، فيها كل مواصفات شبهة المس بسلامة الدولة وارتباطها بأجندة لا علاقة لها باحترام المؤسسات الوطنية والدفاع عن حرمتها والدفع في اتجاه إفقادها المصداقية اللازمة للقيام بمهامها تجاه المواطنات والمواطنين ؟

ألا يعد سلب الأُجرَاء حقوقهم وحرياتهم، والنصب على عائلاتهم لتبرير هذه الممارسات غير القانونية والمنافية لكافة الشروط الإنسانية، معاكسة لمسار التاريخ وتوجهات المجتمع الدولي نحو تثمين المكتسبات الإيجابية في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان والنهوض بثقافتها ؟

ألم يكن الأجدر برئيس الحكومة إيقاف مهزلة رد الوزيرين عبر ادعاءات ومغالطات تضع المغرب في مأزق داخل المنظومة الحقوقية الدولية، وتَوعُّد هاذين الوزيرين باتخاذ ما يلزم للدفاع عن الأمن الحقوقي للبلاد ؟

أم أن هاذين الوزيرين ينحدران من حزب متغول على الدولة والمجتمع، عكس ما هو عليه الأمر بالنسبة لمنظمة مدنية ذات صبغة حقوقية ؟

وهل يستحق تذكير الحكومة بأن دستور 2011، الذي جاء تتويجا لمسار طويل من إرساء ودعم مقومات الدولة العصرية القائمة على الديمقراطية وحقوق الإنسان، وجهد كبير في التجاوب مع المطالب الملحة للقوى الديمقراطية الحداثية وحاجيات وانتظارات عموم الجماهير بكل فئاتها الشعبية، عمل على ضمان الحق في الحياة الخاصة للأشخاص، وعدم انتهاك حرمة منازلهم، ومنع القيام بالتفتيش إلا وفق شروط وإجراءات قانونية، وعدم انتهاك سرية الاتصالات الشخصية أو الاطلاع على مضمونها واستعمالها إلا بأمر قضائي، وضمان حرية التنقل داخل الوطن وخارجه، وكفالة حرية الفكر والرأي والتعبير وحرية الإبداع والنشر والعرض، وضمان حق المواطنات والمواطنين في الحصول على المعلومات وعدم تقييده إلا بمقتضى قانوني، وضمان حرية الصحافة وعدم تقييدها بالرقابة القبلية، وضمان الحق في التعبير، ونشر الأخبار والأفكار والآراء، بكل حرية، ومن غير قيد، عدا ما ينص عليه القانون صراحة، هل يستحق مثل هذا التذكير التهجم الحكومي الشرس على العمل المدني الذي تقوم به الجمعيات في مجال حقوق الإنسان ؟

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد