اهتداء بالنجوم في متاهة الصحراء

منتصر لوكيلي

كاتب المقال: منتصر لوكيلي
تنتشر في الصحراء عشرات القصص عن المغامرات واختراق البيد والقفار، ولكنها تنتهي إلى نتيجة حتمية: لا قدرة للإنسان على تحديها. من المستحيل خوض غمار السير في الفلوات لمسافات طويلة دون أن يقضي المرء نحبه عطشا.. وإن كنا آنسنا في حكايات من خبر الصحراء من شعراء الصعاليك العرب في الجاهلية فاختلطت الأسطورة بالحقائق، إلا أننا آمنا بأن الإنسان ابن بيئته. أليس من الصعب على الصحراوي أن يتأقلم مع ظروف الحياة في منطقة ثلجية باردة ؟ أو أن يخوض فيها حربا ؟ تذكرت ما قرأته في “الصحراء.. الرواية الأخرى” لمحمد أحداد عن الجنود المغاربة من أبناء الصحراء الذين تم إرسالهم إلى منطقة الحاجب حيث الثلوج والبرد القارس .. كما أن أبناء قمم الجبال والذين ألفوا التسلق والاختباء في الأحراش والأشجار لن يتمكنوا من خوض الحرب في فضاء فسيح لا حدود له ناهيك عن تأثير الحرارة…. وكلما انطلقت بي السيارة في طريق السمارة أو الفيافي المحيطة بالساقية الحمراء إلا وتذكرت صعاليك العرب كالشنفرى وتأبط شرا والسليك بن السلكة، فأستنتج أن ليس من هو أقدر من هؤلاء على مواجهة الصحاري، وربما تذكرت ما نُسب للسلكة من شعر ترثي به ابنها السُليك:
طـافَ يَـبْـغِـي نَـجْـــوَةً ……… مِـنْ هَـــــلاكٍ فـهَـلَــكْ
أمَـرِيــضٌ لـم تُـعَــــــدْ ………. أم عَــــــــدُوٌ خـَـتـَـلَـكْ
فالـمـنـــايــا رَصـَــــــدٌ ………. للفَـتـَــى حَـيْـثُ سَـلَـكْ
أيُّ شــــــيءٍ حَـسَــــنٍ ………. لِـفَـتـــىً لَـمْ يَــكُ لَــكْ
كُـلُّ شَــــيءٍ قــاتِـــــلٌ ………. حـين تـَـلْـقَــى أَجَـلَــكْ
إنَّ أَمــــــرَاً فــادِحــــاً ……… عَـنْ جــوابـِــي شَـغَـلكْ
ليتَ نـفْـسـِــي قُـدِّمـَتْ ……….. لـلـمــنــايَـــا بَـــدَلَــكْ
وإن كانت العبرة من قصة السليك بن السلكة – منذ لقيته في صباي في قصص العرب وبعد ذلك في وقائع أبي النحس المتشائل لإميل حبيبي- هي أن المنايا تتبع الفتى حيث يسلك، وربما اعتقد أن نهايته باتت وشيكة في البيداء، بينما يُقدر له الموت في فراشه.. ولعل ما دفعني لكل هذا هو بضع جولات قصيرة في بعض طرق الصحراء حيث يمتد الأفق بشكل لامتناهٍ، وحيث ينتاب المرء شعور بالخوف والعظمة في الآن نفسه، وكنت قد سألت أحد العارفين عن كيفية الاهتداء في الصحراء بالنسبة لمن لا يعرف الطريق؟ فسمعت قصة اعتقدتها من نسج الخيال، ثم بحثت عنها فوجدتها واقعية حصلت منذ بضعة عقود، وقد كتب عنها ونشرها ضابط بالجيش المغربي ساقه حظه العاثر إلى معاناة الأسر والسجن في مخيمات تندوف، فألف كتابا بعنوان “25 سنة في معتقلات تندوف”، وفيه يروي ما رأى بأم عينه من الأهوال ويورد قصة رفيق له صمم على الهروب من السجن وقطع مسافة تسعين كيلومترا على الأقدام في وسط الصحراء دون أن يتيه.. والغريب أن هذا البطل ليس من أبناء الصحراء ولا يعرفها بل هو قادم من جبال الأطلس وبالضبط من قبيلة “أيت يوسي”، وهي غير قبيلة “أيتيوسا الصحراوية” فالأولى تندرج تحت لواء إتحادية آيت يدراسن الصنهاجية، ويزعم النسابة أن أصل التسمية هو “اليوسفي” نسبة إلى أحد آباء القبيلة واسمه يوسف، وما لبث الترخيم أن فعل فعلته فسقطت الفاء إلى الأبد، وقد استقرت مضاربها جنوبي مدينة صفرو إلى مشارف ميدلت، أما الثانية فتمتد من وادي نون إلى الساقية الحمارء وتدخل ضمن مجال وادي درعة وتعد ضمن اتحادية تكنى.
انضم حسن المرضي القادم من جبال الأطلس لسلاح الطيران في القوات المسلحة الملكية خلال سبعينيات القرن الماضي، وشاءت الأقدار أن يقود طائرته الحربية قرب موقع “راس الخنفرة” فيسقطها صاروخ من صواريخ أرض-جو، فلم يملك الطيار سوى أن قذف بكرسيه خارجا، ليقع في قبضة عناصر البوليساريو الذين اقتادوه أسيرا إلى معتقلات تندوف الرهيبة، وهناك قضى قرابة عقد من الزمن في معتقل “الرابوني”. ومما يحكيه السجانون والسجناء عموما عن السجون أن فكرة الهروب تراود كل من أقفلت عليه الزنزانة أبوابها، وما أكثر القصص التي قرأناها والأفلام التي شاهدناها عن السجناء الذين ينجحون في الإفلات من قبضة السجن والتبخر في الطبيعة، كالكونت دو مونتي كريستو أو جان فالجان وغيرها، إلا أنها تدل على غريزة طبيعية في البشر وهي استرجاع الحرية المسلوبة. وقد كنت قرأت ذات مرة عن بعض الدول التي لا تعاقب الهاربين من السجون، ولكنها قد تتابعهم بتهمة تدمير الممتلكات العامة إن كانوا خلال الهروب قد أحدثوا دمارا أو تخريبا.. أما الطيار المرضي، فقد مكث طويلا يخطط في صمت، مستفيدا من استعانة جلاديه به، فالسجناء الذين يتقنون صناعة أو عملا يدويا أو بناء أو إصلاحا يكونون ذا فائدة، وهو ما جعله ليحتفظ ببعض القوى بخلاف من ذهب للأشغال الشاقة فلا يعود إلا وقد بلغ منه الإجهاد مبلغه.
فكر بادئ ذي بدء في الاختباء بإحدى الشاحنات التابعة للهلال الأحمر، حتى إذا ابتعدت من تندوف، قفز منها في الطريق صوب بشار، لكنه تراجع عن الفكرة، فبمجرد المناداة على الأسرى،ستُعلنُ حالة الاستنفار، وسيتم تفتيش جميع وسائل النقل المغادرة تيندوف بما فيها تلك المتجهة صوب بشار، وسيتم التقاطه بسهولة ليردى قتيلا. ثم عمد إلى التفكير واستشارة البعض من زملائه في الأسر في عبور المسافة الفاصلة بين معتقل الرابوني ومنطقة المحبس حيث تتمركز وحدات الجيش المغربي، وذلك في ليلة واحدة بالعدو الخفيف.. لكن مجموعة من الأسئلة كانت تطرح نفسها بقوة: كيف يسترشد المرء في ظلام الصحراء ليصل إلى مبتغاه؟ ماذا لو أخطأ الهدف فسار في اتجاه خاطئ؟ ماذا عن الحرس والعسس وربما الضواري أيضا؟ وبالصدفة وقع بين يديه كتاب تضمن خريطة للمنطقة، فكان يدقق فيها ويحسب المسافة بين نقطة الانطلاق ونقطة الوصول ثم يحسب عدد الساعات والدقائق ويتلوها بعملية قسمة ليعرف كم سيقطع من كيلومتر في الساعة، ثم استقر رأيه على التأهيل البدني والقيام بالرياضة، وهو ما شرع فيه بمعية بعض زملائه، لكن فرار أحدهم وعثور الحراس عليه ثم قيامهم بقتله والتنكيل بجثته جعل الباقين يتراجعون عن فكرة الرياضة، أما هو فلم يتوقف عن ممارسة رياضة القفز على الحبل، وما إن نبهه أصدقائه إلى صوت الجلبة التي يحدثها قفزه حتى توقف لبضعة أيام ثم استأنف رياضته حافي القدمين حتى لا يشعر به أحد.
كانت عملية المناداة على الأسرى تتم في السادسة مساء ومنتصف الليل والسادسة صباحا، وبالرغم من كون التوقيت غير صالح، فإذا فر مع السادسة فإن مناداة منتصف الليل ستظهر غيابه ولن تكون الساعات الست كافية له ليصل إلى مبتغاه. لكن المرضي لم يتراجع عن قراره، فشرع ينام في الساحة بدعوى نشوب خلاف مع زملائه واستغلها لإفراغ كميات من الرمال في المكان الذي سيقفز إليه؛ كي يخفف السقطة عندما يقفز ويتفادى إحداث أدنى صوت، كما استغل الفرصة للتملي بالنجوم التي سيسترشد بها فالنجمة القطبية وهي آخر نقطة في ذيل الدب الأصغر تشير إلى الشمال وذات الكرسي تغير موقعها، والنجوم عموما تنطلق من جهة الشرق، وترتفع في السماء، ثم تنزل تحت الأفق الغربي بعد ذلك، وكان المرضي يعلم أن تلك الحركة في السماء غير واردة لأن ما يدور هي الأرض، كانت جلسات المساء الطويلة بمثابة دراسة ميدانية حقيقية لمن سيكونون أدلائه ومرشديه. وكأن القدر كان على موعد مع مخطط المرضي، فقد تم التخلي عن مناداة منتصف الليل والاكتفاء بمناداة العاشرة ليلا، فقام باستكمال إجراءات خطته وقطع الضوء الكشاف المسلط على الجهة التي سيغادر منها وهو يدعي أنه يصلح التيار الكهربائي ثم عمد إلى كلبة كثيرة النباح فربطها بدعوى أنها تزعج الضباط النائمين ليلا.
وهكذا لم يتبق للمخطط إلا التنفيذ، ففي يوم من أيام شهر يونيو، وبعد المناداة التي تمت في التاسعة والنصف مساء، وبعد إنطفاء الأضواء، ذهب المرضي إلى مكان نومه المعهود في الساحة، وتسلق الجدار دون أن يحدث أدنى جلبة، وللحظة سأل نفسه إن كان سيفعل ما هو فاعل أم لا؟ كان هناك صوتان يترددان في نفسه : صوت يأمره بالعدول عن الفكرة وانتظار الفرج، فالمفاوضات قائمة والوساطات الدولية مستمرة ومن الجنون أن يفر فيتم العثور عليه وقتله، بينما كان الصوت الآخر يهمس له أن يقفز، ولها مدبر حكيم، فقفز.
حين لامست أقدام المرضي الرمال التي راكمها اتجه عدوا إلى حائط آخر، فدار حوله ثم اتجه شمالا ليبلغ قمة تلة يعرفها مركزا على السير على الحجر والحصى لتفادي ترك الأثر، حدد موقعه بذكاء بالرغم من الأضواء المنطفئة، وخلع سرواله مكتفيا بالسروال الداخلي القصير ومنتعلا حذاء رياضيا وهو يعدو عدوا خفيفا، حتى إذا تجلت له أضواء مدينة تندوف انعطف غربا، مسترشدا بالنجمة القطبية التي جعلها على يمينه، كانت الآية القرآنية: “وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ” هي آيته بحق، تساءل في ذهنه: ترى؟ لماذا خلق الله عز وجل هذه النجوم؟ وتذكر ما سمعه في طفولته بكونها رجوم الشياطين، وما هي الشياطين أصلا؟ تذكر الجلادين وقسوتهم وتساءل لماذا لم يتم رجمهم؟ دفع الفكرة عن رأسه بعنف واستنشق الهواء ملء رئتيه وأنفاسه تتصاعد وفق إيقاع عدوه الخفيف. نظر إلى النجوم من جديد، استنتج أن الله خلقها لكي يهتدي بها الآن، ضحك في عبه مستهزئا بنفسه وسائلا إياها: ومن تكون أنت حتى يخلق الله هذه النجوم لتساعدك على الفرار ؟ إن أنانية الإنسان تدفعه للاعتقاد بأنه مركز الكون … حاول التركيز من جديد واستنتج هذه المرة أن الله خلق النجوم لتزين السماء.. توقف عند هذه الفكرة الأخيرة، ليجد أن جمال سماء الصحراء والسماء تتلألأ نجوما لا يضاهيه جمال، كان الليل حالكا والغريب أنه استشعر الطمأنينة بالرغم من خوفه الشديد، شيء غامض في الصحراء يدفعه إلى الاطمئنان. في بعض اللحظات تبدو ظلال بعض النباتات أو شجيرات الطلح وكأنها أشباح الحراس يطاردونه.. تساءل: ترى؟ كم الساعة الآن؟ وأين أنا الآن؟ هل أكون تجاوزت منتصف الطريق؟.. كان التعب قد بدأ يتسرب إلى الجسم وينتقل إلى النفس والبرد القارس يزداد قسوة واليدان متجمدتان، سأل نفسه: ماذا لو استرحت قليلا؟ الجسم بحاجة إلى قليل من الراحة ليستأنف مجهوده، لكن صورة المطادرين والرفيق الهارب الذي عثر عليه الجلادون القتلة جعلته يدفع الفكرة بعنف ويستأنف عدوه الخفيف. بيد أن لجسم الإنسان حدودا والذكي هو من يحسن ترشيد طاقته، لا سيما وأن الأكل في السجن كان رديئا، فلا بأس من المشي قليلا والعدو قليلا… لن يضيع الكثير من الوقت لكن جهدا جهيدا سيتم توفيره وهو بحاجة إليه حين يقترب من الجدار الأمني بالمحبس. مر على موقعين من المواقع العسكرية لكنهما مهجوران… أحس أن لليل جمالا لا يوصف، وتساءل: ماذا لو يستمر الليل إلى الأبد؟ الحقيقة أن لا حاجة لنا بالنهار، فالليل يمنحنا السكينة والهدوء ويوفر علينا كميات كبيرة من الماء نضطر لشربها ثم تتخلص منها أجسادنا المنتنة… أمام هذه الفكرة كان الخيط الأبيض يشق طريقه، وهنا تغيرت الخطة، لبس سرواله الذي نزعه في البدء، ورفع من إيقاع عدوه، كان يتخيل السيارات المطاردة تحيط به فيسرع في عدوه غير مبالٍ.. مقررا عدم الالتفات، قال بصوت خافت: فليطلقوا النار علي ولينهوا حياتي.. اكتمل ضوء النهار واختفت النجوم التي رافقته لساعات الليل عندما ظهرت أمامه أكوام الرمل على بعد مسافة قدرها بكيلومترين أو أزيد، لا بد وأنها جدار المحبس الذي سمع عنه، هو الآن إذن على مرمى حجر، لكن الخطر ما زال محدقا، نزع قميصه ولوح به في الهواء وهو يركض بأقصى سرعته، وعلى كوم الرمل، كان هناك جندي يشير إليه بالتوقف، ثم يرسل الحجارة في اتجاهات بعينها، فهم المرضي ما يقصد إليه الجندي المغربي، إنه الآن أمام حقل الألغام والحجارة التي يقذف بها الرجل هي لرسم طريق آمن يتفادى به هذه الألغام.. وأخيرا وجد نفسه وقد تجاوز تلك المسافة القاتلة وهو يقف قبالة ضابط صف يحمل رشاشا ويسأله عن من يكون، قدم نفسه لاهثا، قبل أن يسأل عن الساعة، ليعلم أنها الثامنة صباحا، ثم أحس بيدي الضابط المغربي تلتفان حوله معانقا ومهنئا بالسلامة. هكذا تمكن ابن جبال الأطلس أن يتلمس طريقه في متاهات الصحراء مهتديا بالنجوم، فقد أطلق ساقيه للريح في مسافة تفوق الثمانين كيلومترا لساعات، ولا شك أن كل لحظة منها ظلت خالدة في ذكراه حتى وفاته، وربما ردد قول السلكة ترثي السليك وهو على فراش الموت:
فالمنايا تبع ……….. للفتى أنى سلك

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد