الرِّسالويون

ذ. محمد معروف، جامعة شعيب الدكالي

ذ. محمد معروف، جامعة شعيب الدكالي

لا يُبنى المجتمع بالاقتصاد والاستثمار وحدهما، بل يقوم أيضاً على مهن تؤدي وظائف أساسية في تكوين الإنسان، وحماية حياته، وتنظيم علاقاته، وضمان حقوقه. ومن بين هذه المهن التعليم والطب والمحاماة، التي اخترناها نماذج للتحليل لما تضطلع به من أدوار محورية في بناء المجتمع واستمراره وتماسكه. غير أن هذه الأمثلة لا تستنفد المهن ذات الرسالة الاجتماعية، ولا تحصر أخلاق التفاني والتضحية في أصحابها؛ فما يصدق عليها يمكن أن يمتد، بدرجات متفاوتة، إلى مهن أخرى، وفق طبيعة وظائفها ومساهمتها في الصالح العام. ولذلك يستطيع القارئ أن يقيس على هذه النماذج تجربته المهنية، وأن يتساءل عن موقع الرسالة الأخلاقية وحسابات الترقي والمصلحة المادية في مساره الخاص.

في المغرب، قد يقضي أستاذ جامعي أربعة عقود في التدريس والبحث العلمي وتأطير أجيال من الطلبة، ثم يقترب من سن التقاعد وهو لا يزال يسدد أقساط قرض منزله وسيارته، دون أن يكون قد راكم من المدخرات ما يضمن له استقراراً مادياً مريحاً. وفي المقابل، قد يكون زميل له قد اختار، منذ سنوات، توسيع نشاطه في التعليم الخاص، أو تولّي مناصب إدارية “دسمة”، بما تتيحه من تعويضات مالية وامتيازات وظيفية ومكانة اجتماعية، بعيداً نسبياً عن أعباء التدريس اليومي، أو تقلّد مسؤوليات سياسية يتيحها له القانون بما تتيحه من امتيازات ومكاسب غنائمية، أو الاستثمار في مشاريع اقتصادية مدرّة للدخل، فتَمَكَّن من تحسين وضعه الاقتصادي ومراكمة ثروة مهمة. وهكذا، قد ينتهي المساران المهنيان إلى وضعين ماديين متباعدين، رغم انطلاق صاحبيهما من المؤسسة الجامعية نفسها، لاختلاف اختياراتهما في توظيف خبرتهما العلمية واستثمار الفرص المهنية والاقتصادية المتاحة لهما. ويمكن ملاحظة تفاوت مشابه بين الطبيب الذي أمضى مساره المهني في المستشفى العمومي وزميله الذي استثمر خبرته في عيادة أو مصحة خاصة، وبين المحامي الذي انشغل بالدفاع عن الحقوق والحريات، وآخر تخصص في ملفات التأمين والتعويضات والمنازعات التجارية ذات المردودية المرتفعة.
لا يتعلق الأمر هنا بالمفاضلة الأخلاقية بين هؤلاء المهنيين، ولا بالقول إن العاملين في القطاع العمومي أكثر إخلاصاً لرسالتهم من نظرائهم في القطاع الخاص. فالمسألة تتعلق بالطريقة التي أعادت بها التحولات الاقتصادية والاجتماعية في المغرب تعريف النجاح المهني. فقد ارتبط التعليم والطب والمحاماة تاريخياً بفكرة الرسالة الاجتماعية، بينما أصبح اليوم النجاح فيها يُقاس أيضاً بالقدرة على تحويل الخبرة والمعرفة والعلاقات المهنية إلى دخل وثروة وممتلكات. وهنا تبرز مفارقة تستحق التأمل: كيف يمكن لمجتمع أن يربي أبناءه على أن التعليم والطب والدفاع عن العدالة رسائل نبيلة، ثم يحاسب أصحاب هذه الرسائل، في حياتهم اليومية، بمعايير النجاح المادي نفسها التي تحكم عالم التجارة والاستثمار؟ وهل أصبحت الرسالة المهنية، بالنسبة إلى بعض من اختاروا الوفاء لها، عبئاً اقتصادياً يدفعون ثمنه عند نهاية مسارهم الوظيفي؟

ويمكن مقاربة هذه المفارقة من خلال التمييز بين نمطين من السلوك المهني: الرِّسالوي، الذي يتعامل مع مهنته بوصفها رسالة أخلاقية ووطنية تتقدم على حسابات المنفعة الشخصية، والكارييريست (Careerist)، الذي ينظر إلى المهنة بوصفها مساراً للترقي الوظيفي والاجتماعي ومراكمة المكاسب المادية والرمزية. ولا يتعلق الأمر بفئتين متعارضتين بالضرورة، بل بنموذجين تحليليين قد يتداخلان في الممارسة المهنية.

المهنة بوصفها رسالة وطنية

لم يكن اختيار مهنة التعليم أو الطب أو المحاماة، بالنسبة إلى أجيال من المغاربة، مجرد قرار اقتصادي تحكمه توقعات الدخل، والمسار المهني، والترقي الاجتماعي. فقد ارتبطت هذه المهن بسردية أخلاقية ترى في العمل وسيلة لخدمة المجتمع، والمساهمة في بناء الوطن. فالأستاذ يساهم في تكوين الأجيال، والطبيب يحمي حياة المواطنين، والمحامي يدافع عن الحقوق والعدالة. ومن هذه الوظائف الاجتماعية تستمد المهن الثلاث جزءاً مهماً من مكانتها الرمزية. ويمكن فهم هذا التصور من خلال مفهوم النداء أو التكليف الأخلاقي (Calling) الذي ناقشه ماكس فيبر، ويجمع بين معنى المهنة ومعنى النداء الأخلاقي. فالعمل، وفق هذا التصور، ليس مجرد نشاط اقتصادي، بل مصدر للمعنى والهوية والشعور بالواجب. وقد يجد الأستاذ في نجاح طلبته، والطبيب في شفاء مرضاه، والمحامي في إنصاف موكليه، مكافأة معنوية، لا تختزلها قيمة الأجر الذي يتقاضاه. وتكتسب هذه الرسالة بعداً وطنياً يمكن قراءته في ضوء مفهوم الجماعات المتخيلة عند بندكت أندرسون. فالأمة جماعة يتصور أفرادها أنهم ينتمون إلى مصير مشترك، رغم أن معظمهم لا يعرف بعضهم بعضاً معرفة شخصية. ومن خلال التعليم والعلاج والدفاع عن الحقوق، يساهم أصحاب هذه المهن في تحويل الانتماء الوطني من تصور مجرد إلى ممارسة يومية. فالأستاذ الذي يدرّس أبناء أسر لا يعرفها، والطبيب الذي يعالج مواطنين لا تربطه بهم قرابة، والمحامي الذي يدافع عن أشخاص خارج محيطه الاجتماعي، يمارسون أشكالاً من التضامن تتجاوز العلاقات الشخصية المباشرة. وتصبح الوطنية، بهذا المعنى، أكثر من رفع الشعارات أو التعبير عن الاعتزاز بالهوية. إنها تتجسد في العمل المتقن ونقل المعرفة وحماية الحياة والدفاع عن الحقوق. غير أن هذه السردية تحمل في داخلها تناقضاً عندما يتحول الإخلاص للوطن من مصدر للمعنى إلى مبرر للتضحية بالمصلحة الشخصية.

حين تصبح التضحية معياراً للإخلاص المهني

لا يولد الإنسان وهو مقتنع بأن بعض المهن تستحق التضحية المادية أكثر من غيرها، بل يكتسب هذه القناعة عبر التنشئة المدرسية والاجتماعية والمهنية. فمنذ المدرسة، يتعرف التلميذ إلى صور مثالية للمعلم الذي يكرس حياته لتربية الأجيال، والطبيب الذي يسهر على راحة المرضى، والمحامي الذي ينتصر للمظلوم. وتتكرر هذه الصور في الخطاب التربوي والاحتفالات والمناسبات الوطنية، حتى تصبح جزءاً من التصور الجماعي للمهنة الناجحة. وقد يستبطن المهني هذه السردية إلى درجة تجعله يشعر بأن الاهتمام بالدخل يتعارض مع نبل رسالته. فالأستاذ الذي يطالب بتحسين وضعه المادي قد يُذكََّر بأن التعليم رسالة قبل أن يكون وظيفة، والطبيب الذي يناقش شروط عمله، قد يُطالَب باستحضار واجبه الإنساني، والمحامي الذي يهتم بمردودية مكتبه قد يبدو، في بعض التصورات الأخلاقية، أقل التزاماً بقيم العدالة. وهكذا قد تتحول الرسالة إلى شكل من أشكال الانضباط الذاتي؛ فالمهني لا ينتظر دائماً من المؤسسة أن تطالبه بالتضحية، لأنه يكون قد تعلم أن يطالب نفسه بها. وهنا تتشكل الشخصية الرِّسالوية بوصفها نتاجاً للتنشئة المهنية والوطنية، إذ يستبطن الفرد أخلاق التضحية إلى الحد الذي يجعله يقدم مصلحة المؤسسة والمجتمع على حساب أمنه الاقتصادي ومستقبل أسرته. ويصبح التفاني معياراً للحكم على الذات، بينما قد تتحول المطالبة بالمصلحة المادية إلى مصدر للشعور بالذنب. وتستفيد المؤسسات والمجتمع من هذا الاستعداد عندما يجدون أساتذة يخصصون وقتاً إضافياً لطلبتهم، وأطباء يبذلون جهوداً استثنائية في ظروف صعبة، ومحامين يدافعون عن أشخاص عاجزين عن تحمل الأتعاب. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح هذا العطاء الاستثنائي أمراً متوقعاً بصورة دائمة، أو بديلاً عن تحسين شروط العمل والتعويض المادي.
ومن هنا ينبغي التمييز بين التضحية بوصفها اختياراً أخلاقياً حراً، والتضحية بوصفها توقعاً اجتماعياً مفروضاً. فالأولى قد تمنح العمل معنى عميقاً، أما الثانية فقد تحول الفضيلة الفردية إلى وسيلة لتعويض أوجه القصور المؤسساتي. فحين تصبح التضحية جزءاً من تعريف المهني الجيد، قد يتحول الإخلاص للمهنة إلى مورد تستفيد منه المؤسسة، بينما يتحمل الفرد وأسرته تكلفته المادية.

الحالة المغربية: المهنة الواحدة والمسارات المهنية المتباينة

تكشف التجربة المغربية عن تباعد المسارات الاقتصادية داخل المهنة الواحدة. ففي الطب، اختار بعض الأطباء تطوير نشاطهم في القطاع الخاص، سواء من خلال العيادات أو المصحات أو الاستثمارات المرتبطة بالخدمات الصحية، وتمكن بعضهم من بناء ثروات مهمة. وفي المقابل، ظل آخرون مرتبطين أساساً بالمستشفى العمومي، حيث لا تتحول الخبرة المهنية بالضرورة إلى تراكم مالي مماثل. وفي التعليم، يتجلى هذا التفاوت في توجه بعض الأساتذة، بمن فيهم جامعيون، إلى تقديم خدمات تعليمية في المؤسسات الخاصة، أو إلى أنشطة استشارية وتكوينية مدفوعة الأجر. فقد أدرك الكارييريست أن الراتب الوظيفي وحده قد لا يسمح بتحقيق تطلعاته المادية، فاختار توظيف خبرته خارج المؤسسة العمومية لزيادة دخله أو بناء موارد مالية إضافية. بينما ظل الرِّسالويون يخصصون الجزء الأكبر من وقتهم للبحث العلمي والتأطير والتدريس داخل الجامعة بوتيرة تتفاوت وفق مستواهم الأكاديمي وظروف ممارستهم المهنية، دون أن يحققوا بالضرورة عائداً اقتصادياً موازياً لحجم استثمارهم المعرفي والزمني.

وفي مقابل النزعة الرسالوية، تتجلى النزعة الكارييرية في التعامل مع المهنة بوصفها مجالاً لاستثمار الكفاءة والعلاقات والفرص المتاحة من أجل الترقي وتحسين المكانة الاجتماعية والاقتصادية. فالكارييريست لا يكتفي بالترقي في مهنته الأصلية، بل يسعى أيضاً إلى تحويل موقعه المهني إلى رصيد قابل للتوظيف في مسارات إدارية أو سياسية أو اقتصادية أكثر مردودية. فقد ينتقل الأستاذ الجامعي، مثلاً، من التدريس والبحث والتأطير إلى تولّي مناصب إدارية أو سياسية تمنحه سلطة أوسع وامتيازات مادية ورمزية أكبر. وقد يتيح له هذا الانتقال الابتعاد عن أعباء العمل الأكاديمي اليومي. وهكذا، قد يصبح النجاح المهني مرتبطاً بالقدرة على الترقي داخل هرم المؤسسة، حيث تتزايد المكافآت والمكانة الاجتماعية، بينما تتراجع أحياناً كثافة العمل الذي يشكل جوهر المهنة الأصلية.

أما في المحاماة، فتتفاوت المردودية المالية بحسب طبيعة التخصص، والزبناء، وشبكات العلاقات. فبعض المحامين يتجهون إلى قضايا التأمين والتعويضات والمنازعات التجارية، أو إلى تقديم الخدمات القانونية للشركات وأصحاب الرساميل والفاعلين الاقتصاديين النافذين، بينما ينشغل آخرون بقضايا اجتماعية وحقوقية أو بملفات موكلين محدودي الدخل. ولا تتحدد الفوارق المالية هنا بمدى كفاءة المحامي أو قيمة عمله بالنسبة إلى العدالة وحدهما، بل تتأثر أيضاً بالقدرة الاقتصادية للزبون وطبيعة السوق القانونية التي يشتغل داخلها. ولا ينبغي اعتبار هذه الأمثلة قاعدة تشمل جميع المهنيين المغاربة. فالقطاع الخاص لا يضمن الثراء، والقطاع العمومي لا يعني بالضرورة الهشاشة، كما أن النجاح المالي لا يدل في ذاته على غياب الضمير المهني. لكن هذه المسارات تكشف عن تحول في تصور المهنة، حيث لم يعد النجاح مرتبطاً فقط بما يقدمه الفرد للمجتمع، بل أصبح مرتبطاً كذلك بقدرته على تحويل كفاءته إلى مورد اقتصادي قابل للتوسع والتراكم. ولذلك، فإن الذين توجهوا إلى القطاع الخاص لم يختاروا دائماً التخلي عن رسالتهم، بل أعاد بعضهم تعريف النجاح المهني نفسه. فلم تعد المهنة عندهم غاية أخلاقية قائمة بذاتها، وإنما أصبحت أيضاً مشروعاً اقتصادياً ينبغي أن يضمن لصاحبه وأسرته مستقبلاً مادياً أفضل. والمفارقة هنا أن النظام المهني قد يكافئ من يبتعد عن الممارسة المباشرة للمهنة أكثر مما يكافئ من يواصل أداءها بمنطق الرسالة.

الرأسمالية وإعادة تعريف النجاح المهني

يعكس هذا التحول اتساع منطق السوق داخل مجالات كانت تستمد جزءاً كبيراً من مشروعيتها من وظيفتها الاجتماعية. فالمعرفة الطبية أصبحت قابلة للاستثمار في مشاريع صحية خاصة، والكفاءة التعليمية يمكن تسويقها في مؤسسات التكوين والاستشارة، والخبرة القانونية قد تتحول إلى خدمات ذات قيمة تجارية مرتفعة. ولا يعني ذلك أن الرأسمالية تفرض على جميع المهنيين التخلي عن أخلاق الرسالة، لكنها تجعل القدرة على تحويل المهارات إلى دخل وممتلكات معياراً مؤثراً في تقييم النجاح. ومع انتشار ثقافة الاستهلاك، تزداد أهمية هذا المعيار، حيث تصبح ملكية المنزل والسيارة، وتعليم الأبناء، والسفر، والعلاج في المصحات الخاصة، والقدرة على الادخار مؤشرات ملموسة على المكانة الاجتماعية. ويمكن قراءة هذه المفارقة من خلال التمييز الذي أقامه بيير بورديو بين أشكال الرأسمال. فالأستاذ الجامعي قد يراكم خلال مساره رأسمالاً ثقافياً يتمثل في الشهادات والمعرفة والأبحاث والمنشورات، ورأسمالاً رمزياً يتجسد في التقدير العلمي والاعتراف الاجتماعي، ورأسمالاً اجتماعياً يتشكل من علاقاته بالطلبة والزملاء والمؤسسات الأكاديمية. غير أن هذه الأشكال من الرأسمال لا تتحول تلقائياً إلى رأسمال اقتصادي. فقد يمتلك الأستاذ سمعة علمية محترمة، ويكون قد ساهم في تكوين أجيال من الخريجين، لكنه يقترب من التقاعد وهو لا يزال يسدد ديوناً مرتبطة بالسكن أو السيارة أو غيرهما من متطلبات الحياة. وفي المقابل، يستطيع المهني الذي يحول خبرته إلى مشروع خاص أو نشاط استثماري أن يراكم، في ظروف مواتية، رأسمالاً اقتصادياً قد يستمر في النمو خارج ساعات عمله المباشر.

وهنا يظهر التباعد بين القيمة الاجتماعية للعمل وقيمته السوقية. فقد يكون تعليم الأجيال أو علاج المرضى محدودي الدخل أو الدفاع عن شخص عاجز عن تحمل أتعاب المحاماة ذا قيمة اجتماعية كبيرة، دون أن يقابله عائد مالي مرتفع. وفي المقابل، قد تحقق بعض الخدمات الموجهة إلى الفئات الميسورة أرباحاً أكبر، رغم أن منفعتها الاجتماعية ليست بالضرورة أعظم. قد يمنح المجتمع الأستاذ اعترافاً رمزياً كبيراً، لكنه لا يقبل بهذا الاعتراف كوسيلة لتسديد أقساط منزله أو تعليم أبنائه.

صاحب الرسالة لا يعيش خارج السوق

تكمن إحدى نقاط الضعف في الخطاب “الرِّسالوي” عن المهن النبيلة في أنه يتعامل أحياناً مع أصحابها كما لو كانوا يعيشون خارج العلاقات الاقتصادية التي تحكم بقية المجتمع. فالأستاذ مطالب بأن يكون متفانياً، والطبيب بأن يكون إنسانياً، والمحامي بأن يكون مدافعاً عن العدالة، لكن هؤلاء جميعاً يعيشون داخل مجتمع أصبحت فيه متطلبات السكن والصحة والتعليم والنقل والاستهلاك تشكل أعباء مالية متزايدة. ولهم، فضلاً عن ذلك، التزامات أسرية واجتماعية لا يمكن اختزالها في حاجاتهم الشخصية. فهم مسؤولون عن إعالة أسرهم، وتعليم أبنائهم، ومساعدة أقاربهم عند الحاجة، والمشاركة في مناسبات اجتماعية تفرض بدورها نفقات متفاوتة. وقد يتحمل بعضهم التزامات مالية تمتد إلى ما بعد نهاية حياته المهنية. وقد بلغت الهشاشة المادية لدى البعض حدّ إنهاء مسارهم المهني دون التمكن من امتلاك سكن، فظلوا يعيشون في منازل مكتراة حتى بعد التقاعد. بل إن بعضهم رحل عن الحياة تاركاً أسرته دون مأوى مملوك، واضطرت أرملته إلى الاعتماد على تعويض الوفاة ومساهمات تضامنية من الأصدقاء والأقارب لتوفير مبلغ يساعدها على اقتناء شقة. وتكشف مثل هذه الحالات عن مفارقة مؤلمة: فقد أمضى الرِّسالوي حياته في تأمين وضع الآخرين المعرفي أو الاجتماعي أو الصحي، دون أن يتمكن بالضرورة من تأمين الاستقرار السكني لأسرته.
ومن غير المنطقي، والحالة هذه، أن يُطلب من الرِّسالويين أن يتصرفوا وفق أخلاق التضحية، بينما يُتركون لتدبير حياتهم الخاصة وفق قواعد السوق. فالسوق لا يخفض أسعار السكن لأن المشتري أستاذ مخلص، ولا يمنح الطبيب امتيازاً في مصاريف تعليم أبنائه لأنه أنقذ حياة المرضى، ولا يعفي المحامي من التزاماته المالية لأنه دافع عن حقوق الفئات الضعيفة. وهنا يتضح التناقض بين اقتصاد الرسالة واقتصاد الحياة اليومية. ففي الأول، تُقاس قيمة الفرد بما يعطيه للمجتمع؛ وفي الثاني، تتحدد قدرته على تأمين مستقبله بما يستطيع الاحتفاظ به وتراكمه من موارد. ولا تكمن المشكلة في اهتمام أصحاب هذه المهن بمصالحهم المادية، بل في التصور الذي يجعل هذا الاهتمام يبدو وكأنه تنازل عن نبل المهنة. فالمصلحة الشخصية ليست بالضرورة نقيضاً للمصلحة العامة، كما أن السعي إلى الاستقرار المالي لا يعني التخلي عن الأخلاق المهنية.

الوطنية بين التضحية والحق في العيش الكريم

إذا كان الانتماء الوطني يقوم على تخيل مصير مشترك بين أفراد المجتمع، فإن هذا المصير لا ينبغي أن يتحول إلى التزام أحادي الاتجاه، يعطي فيه بعض المواطنين أكثر مما يستطيعون استرداده من شروط العيش الكريم. فالأستاذ الذي يساهم في بناء الأجيال لا ينبغي أن يُطلب منه الاختيار بين خدمة المؤسسة وتأمين مستقبله المادي. والطبيب الذي يكرس حياته لصحة المواطنين لا ينبغي أن يكون مضطراً إلى المفاضلة بين الإخلاص للمستشفى العمومي وتحسين ظروف أسرته. والمحامي الذي يدافع عن العدالة لا ينبغي أن يجد نفسه أمام تعارض دائم بين قيم المهنة ومقتضيات الاستقرار الاقتصادي. والوطنية، بهذا المعنى، ليست مطالبة مفتوحة بالتضحية، بل علاقة متبادلة بين الفرد والجماعة. فإذا كان المجتمع ينتظر من أفراده أن يسهموا في بنائه، فإن من حق هؤلاء أيضاً أن ينتظروا منه شروطاً مهنية واقتصادية تجعل هذا الإسهام ممكناً دون أن يتحول إلى مصدر للهشاشة. وهذا لا يعني أن الدولة مطالبة بتحويل جميع أصحاب المهن إلى أثرياء، وإنما يعني أن الاعتراف الاجتماعي بالرسالة ينبغي أن يصاحبه اعتراف مادي يضمن الكرامة والاستقرار، وألا تتحول الأخلاق المهنية إلى ذريعة لتجاهل شروط العيش والعمل.

هل أخطأ الذين اختاروا الرسالة؟

عند نهاية مسار مهني طويل، قد يجد الإنسان نفسه أمام حصيلتين مختلفتين: حصيلة معنوية تتمثل في المعرفة التي أنتجها، والأجيال التي ساهم في تكوينها، والخدمات التي قدمها للمجتمع؛ وحصيلة مادية تتمثل في المدخرات والممتلكات والقدرة على مواجهة متطلبات التقاعد. وقد تكون الحصيلة الأولى غنية، بينما تظل الثانية متواضعة. وهنا ينشأ سؤال مؤلم: هل كان الوفاء للرسالة اختياراً صائباً، أم أن الانشغال بخدمة الآخرين جعل صاحبه أقل اهتماماً بتأمين مستقبله الشخصي؟ ليس من الضروري أن تكون الإجابة إدانة للاختيار الأول أو تمجيداً للاختيار الثاني. فمن الخطأ اختزال قيمة الحياة المهنية في الثروة المتراكمة، كما أنه من الخطأ اعتبار الفقر أو الهشاشة المادية دليلاً على النبل الأخلاقي. فقد ينجح الإنسان في خدمة المجتمع وفي تحقيق الرفاه المادي معاً، وقد يفشل في أحدهما أو كليهما، بصرف النظر عن طبيعة القطاع الذي يعمل فيه. لكن ما يستحق المراجعة هو السردية التي تجعل التضحية الاقتصادية شرطاً ضمنياً للإخلاص المهني. فليس مطلوباً من الأستاذ أن يكون فقيراً لكي يكون مربياً صالحاً، ولا من الطبيب أن يتخلى عن الرفاه لكي يكون إنسانياً، ولا من المحامي أن يهمل مصالحه لكي يكون مدافعاً عن العدالة. والسؤال، في نهاية المطاف، ليس ما إذا كان الذين اختاروا الرسالة قد أخطؤوا، وإنما لماذا يُوضع بعض المهنيين أمام اختيار بين الوفاء لمهنتهم وتأمين مستقبلهم الاقتصادي، بينما يُفترَض أن يكون النجاح في خدمة المجتمع متوافقاً مع الاستقرار المادي لصاحبه.

ولا تقف خطورة هذا التحول عند حدود التفاوت الاقتصادي بين الرسالوي والكارييريست، بل تمتد إلى الأسس الأخلاقية التي يقوم عليها المجتمع. فالتعليم والطب والمحاماة ليست مجرد أنشطة اقتصادية، بل مؤسسات محورية في إعادة إنتاج المجتمع وضمان استمراره وتماسكه؛ فالأستاذ يكوّن الأجيال وينقل المعرفة والقيم المشتركة، والطبيب يحمي الحياة ويعزز الثقة في منظومة الرعاية، والمحامي يسهم في حماية الحقوق وترسيخ العدالة. وإذا خضعت هذه المهن تدريجياً لمنطق التراكم الرأسمالي والربحية وحده، فإنها قد تفقد جانباً من رسالتها الاجتماعية، ويتحول التعليم والعلاج والحق في الدفاع إلى خدمات تتحدد جودتها وإمكانية الحصول عليها بالقدرة الشرائية. وعندئذ لا تكون النتيجة مجرد تراجع في أخلاق المهنة، بل اختلالاً في الآليات التي ينتج بها المجتمع تضامنه وثقته بمؤسساته وشعوره بالانتماء إلى مصير مشترك. فحين تتراجع الرسالة أمام منطق السوق، لا يخسر المهنيون وحدهم، بل قد يخسر المجتمع بعض الأسس التي تحفظ وحدته وتماسكه

تكشف الحالة المغربية عن فجوة بين القيمة الاجتماعية للمهن ذات الرسالة ومردودها الاقتصادي. ولذلك لا ينبغي أن تُفهم الوطنية أو الأخلاق المهنية بوصفهما التزاماً بالتضحية الدائمة، بل باعتبارها علاقة متبادلة تضمن لمن يخدم المجتمع شروط العيش الكريم. ويتطلب تضييق هذه الفجوة سياسات عملية تشمل مراجعة أجور وتعويضات العاملين في التعليم والصحة والعدالة وفق كلفة المعيشة ومسؤولياتهم، وتقوية أنظمة التقاعد والتغطية الصحية، وتوفير تعويضات ملائمة عن السكن والنقل والعمل في المناطق النائية، وإتاحة مسارات قانونية وشفافة للتكوين والاستشارة والأنشطة المهنية الإضافية، إلى جانب دعم الادخار والتخطيط المالي ومنع تضارب المصالح. كما ينبغي اعتماد مؤشرات للترقية والتقييم تعترف بالبحث والتأطير والخدمة الاجتماعية. فحماية الكرامة الاقتصادية لأصحاب المهن النافعة ليست امتيازاً، بل استثمار في جودة الخدمة العامة واستمرارها. إذ لا يمكن لمجتمع أن يطلب من مهنييه خدمة الوطن بإخلاص، ثم يتركهم يدفعون ثمن ذلك من أمنهم المادي ومستقبل أسرهم.
ذ. محمد معروف، جامعة شعيب الدكالي

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد